العرب يطوّقون “تغيير سلوكيات بوش” بمنح الرئيس السوري “فرصة للتفكير”
لأن نظامه لم يعد يتمتع بحصانة وظيفة خسرها
لأن نظامه لم يعد يتمتع بحصانة وظيفة خسرها
المعادلة الأميركية الجديدة: بقاء الأسد في سوريا يستلزم خروجه من لبنان
فارس خشّان
طرفان يصطفان في واجهة التصدي للولايات المتحدة الأميركية، مع أنهما بصفتهما اللبنانية غير مستهدفين بإجراءات إدارة الرئيس جورج بوش. هذان الطرفان هما “حزب الله” والعماد ميشال عون. القارئون الإستراتيجيون يمكن أن يفهموا “تبرعهما” لتصدر المواجهة، فكلاهما متضرر مما سوف يُصيب النظام السوري، في الأشهر القليلة المقبلة.
“حزب الله” يدافع وقائياً عن النظام ـ الجسر الذي يربطه بإيران وبالمنظمات الفلسطينية “الشقيقة”، مما يُعينه على إبقاء “جناحه العسكري” قوياً ليس بسبب “حنفية السلاح” فحسب بل بفعل حاجته الى مدى إستراتيجي يُعطيه مجالا رحبا للحركة، أما العماد ميشال عون فمشروعه السلطوي ـ على اعتبار عدم وجود مشروع سياسي مستقل لديه ـ مرتبط جوهريا بالنظام السوري الذي إن تراجع في هذه المرحلة أخسره “حلم الرئاسة”، وإن تلاشى في المرحلة المقبلة أفقده السند القوي في المواجهة المفتوحة نحو القصر الجمهوري.
إلا أن وقوف هذين الطرفين في مواجهة واشنطن لا يعني أنّ أيّاً منهما هو المستهدف مباشرة بأي إجراء أميركي جديد، على اعتبار أن الطرفين يدركان موقعها في الإدارة الأميركية، فـ”حزب الله” هو تنظيم إرهابي محظور، وميشال عون هو “حليف أعداء لبنان”… حتى إشعار آخر محكوم بصواريخ من طراز ناصر قنديل!
إذاً، “حزب الله” وعون معذوران في “شد اللحاف” إليهما، ولكنهما ليسا المستهدفين بالتدابير الأميركية، بل النظام السوري الذي يحالفه الأوّل إستراتيجياً، ويستعين الثاني به تكتياً.
وهذا التدقيق في تحديد المواقع، يسمح بتوفير ترجمة دقيقة للتطورات التي تُنتجها، بوتيرة شبه يومية، الإدارة الأميركية، فماذا يحصل؟
منذ تدهور العلاقات الأميركية ـ السورية، وعلى الرغم من اتهمامها لقيادة بشار الأسد بالتسبب بقتل أميركيين في العراق، رسمت واشنطن خطّاً أحمر حول النظام السوري، فكانت تتكلم بنسق كلاسيكي على أن سياستها السورية لها هدف وحيد هو تغيير السلوكية السورية من دون ملامسة موضوع تغيير النظام، حتى إنّ الرئيس الأميركي جورج بوش، وفي مقابلة تلفزيونية تمهيدية لجولته الخليجية قبل أشهر، ذهب في كلامه الى حدود استُشف منها أن “ضيق خلقه” من الأسد لا يعني مسّا بنظامه بل يعني حصراً “عزله” حتى “يتغيّر”.
إلا أنّ من يُدقق بكلام معاون وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى دايفيد وولش في القاهرة، أول من أمس، يُدرك تمام الإدراك أن اللغة المستعملة في مواجهة النظام السوري تبدّلت، بحيث أصبح النظام السوري لا يستحق الإهتمام الأميركي، بل إن القلق يساور إدارة بوش “على أوضاع الشعب السوري مع مثل هذا النظام”.
ويستحيل المرور سطحيا أمام كلام من هذا النوع، ليس لأنه غير مسبوق فحسب بل لأنه يُترجم عمليا، وللمرة الأولى، تداعيات ضيق صدر الرئيس الأميركي في الأشهر الأحد عشر الباقية من ولايته.
وهذا يعني أن الخطر بات على قاب قوسين من حكم بشار الأسد.
بالأمس القريب، كانت ثمة نظرية بأنّ الإستقرار في الشرق الأوسط يحتاج الى هذا النظام السوري بالذات، ولكن وفق ما يؤكد مسؤولون أميركيون، فإن التجربة “أظهرت كذب هذا الإدّعاء، لأن النظام السوري يصلح لزعزعة الإستقرار ولكنه لا يصلح لتوفير الإستقرار، بدليل بدء نجاح العملية الأمنية في العراق، رغما عن أنف النظام السوري”.
وخلافاً لما دأب الفريق السوري في لبنان على الترويج له، فإن الضغط الأميركي على النظام السوري في لبنان ليس بأفق الملف العراقي، بل إنّ المعطيات الجديدة أظهرت أن التراخي الأميركي النسبي في التعاطي مع النظام السوري لما يقترفه في لبنان، كان يعود الى اقتناعه ـ الساقط حالياً ـ بأن للنظام السوري دوراً يمكن أن يلعبه في العراق.
وهذا الإقتناع الاميركي الجديد وحده يُعطي “عدم اهتمام” وولش بالنظام السوري من جهة، و”قلقه على الشعب السوري” من جهة أخرى، بُعده الزجري.
وهنا بالتحديد، الكلام له معنى عملاني، ذلك أنه لا يأتي مجرداً من سلوكية داعمة بل هو وليد إجراءات متتالية ثابر الأسد إما على التقليل من أهميتها وإما على تجيير إستهدافاتها الى ما يتجاوز نظامه، بدءا بفرض حظر على الحركة المالية لرجل أعمال النظام رامي مخلوف، مرورا بربط هذا النظام بتنظيم “القاعدة” من خلال فرض تدابير ضد أمنيين ينسقون مع هذا التنظيم، وصولا الى تمركز بوارج أميركية قبالة المياه الإقليمية اللبنانية “لتبقى حتى إنجاز الإستحقاق الرئاسي في لبنان”.
أمام هذه المعطيات هل يمكن القول ان النظام السوري يتعرض لمؤامرة أميركية؟
إنّ هذا النوع من الخطاب الخشبي لا قيمة له على الإطلاق، لأنه ندر أن توافرت حماية مستدامة لنظام بمواصفات النظام السوري، إلا أنّ إصرار قيادة بشار الأسد على اللعب بالتوازنات الإقليمية من خلال تحويل لبنان الى ساحة مواجهات يخوضها المحور السوري ـ الإيراني، دفع الأميركيين الى تغيير سلوكياتهم ودفع الأوروبيين الى تفهمها ودفع الدول العربية الى تطويقها.
وما حصل في اجتماع وزراء الخارجية العرب الأخير يصب كليا في إطار محاولة أخيرة لتطويق ذيول مثابرة الأسد على سلوكياته وقرار بوش بتغيير سلوكياته.
بمعنى آخر، إن التهدئة التي انتهى إليها الإجتماع العاصف بمجرياته وبظروفه، لا يعني سوى إفساح المجال أمام قيادة بشار الأسد للتراجع الى “هامش الأمان” من خلال الإقتناع بأن لبنان دولة سيدة ومستقلة.
فهل يستجيب الأسد؟
الإستجابة ليست “فبركة” مخارج وهمية للأزمة بحيث يربح الأسد في الوقت غير المناسب ما خسره في لبنان في الوقت المناسب، بل هي سحب فتيل التفجير المقبل من خلال انسحابه من لعبة توتير الواقع اللبناني، وهذا يقتضي منه أن يتراجع عن قراره بإبقاء لبنان في حالة فراغ رئاسية، وأن يتقدم نحو الإستجابة للمطالب التي تجعل علاقات بلاده طبيعية مع لبنان، وأن يتمتع بمرونة لوقف تحدياته التي لا نتيجة منها للمحكمة الدولية من خلال اشتراط توقيف المسار السوري في التحقيق الدولي في ملف استشهاد الرئيس رفيق الحريري.
أمام بشار الأسد فرصة تنتهي ليس بانتهاء قمة دمشق بل عشيتها، فهل يقرر الخروج من لبنان قبل أن يرى نفسه في معركة إثبات وجوده في سوريا؟
ثمة من ينصحه بأن يستفيد من “فرصة التفكير” التي مُنحت له، لأن أي خطة لمواجهة أميركية ـ إيرانية لا بد أن تبدأ من زاوية “قطع الأذرع”.