أولويات للحلول … وأولويات للتأزيم
عبدالله اسكندر
عبدالله اسكندر
مهما كانت التخريجة اللفظية لما ينتهي اليه المجلس الوزاري العربي في القاهرة اليوم، لم يعد سهلا ردم الهوة بين الاهداف المتعارضة لمعنى العمل العربي. إذ بمجرد ان يتركز خلاف على التنافس في التعامل بين الأزمات التي من المفترض ان تتعامل معها القمة العربية، يمكن استنتاج ان الاولويات لم تعد مسألة تتصل بالازمة نفسها وسبل حلها، وانما بعملية توظيف لهذه الازمة، إن لم يكن استغلالها.
ومع ما يبدو تعارضا في أولوية العدوان الاسرائيلي على قطاع غزة وأزمة الرئاسة في لبنان، تُضاف ازمة أخرى تتعلق بالتعامل مع العقوبات الدولية الجديدة على ايران وكيفية التعامل معها. فهذه العقوبات تعني كل الدول، ومنها العربية، التي على علاقة تبادلية، تجارية وصناعية، مع طهران. لأنها تفرض على هذه التبادلات رقابة وتفتيشاً دوليين يمكن ان يمارسا في أي مطار او ميناء عربي عند الاشتباه.
هذه العقوبات الدولية الملزمة على ايران، بموجب القرار الدولي الأخير، تتعلق بمؤسسات وأشخاص ومواد. والتزامها سيكون محكا في العلاقة مع طهران، خصوصا بالنسبة الى سورية المرتبطة معها بعلاقة استراتيجية ليس سهلا معها التقيّد بالقرار الدولي. وذلك في الوقت الذي يُستبعد ان تقف الدول العربية الاخرى في مواجهة القرارات الدولية.
لا ارتباط مباشراً بين تطورات لبنان وفلسطين وبين العقوبات الجديدة على ايران. لكن التقيد بها والتزامها سيؤثران في طبيعة العلاقة مع طهران، وتاليا التحالفات المستندة اليها. وهي المسألة التي ستكون في خلفية الموقف السوري من أزمتي لبنان وفلسطين، لأنهما فيهما يُمتحن النفوذ والقدرة على التمسك بأدوار.
اما بالنسبة الى اولويات القمة، فينبغي ان تبقى فلسطينية بعد فك الحصار عن الانتخابات الرئاسية اللبنانية. فبمجرد حصول الانتخاب تنتهي اولوية الازمة اللبنانية في الاجندة العربية. لكن المشكلة تبقى في السعي الى القول ان العدوان الاسرائيلي يجّب ما عداها من قضايا، ومنها الرئاسة اللبنانية. لأن هذا السعي ينفي في طياته حق لبنان في ان يكون له رئيس، وتاليا ان يكون دولة. وكان صدى هذا السعي تصريحات سياسيين لبنانيين بعدم ضرورة تمثل لبنان في القمة، من غير التوقف عن معنى إلغاء دولة عضو مؤسس في الجامعة. في هذا المعنى، تفرض الازمة اللبنانية نفسها كأولوية راهنة لا تقبل اي تأجيل او مفاوضات داخل مؤسسة القمة. وكان ينبغي الا يستمر الفراغ الرئاسي اللبناني من تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي حتى حلول موعد القمة نهاية الشهر الجاري.
وفي هذا المعنى، يعكس جدل الاولويات سعيا الى مقايضات، وليس الى حلول، إن لم يكن محاولة لإغراق الحلول وأبقاء الأمور على تأزمها وتبرير الصمود بإدارتها.
وحتى القضية الفلسطينية التي تصدرت كل القمم العربية، يُراد لأولويتها الحالية ان تُعطى لدعم سلوك «حماس» وليس الحل الذي وضعه العرب في قمة بيروت، وليس العمل على مضاعفة الجهد مع الولايات المتحدة من اجل تنفيذ وعد الدولة الفلسطينية هذه السنة. أي ان المقصود في الاولوية الفلسطينية، كما حصل منذ اندلاع الأزمة اللبنانية، مناصرة فريق داخلي على آخر. وهي الطريقة الاسهل لعرقلة الحلول، واستمرار الازمات وتعقيدها ومن ثم التفرغ لإدارتها.