المجتمع الدولي مقتنع بأن النظام السوري يسيّر الأقليّة اللبنانية
ومحيط “حاكم دمشق” يفضّل المواجهة على التسليم بقضبان هولندا
ومحيط “حاكم دمشق” يفضّل المواجهة على التسليم بقضبان هولندا
الأسد يواجه الاختبار الأخير: إمّا المبادرة العربية وإمّا الخيار الأميركي
فارس خشّان
فارس خشّان
“الدهاء” السياسي لن ينفع في نقل مسؤولية الفراغ في رئاسة الجمهورية عن عاتق النظام السوري الى عاتق الأطراف اللبنانية. كل جهد يهدف الى تحقيق هذه النقلة النوعية لن ينفع، بل يرتد سلبا على من يبذله.
المجتمع الدولي ومن ضمنه المجتمع العربي يعرف الحقائق كما هي. الرئيس السوري بشّار الأسد سبق وسمع كلاما واضحا قبل أن تنطلق المبادرة الفرنسية. قيل له بالحرف: “بالنسبة لنا، لا نرى أن في لبنان معارضة بل هناك أطراف تتحكم بها أنت شخصيا”.
حاول الأسد أن يموّه هذه الحقيقة، فدفع بفريقه السياسي في لبنان الى تقديم العماد ميشال عون الى الواجهة، لكنّه فوجئ بابتسامة صفراء ترتسم على محيا “مفاوضيه” وبعبارات مباشرة تحفرها الشفاه المروّسة غضبا: “ولكن سيّدي الرئيس، أنت تضيّع فرصة ذهبية. العماد عون معروف موقعه بشكل جيّد في هذه الأيام، ولذلك أنت تلعب بالنار، فمتى فشلت المبادرة الفرنسية يعني أنك تنقل اللعبة من خيار ديبلوماسي هادئ الى خيار أميركي عاصف”.
لم يأبه الأسد، فهو لا يستطيع أن يدفع في لبنان من دون أن يتقاضى ثمنا فعليا فيه. الإنفتاح الأوروبي جيّد بالنسبة إليه ولكنه لا يكفي، فهو يريد ضمانات أميركية تقوم على أسس عدة، ومنها على سبيل المثال لا الحصر توقيف المسار السوري في التحقيق الدولي في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري كضمانة تُثبت التراجع عن العصا الموجودة في ثنايا المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، والاعتراف بالنفوذ السوري على لبنان من خلال إعطاء حلفاء الأسد حق النقض في السلطة التنفيذية اللبنانية.
لم يحصل الأسد على ما ابتغاه، مع أن الرسالة اللفظية التي حملها “حزب الله” الى مؤتمر “سان كلو” كانت واضحة وكذلك كانت مفهومة تلك المطالب التي ارتسمت على جثث وليد عيدو وانطوان غانم وفرانسوا الحاج ووسام عيد وفي التحرك الإرهابي لمنظمة “فتح الإسلام” المرتبطة بالمخابرات العسكرية السورية.
وبدل الانتقال من الخيار الديبلوماسي الفرنسي، الذي مُني بفشل أغضب الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، الى الخيار الأميركي كانت الحلقة العربية الوسيطة، إلا أن ما عجزت عنه أوروبا بدا مستحيلا أن يحصده العرب، على الرغم من الخرق الذي أحدثته الأكثرية النيابية في لبنان عندما تبنّت ترشيح قائد الجيش العماد ميشال سليمان، بصفته من الشخصيات التي رفعت لواءها الأقلية في لبنان.
وبمجرد أن بدا التحرك العربي على شفا الفشل، تحرك الأميركي ليُذكّر بخياره، فكانت القرارات التي طالت من يُسمّى في واشنطن “بشار الأسد المالي”، أي رامي مخلوف، ومن ثم أولئك الذين يشكّلون صلة الوصل بين النظام السوري وبين تنظيم “القاعدة” في العراق قبل أن تُغيّر البوارج الأميركية تموضعها في البحر الأبيض المتوسط مقتربة من المياه الإقليمية اللبنانية حاملة ـ على اعتبار أن كل حاملة طائرات تساوي ألف موفد ـ رسالة واضحة الى النظام السوري من مغبة الاستمرار في زرع الفوضى في لبنان.
