#dfp #adsense

أين الخوذ الواقية ؟!

حجم الخط

أين الخوذ الواقية ؟!

راجح الخوري

 

كان ينقص لبنان أمس صدور بيان السفارة الاميركية الذي دعا الرعايا الاميركيين الى التزام الحذر المشدّد وبما يقرب من حال الطوارئ.


ولماذا؟ “لأن الوضع السياسي المتأزم مستمر والجهود لحلحلة هذا التأزم لم تنجح (…) وهناك قلق عام بأن جماعات متطرفة قد تكون تخطط للاعتداء على مواطنين أميركيين ومصالح أميركية في لبنان”.


كان يمكن التعامل مع بيان من هذا النوع بكثير من الهدوء. أولا لأنه يقوم على الفرضية، وثانيا لأنه سبق للسفارة الاميركية أن أصدرت عشرات من بيانات التنبيه الى رعاياها في لبنان، هذا الوطن البائس الذي لم يعرف الاستقرار منذ ثلاثة عقود تقريبا.


ولكن البيان يأتي وسط سلسلة متلاحقة من الاحداث والتطورات والمؤشرات التي تذكرنا تكرارا بأن لبنان يقف على حافة بركان، وبأن الاستقرار المشوب بالغموض والقلق في الفترة الراهنة، يمكن ان يكون نوعا من الهدوء الذي يسبق العاصفة.

 

عمليا لقد تضافرت مجموعة من العوامل المحلية والاقليمية والدولية التي تستدعي هذا القلق المرتفع. واذا كانت التناقضات والانقسامات الداخلية التي تعطل الدولة والبلاد منذ عام ونصف عام تقريبا، لا تزال قابلة للتحكم والانضباط اللذين تحرص عليهما المملكة العربية السعودية وايران أشد الحرص، وقد كان لهذا الامر حيز مهم في محادثات الامير سعود الفيصل ونده منوشهر متكي أول من أمس في مطار القاهرة، كأن العوامل الاقليمية المتصلة بموضوع نصاب القمة العربية وتوجيه الرسائل في هذا الاتجاه أو ذاك، هي التي دفعت عددا كبيرا من السفارات في بيروت الى توجيه بيانات تحذير مماثلة الى رعاياها.


ولكن المأساة تأخذ الآن أبعادا كارثية بحق لبنان وخصوصا عندما تصدر بيانات التحذير الى الرعايا الخليجيين العرب، وهو ما يذكّر بحقبة تفريغ لبنان من السفراء والبعثات لتغييبه عن الخريطة الديبلوماسية الدولية.


ويشكل التداخل بين أزمة لبنان وانقسامات المنطقة ثم بينها والصراع الاستراتيجي على المنطقة التي قال السيد عمرو موسى يوم الثلثاء الماضي بعد لقائه مع الرئيس حسني مبارك انها “تمر في ظروف خطيرة جدا”، منطلقا لدفع الخوف الى مداه الاقصى على خلفية مؤشرات دقيقة ومقلقة.

 

واذا كان تحريك المدمرات الاميركية الى تخوم الشواطئ اللبنانية قد أثار الريبة من أن يكون لبنان عرضة لأحداث أمنية لن تقتصر عليه باعتبار ان واشنطن تحرص منذ أيام على تكرار القول ان هذا الاجراء هو رسالة مباشرة الى سوريا، فإن بيانات العدو الاسرائيلي واعلاناته في الاسبوعين الاخيرين كافية لإثارة أقصى الخوف من عدوان جديد على خلفية توصية تقرير فينوغراد.


وفي هذا السياق ان التركيز على ترسانة “حزب الله” الصاروخية ليس جديدا. فقد دأبت اسرائيل دائما على تظهير الامر كتهديد يتنامى ضدها، ولكن الجديد الذي يستدعي الانتباه والخوف هو محاولة ربط هذه الصواريخ بعناوين مثيرة وحساسة تحاول استسقاء الذرائع والضوء الاخضر الدولي لأي عدوان.


والجديد هو ان يقوم رئيس قسم الابحاث في شعبة الاستخبارات يوسي بيديتس مثلا باستدعاء سفراء دول الاتحاد الاوروبي ليبلغهم ان ايران زودت “حزب الله” صواريخ تتقدم على صاروخ “فاتح 110” ويصل مداها الى جنوب البلاد وتستطيع ان تضرب ديمونا حيث المفاعل النووي الاسرائيلي، وانها قادرة على حمل رؤوس أشد تدميرا.


ومن خلال تصريحات قائد شعبة التخطيط في الجيش الاسرائيلي عيدو نحويشتان يبدو واضحا أن تل أبيب تتعمد تضخيم الحجم الصاروخي لـ”حزب الله” لأهداف يمكن بالطبع أن تتجاوز استباق مداولات مجلس الامن بشأن تقرير الامين العام بان كي مون حول تطبيق القرار 1701.

 

وفي ظل ما يثيره عامل الحذر والترقب من رد “حزب الله” على اغتيال عماد مغنية، تذهب اسرائيل بعيدا في الاستعداد للحرب. فلا يكتفي ايهود أولمرت بتفقد الحدود الشمالية يوم الثلثاء الماضي للوقوف على مدى جهوزية جيشه، بل يتم الاعلان قبل يومين عن الاعداد لأكبر مناورات في تاريخ اسرائيل تحمل اسم “نقطة تحول – 2” وضعت من خلال دروس عدوان تموز وهي مناورات تقوم على افتراض ان اسرائيل ستتعرض لهجوم بأسلحة صاروخية غير تقليدية تحمل رؤوسا كيميائية وبيولوجية من ايران وسوريا.


واذا أضفنا الى هذه المعلومات التي تحدثت قبل أيام عن حشد ثماني فرق عسكرية الى جبهتي الجنوب اللبناني والجولان السوري، ثم الاعلان عن تدريبات عسكرية لوحدة عسكرية من الكتيبة الفرنسية العاملة في اليونيفيل، وذلك على محاور منطقة العرقوب… واذا تذكرنا ايضا كلام قائد الجيش العماد ميشال سليمان لضباط القيادة عن جهوزية الجيش لمواجهة أي عدوان اسرائيلي، تكتمل كل المعالم التي تدفع الى القول ان الوضع دقيق وخطير ومتفجر!

 

في أي حال سيسقط موعد 11 آذار كغيره من المواعيد السابقة. والازمة اللبنانية القاتلة تبدو الآن معلقة على مشجب القمة العربية، كما أن نصاب هذه القمة سيكون معلقا على مشجب هذه الأزمة التي دُفعنا اليها دفعا، حيث تمضي قوى المعارضة بعيون مفتوحة هناك ومغمضة هنا في مسيرة التعطيل المظفرة التي قد لا تنتهي ويا للأسف، برصاص الابتهاج أو الاسهم النارية بل بالحمم البركانية التي قد تشعل لبنان والمنطقة.

المصدر:
النهار

خبر عاجل