#adsense

لبنان المهدّد بين “الشاقوفَين” الإسرائيلي والإيراني

حجم الخط

فقّد” مبادرة السلام العربيّة يقتضي مواجهة إسقاط المنطقة في فخّ الصراع بين تلّ أبيب وطهران

لبنان المهدّد بين “الشاقوفَين” الإسرائيلي والإيراني
نصير الأسعد

 

قرّر اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة أول من أمس أن تقوم القمّة المقبلة في دمشق أواخر آذار الجاري بـ”تفقّد” مبادرة السلام العربية في ضوء ما حصل من تطوّرات، خلال العام المنصرم بشكل خاص. أُعطيت القمّة إذاً عنواناً كبيراً.
وبصرف النظر عن “وظيفة” إختيار هذا العنوان الكبير وجعله “طربوشاً” للقمّة من أجل “إحراج” دول عربية تفكّر بمقاطعة قمّة دمشق على خلفية سياسات الدولة المضيفة في لبنان وفلسطين.. والعراق، فانّ العنوان يستحق النقاش في حدّ ذاته بهدف تبيان عدد من “الحقائق المُرّة”.


إن “تفقّد” ما آلت المبادرة العربية للسلام إليه يفترضُ، لا سيما من جانب الدول العربية الرئيسية، أخذ معطيات كبرى في الإعتبار.


إسرائيل لا “تعطي” سلاماً وإيران لا تريده


فالمبادرةُ العربية للسلام تقيمُ منذ أن أُطلقت بين “شاقوفين” أو هي “رهينة المحبسين”. بين إسرائيل التي “لا تعطي” سلاماً من جهة وإيران التي لا تريد سلاماً وتعلن “إستراتيجية” تدمير إسرائيل وتمارسُ عبر “حلفائها” لا سيما في لبنان وفلسطين سياسة رفض السلام من جهة أخرى.


هذه “المعادلة” تعني انّ الصراع هو صراعٌ إيراني ـ إسرائيلي ويدور في المنطقة العربية وعليها. وتعني ـ للأسف ـ انّ الصراع العربي ـ الإسرائيلي الذي كان عنوان المراحل الطويلة السابقة لم يعُد “موجوداً” وحلّ الصراع الإيراني ـ الإسرائيلي مكانَه. لم يعُد الصراع العربي ـ الإسرائيلي “موجوداً” بمعنى انّ طرفَي الصراع “الجديد” يقومان بـ”إلغاء” الوضع العربي.


ومن هنا، فانّ “إشكالية” مبادرة السلام العربية تكمن في كونها بين “المطرقة” الإسرائيلية و”السندان” الإيراني. وهذا يفيد بالمعنى الإستراتيجي انّ “الأمّة” العربية تواجه تحدّياً وجودياً، لا بدّ من تلمس سُبل “الإنتصار” عليه.


مبادرة السلام العربية ومنطلقات قمّة الرياض


ولذلك، فانّ “تفقّد” المبادرة لا بدّ أن ينطلق من هذا “المكان” بالتحديد. وما يعزّز من أهميّة هذا التوجّه ومن ضرورته، هو انّ القمّة العربية السابقة في الرياض العام الماضي، إنطلقت في الأصل من ملاحظة “الإشكالية” المشار اليها وصاغت الردّ عليها عبر تحديد واضح لمرتكزات “النظام العربي” أو ما يجب أن يكون عليه هذا “النظام”.


وفي هذا السياق، ثمّة حاجةٌ إلى التذكير بـ”حادثتين”. الأولى مع بداية حرب تموز 2006 عندما أطلقت دولٌ عربية أساسية، في مقدّمها المملكة العربية السعودية مواقف ـ إشارات فيها انّه لا يحقّ لأيّ “جهة” داخل أي بلد أن تنفرد بقرار الحرب مع إسرائيل بمعزل عن “الشرعية الوطنية” في بلدها، وانّه لا يحق لأي “جهة” أو دولة التفرّد والإنفراد في مسألة تُعدّ “مركزية” للعرب جميعاً. أمّا “الحادثة” الثانية فتمثلت برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز “اتفاق مكّة” بين السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة “فتح” من جهة وحركة “حماس” من جهة ثانية.


سبقت هاتان “الحادثتان” القمّة في الرياض نهاية آذار 2007. وخلاصتهما “الجوهرية” هي انّ المملكة العربية السعودية أرادت التأسيس لمرحلة جديدة تعتمد على مركزية القضية الفلسطينية والقرار العربي بشأنها، وعلى إحترام “الشرعيات الوطنية” داخل الدول العربية بحيث تتوحد هذه “الشرعيات” ضمن نظام عربي جديد ذي إستراتيجية مركزية. وأرادت إستعادة الصراع مع إسرائيل والسلم معها إلى القرار العربي.