وعلى الرغم من أن اللغة الأميركية الجديدة خرقت الخط الأحمر التقليدي المرسوم حول النظام السوري، فإنّ أي دولة عربية أو أوروبية أو غربية لم ترفع صوتها احتجاجا، لا بل أن كثيرا من الدول صمتت على الإجراء المتصل بـ”بشار الأسد المالي” وقدّمت ما يلزم من تبريرات للرسالة الصارمة التي حملتها البوارج الأميركية.
ماذا يعني ذلك؟
بوضوح ما بعده وضوح، يمر النظام السوري بفترة انتقالية قد تكون الأخيرة قبل الانتقال الى الخيار الأميركي الذي سبق وحذّرت الرئاسة الفرنسية بشار الأسد منه. بمعنى آخر، إنّ المبادرة العربية التي لا تزال تتنفس اصطناعيا هي خيار مطروح أمام الأسد من الآن حتى عشية انعقاد القمة العربية المقررة في التاسع والعشرين من آذار الحالي في دمشق، فإذا التقطه نجا بنظامه من تداعيات تراجيدية يحملها البديل الأميركي، أما إذا فرّط به وبقي لبنان من دون رئيس للجمهورية، فإنه سيواجه مصيرا “صدّامياً” يراوح بين حالة صدّام حسين بعد تحرير الكويت بالقوة وبين حالة صدّام حسين بعد إسقاط نظامه بالقوة.
أي مسلك سيختار بشار الأسد؟
البعض يُراهن على أنه سيمشي، في اللحظة الأخيرة. قبل ذلك هو ينتظر رسالة إسرائيلية. جماعة سوريا الإسرائيليين أرسلوا على عجل، بعيد قرار تجميد أموال رامي مخلوف، الى واشنطن ليعملوا من أجل بشار الأسد، وهم يقيسون جدية التدابير الأميركية، وتاليا فالأسد ينتظر تقييمهم النهائي.
إلا أن هؤلاء الذين يُراهن الرئيس السوري عليهم، قد لا يتمكنون من إعطائه الكلمة الفصل، لأنّه وفق الوقائع الأميركية فأبواب جورج بوش موصدة أمامهم تماما كما كانت عليه الحال في العام 2005 حين انتقلت الإدارة الأميركية من مراعاة المطلب الإسرائيلي الداعي الى إبقاء النظام السوري في لبنان، الى اتّخاذ القرار النهائي بوجوب خروج هذا النظام كليا من لبنان.
وفي المعطى الأميركي، فإن جورج بوش يتمتع حاليا بموقع متقدم جدا على إرادة اللوبي الصهيوني العامل لمصلحة النظام السوري، ذلك أنه ليس مرشحا للإنتخابات الرئاسية وحزبه يتكّل في معركته على معطيات “غير صهيونية”، والقيادة الإسرائيلية في ظل الثنائي إيهود أولمرت وإيهودا باراك هي تحت السيطرة الأميركية وليست فوقها.
وفي الإنتظار، يبدو الأسد في وضعية من يواظب على “شراء الوقت”، فيطرح حلولا مستحيلة للأزمة اللبنانية.
إلا ان البعض الآخر، يجزم بأنّ بشار الأسد الذي يتم التعريف عنه في مواقع القرار الدولي بأنه “مقامر محروق”، لن يُسهّل الحل في لبنان، نظرا لإحاطته بمجموعة يأكلها التطرف، بحيث تفضّل ألف مرة قيادة نظامها الى مواجهة لا تستطيع استشراف خسائرها وتداعياتها على أن تفكّر لحظة بأنّها ستقف خلف قضبان هولندا.
ومن يتساءل عن سر صراخ صغار العملاء في مواجهة الإستدعاءات المحتملة الى لاهاي، فليس عليه سوى أن يتأمل بما يحصل في محيط بشار الأسد بالذات