كلهم «منتصرون»
زهير قصيباتي
زهير قصيباتي
من فرط اطمئنانها الى الفصل الجديد في العلاقة مع جارها العراقي، بعد عودة الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد من زيارته التاريخية لبغداد، حددت طهران اليوم موعداً لجولة رابعة من الحوار مع الأميركيين في عاصمة العراق ولأجل أمنه، من دون علم حكومته. هذه الحكومة لن تغضب بالطبع، ما دامت ترى النيات طيبة: الجار الإيراني «سيستخدم كل طاقاته» لإعادة الاستقرار الى البلد المنقسم على ذاته، خصوصاً بسبب سياسة اقتسام الحصص والتي غذّت الصراعات المذهبية… وبسبب الطوابير الخامسة والسادسة والسابعة الخفية التي تنكر إيران أي شبهة برعايتها وتغذيتها بالمال والسلاح. ويمكن بغداد من باب رد الجميل، ان تنسب الى ذاتها الفضل في فتح قنوات الحوار بين عدوها السابق الذي خاضت معه حرب السنوات الثماني، قبل أن يتجرع الخميني مرارة وقف النار، وبين الاحتلال الأميركي الذي لا تفضل نعيه قريباً، ولو أرّق نجاد.
وإذا كانت فئة من العراقيين تشكو طلاسم الاتفاقات التي وقّعها الرئيس الإيراني لفتح الصفحة الجديدة في العلاقات مع بلاد الرافدين، رغم أنوف الأميركيين ولكن في ظل حراستهم «المنطقة الخضراء» التي استضافت الضيف الكبير فاتحاً، بعدما أزيح الديكتاتور صدام حسين (والوصف لنجاد نفسه)، فما على هؤلاء سوى مساءلة حكومة نوري المالكي… والرئيس جلال طالباني.
بديهي أن التهمة الجاهزة لهؤلاء هي الشعوبية، والنظرة المذهبية لإيران و «احتضانها» حكومة المالكي، وكذلك رفض الاعتراف بأن عراقاً جديداً سيكمل في 20 آذار (مارس) عامه الخامس، ولو حائراً بين حاضنة ايرانية واحتلال أميركي يدّعي حراسته البلد، وتحوم حوله شبهات كثيرة بالتآمر في الصراع على النفوذ. وفي كل الأحوال، ليس نجاد وحده ولا زيارته وما رافقها من إيحاءات ثأر من التاريخ الذي جعل العراق خندقاً لامتصاص مشروع «تصدير الثورة» في ثمانينات القرن العشرين، آخر محاور الانقسام بين العراقيين. وبعضهم بالطبع سيتذكر بأسى، لا على صدّام وعهده بل على قدرات بلد عربي، أنه لم يكن يوماً بحاجة الى منحة مالية من إيران أو غيرها لتطوير مشاريع أو بناء مصانع.
أما روح الدعابة لدى نجاد، حين خاطب بوش من بغداد ناصحاً إياه بألاّ يُكثر من الكلام، لأن الوقت للعمل، فلعلها لم تثلج قلوب كثيرين من العراقيين، خصوصاً لأن الرئيس الإيراني تعهد السعي بكل ما أوتي من قوة «لتطوير الشعب العراقي»!… فبأي وسيلة، ولماذا يتطوع نجاد لاستعادة مجد بغداد، وعز قوتها؟… بعدما تخلصت إيران من هاجس الجار القوي، لتستكمل طموحاتها وتفاوض الأميركي وكأنها وصي على المنطقة، ومصالحها وعلى التوازن الإقليمي.
ما يخشاه الفريق العراقي المناهض لتشريع النفوذ الإيراني، ان يتحول البلد الى مجرد جُرم في فلك طهران، فيما تصر على هذا التشريع في غفلة من وحدة العراق. ولم يكن سوى أحد مظاهر شروخ الوحدة، أن ينبري نائب الرئيس طارق الهاشمي الى الشكوى من «التدخل الإيراني»، فيما الرئيس طالباني يعانق نجاد، ممتناً لمنحة البليون دولار الإيرانية.
هي غيض من فيض مشروع «تطوير شعب العراق»، ولا وقت للضيف الكبير لتبديد قلق فئة في هذا البلد، لا تدرك ما وراء لغز التطوير، ولا كنهه، فيما القوات التابعة لـ «مجالس الصحوة» تواجَه بأسلحة إيرانية، أثناء قتالها عناصر «القاعدة».
ولدى أصحاب الشكوى من سياسة الأفلاك والأجرام، ليس هناك ما يبدد الخوف من النيات الإيرانية، في بلد كان يقلق طهران بقوته العسكرية والاقتصادية، ولا حول له ولا قوة اليوم لمقاومة استتباعه بالوصاية.
لدى هؤلاء، وجه من المعضلة مقاومة نصائح نجاد، بينما «المحرقة» الفلسطينية تصفع الجميع: في قلب بغداد وقف الرئيس الإيراني لكأنه يعلن «انتصاراً» تأخر منذ 1988، سنة وقف النار مع العراق، بينما كانت المدمرة الأميركية «كول» تستعرض عضلات بوش بعيداً، في المتوسط. أما الذين أصغوا كثيراً في غزة الى «حكمة» نجاد، فلهم ايضاً قسط من «الانتصار» على إسرائيل… بعشرات من الشهداء والتدمير الهائل لأملاك الفلسطينيين ومؤسساتهم.
لكلٍ جولة، وكلهم «منتصرون»، في بغداد وغزة.