التدمير الإيراني ـ السوري


بيد انّ ذلك تعرّض لـ”التدمير”، خصوصاً بعد قمّة الرياض. في فلسطين سقط “إتفاق مكّة” على يد حركة “حماس”، بدايةً بما سمّي إنقلاباً على الشرعية الوطنية الفلسطينية ثم باعتماد “إستراتيجية” منفردة. وفي لبنان، لا يزال الإنقلاب على الشرعية الوطنية ـ والدستورية ـ مستمراً بقيادة “حزب الله”، وقد بلغ حدّاً يهدّد الكيان اللبناني في وجوده.
و”المشترك” بين لبنان وفلسطين إثنان: إيران والنظام السوري. والأمرُ نفسه في العراق حيثُ ترسّخ إيران نفوذها تحت “الإحتلال الأميركي”، ويقوم النظام السوري في بلاد الرافدين بـ”خدمة” المشروع الإيراني.


“شرقان أوسطان”


على انّ ما “يجب” أن ينتبه “التفقّد” إليه يتعلّق بما يمكن تسميتُه جدلية العلاقة بين الصراع والتفاوض. وبكلام آخر، ثمّة صراع إيراني ـ إسرائيلي الآن، لكنّ التفاوض الإيراني ـ الإسرائيلي هو “الأفق” المطروح في مرحلة ما مستقبلاً. من جانبه، يفاوضُ النظام السوري إسرائيل، أمّا إيران فتراكم “أوراق التفاوض” لمرحلة لاحقة. و”يجب” أن يكون واضحاً انّ أيّ تفاوض إيراني ـ إسرائيلي مستقبلاً لن يكون إلا تفاوضاً على تقاسم النفوذ بينهما في المنطقة بعد أن يطمئنّا إلى أن “النظام العربي” لم يعد موجوداً، أي لم يعد ثمّة قوّة إقليمية عربية بين “المثلّث” الإسرائيلي ـ التركي ـ الإيراني. وتقاسم النفوذ لا يعني إلا تقسيماً للمنطقة إلى محورين “إجماليين”: الشرق الأوسط الإسرائيلي (والأميركي) والشرق الأوسط الإسلامي، مع ما يعنيه من تقسيم للدول وتغيير بعضها.


هنا بالضبط كانت أهمية قمّة الرياض العام الماضي، إذ أعلنت انّ “النظام العربي” ليس جزءاً من الشرق الأوسط “الأول” وليس جزءاً من الشرق الأوسط “الثاني”. وهذا بالضبط السبب وراء تأكيد حركة 14 آذار الإستقلالية اللبنانية إنتماءها إلى العروبة من مدخل الإنتماء إلى “النظام العربي” الذي لا هو “إسلامي” ولا هو “غربي وإسرائيلي”. وهذا بالضبط ما يعرّضها لهجمات الفريق الذي اختار المحور الإيراني ـ السوري.


دمشق لا تصلح لـ”التفقّد”


تأسيساً على كلّ ما تقدّم، من الواضح انّ “تفقّداً” بهذه “الجذرية” المقترحة لمبادرة السلام العربية بكلّ أبعادها، وللتحدي الوجودي الذي تواجهه “الأمّة”، لا يمكن أن يحصل في قمّة تنعقد برئاسة النظام السوري المُستلحَق بالمشروع الإيراني.
على أيّ حال، أيام قليلة وتحدّد الدول العربية الرئيسية كيفية تعاطيها مع القمّة.


غير انّ ما لا بدّ من شدّ الإنتباه إليه في هذه الأيام، هو انّ لبنان وفلسطين ضحيتا الصراع الإيراني ـ الإسرائيلي في طريقهما إلى مواجهة فصل جديد من هذا الصراع وربّما قبل القمة.


لبنان وفلسطين و”الشاقوفان”


لذلك، من المهمّ جداً في “الوعي العربي” أن تكون المبادرة العربية بشأن لبنان ذات معنى محدّد، هو انّ ما تستهدفه المبادرة يتجاوز كونه حلاً لأزمة سياسية، لأن الهدف هو إنقاذ الكيان اللبناني من “الشاقوفين” الإسرائيلي والإيراني. وإنقاذ لبنان هو بـ”حجم” إنقاذ فلسطين، لا بل هو عنوان رفع التحدّي الوجودي في وجه الأمة.


وينبغي ألا تتيه المبادرة عن هذا الهدف. و”العلاقات اللبنانية ـ السورية” المضافة إلى المبادرة، لا تحلّ مكان العلاقات العربية ـ السورية. فالعلاقات اللبنانية ـ السورية متدهورة في إمتداد تدهور العلاقات العربية ـ السورية والعكسُ بالعكس

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل