#adsense

لحظة “الحسم” مع النظام السوري تقترب

حجم الخط

يُسقط المبادرة العربية بقرار أحاديّ ويكشف مجدّداً نيّته استتباع لبنان
ويُمعن في تحدّي الشرعيّتين العربية والدولية

لحظة “الحسم” مع النظام السوري تقترب
نصير الأسعد

 

“فجأة” قرّر النظام السوري من جانب واحد أن المبادرة العربية لحلّ الأزمة اللبنانية لم تعد “صالحة” وانتهت. وقامَ بإبلاغ قراره “الأحادي” هذا الى الأمين العام للجامعة عمرو موسى. وتقدّم بـ”مبادرة سورية” مناقضة كلياً للمبادرة العربية، تقوم على تشكيل حكومة انتقالية تعدّ قانون الانتخاب وتشرف على انتخابات نيابية مبكّرة في غضون ستة أشهر مع وعد بـ”تسهيل” إنتخاب رئيس الجمهوريّة في المقابل.


“مشروع سوري” في وجه المبادرة العربية


هذا التعاطي من جانب نظام الأسد يسلّط الضوء على نقاط رئيسية. مِن هذه النقاط ما بات معروفاً لجهة نيّته إبقاء لبنان في مرحلة انتقالية مديدة لا سلطات دستورية راسخة أثناءها، وهي المرحلةُ التي ستشهد انطلاق المحكمة الدولية. ومِن النقاط المعروفة أيضاً أنه يعمل بشتّى الوسائل لتغيير التوازن اللبناني الذي يزعجه في وضعيّته الراهنة أي لتغيير معالم الأكثرية والأقلية حتّى إذا انتخب الرئيس.


بيدَ أن التعاطي الأخير، أي إسقاط المبادرة العربية من جانب واحد واستبدالها بـ”مشروع سوري”، يكشف حقيقة أن النظام في سوريا يتطّلع إلى أن يكون الآمر الناهي في لبنان، أي على أساس أن لبنان تابع له وهو يقرّر له “ما يلزم”، ما يعني أنه ـ ومن جانب واحد أيضاً ـ يعيدُ وصايته على البلد. وبكلامٍ آخر، فإن النظام السوري يقرّر أن الوقت قد حان لإعلان “حقيقة” ما يريده استتباعاً للبنان.


نظام الأسد: محاولة فرض أمر واقع قبل القمة


ذلك ما يفسّر بشكل وافٍ ما يريده من القمة العربية المقبلة. فهو إذ يستبق القمة بإعلان سقوط المبادرة العربية، وبإعلان نواياه تجاه لبنان، يريد من القمة أن تنطلق من “أمر واقع” هو أن الحلّ في لبنان يكون سورياً أو لا يكون. ويريد منها أن تكرّس هذا “الأمر الواقع”. ويريد أن يأخذ منها تفويضاً عربياً. وهو منذ أن بدأ الحديث عن ظروف إنعقاد القمة مع اقتراب موعدها لم يخفِ نيّته جعل هذه القمة إطاراً لتفاوض سوري ـ عربي حول أمرَين: الأول إسقاط المحكمة الدولية، والثاني “دوره” في لبنان. ولذلك، كان بديهياً أن يستمرّ في “تعليق” الوضع اللبناني حتى القمة.


لا شك أن هذا التطوّر “مفيد”. فلم يعُد مشروع النظام السوري لـ”العودة” الى لبنان “طلسماً” بحاجة الى “فكّ”. ولم تعُد “المعارضة” حليفة هذا النظام قادرة فيما هي تنفّذ المشروع السوري على تحويل الأنظار باتجاه الحديث عن “مشاركة” لا أصل لها.


الموقف الحازم لـ”دول محور النظام العربي”
غير أن الأهم مما ينبغي لفتُ النظر إليه هو أن القرار الأحادي الأخير بإسقاط المبادرة العربية، إنما يضعُ نظام الأسد في مواجهة معادلات أساسية.


من نافل القول بدايةً أن النظام السوري يواجه أكثرية لبنانية مكرّسة، في وقتٍ تبدو “معارضته” مرتبكةً أكثر من أي يوم مضى، وضعيفةً كما لم تكن يوماً خلال السنتين الماضيتين. ولعلّ لا مبالغة في القول إنّ ارتباك “المعارضة” وضعفها دفعا النظام في سوريا الى ترك “الستارة” المحلية أخيراً وإلى “التقدّم” بشكل سافر.


لكن نظام الأسد يواجه موقفاً حازماً من “الشرعية العربية”. حتى الآن أعطت دول “محور النظام العربي” النظام السوري فرصاً وأفهمته أن الحل في لبنان هو المحكّ. وحتى الآن، ضغطت هذه الدول عليه بموضوع القمة عندما ربطتها بالحل في لبنان. لكن الضغط العربي لن يبقى ضمن هذه الحدود. فعندما يمعنُ النظام في دمشق في تحدّي الشرعية العربية وصولاً الى إسقاط مبادرتها، وعندما يُمعن في تحدّي نظام المصلحة العربية، وعندما ينشقّ عن الشرعية والنظام العربيَين، سيكون عليه توقع أن ترفع دول “محور النظام العربي” الغطاء عنه، وهو يعرف أن هذا الغطاء شكّل حمايته خلال السنوات الطويلة الماضية.


التلطّي بفلسطين لا يجدي


و”اللافت” هنا أن النظام السوري الذي يعرفُ حجم “الغضب” العربي، حاول في الأيام الماضية الاحتماء بفلسطين، إذ أعلن أن القمة في دمشق ستكون “قمة فلسطين بامتياز”. فمن جهة هذه طريقتُه لـ”التستير” على أهدافه اللبنانية من القمة، ومن جهة أخرى تلك طريقتُه في محاولة اكتساب شرعية عربية ما في وجه العرب الآخرين.


على أن ذلك لن يفيده. فلم يعُد خطّه التفاوضي مع إسرائيل مجهولاً لدى كلّ العرب، ولدى الفلسطينيين بشكل خاص. وعلى هذا الخطّ التفاوضي “باع” القيادي البارز في “حزب الله” عماد مغنية. وعلى هذا الخطّ “باع” غزّة و”حماس”. وهو يكتفي بـ”مراقبة” ما يجري في القطاع الفلسطيني من مجازر ومحارق.


النظامان السوري والإيراني و”الأداء المتشابه”


وفي هذا السياق، ثمّة ما يلفتُ في الأداء المتشابه بين النظامين السوري والإيراني. الأول يفاوضُ إسرائيل عبر قنوات متعدّدة بهدف أخذ الحماية منها ويبدي إستعداده لشتّى التنازلات، وفي الوقت نفسه، يتحدّث عن فلسطين و”المقاومة” و”الممانعة”. والثاني يوجّه رسالةً واضحةً في ودّها الى أميركا فيزور الرئيس أحمدي نجاد العراق بحماية أميركية، وفي الوقت نفسه يهاجم الولايات المتحدة من داخل طوق الحماية الأميركية حوله. هذا من دون أن ينسى أحدٌ أن العراق “ملعب” مشترك أميركي ـ إيراني “متفاهم” عليه.


الجواب الأميركي.. “كول”


الجوابُ الأميركي على الخطّ التفاوضيّ السوري ـ الإسرائيلي أتى عبر المدمّرة “كول” قبالة الشواطئ السورية.. واللبنانية. فـ”كول” لم تأتِ للبنان بل أتت لسوريا. ولا يهمّ أنّ النظام السوريّ في الظاهر طمر رأسه في التراب كالنعامة. وهذه البارجة هي عنوانُ ضغطٍ أميركي متصاعد على نظام الأسد يمهّد الطريق أمام عقوبات دولية عليه. والجواب الأميركي على “الرسالة الإيرانية” تمثّل في القرار الصادر عن مجلس الأمن أول من أمس بتشديد العقوبات على إيران، بإجماع أركان المجتمع الدولي.


المقصود قولُه هنا هو أنّ الولايات المتحدة “تردّ” على الخطّ التفاوضيّ السوري ـ الإسرائيلي بإعتبار أن ما يعرضه النظام السوري على إسرائيل من تنازلات لا يكفي. وبكلام أدقّ من الواضح أن واشنطن، على أهميّة التنازلات التي يبديها نظام الأسد سواء بالنسبة الى “حزب الله” أو “حماس”، تريد أن تمنع تفاهماً سورياً ـ إسرائيلياً “على” لبنان. ولذلك، فإنّ الخطّ التفاوضيّ مع إسرائيل لا يخفّف الضغوط عن النظام بل يزيدها.


“الحسم”


هكذا إذاً، في تعاطيه مع لبنان بنيّة العودة الى إستتباعه، يواجه النظام السوري موقفاً عربيّاً حاسماً في رفض إستتباع لبنان من جديد وتهديد إستقلاله وسلامه وإستقراره، ويواجه على إيقاع الموقف العربيّ موقفاً دوليّاً يتطوّر تصاعديّاً.
و”يبدو” واضحاً أنّ ثمّة قراراً عربيّاً ودوليّاً يتبلور بـ”الحسم” مع النظام السوريّ و”سياسته” في لبنان. فلن يكون مسموحاً له بإملاء شروطه على هذا البلد.


يبدو أن ثمّة “لحظة حسم” مع نظام الأسد. فإمّا أن “يسهّل” في لبنان وقبل القمّة وإمّا يعرّض نفسه لمواجهة مع “محور النظام العربي” والمجتمع الدولي في آن.


وبما أن ثمّة “لحظة حسم”، من “المستحسن” متابعة التطوّرات الإقليمية الآتية.. سريعاً. لكن يبقى السؤال: هل من مجال في لبنان لـ”التحصّن” حيال هذه التطوّرات الإقليمية؟. والجواب البديهيّ هو: “حتّى الآن” لا يبدو الأمر ممكناً

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل