#adsense

يوميات اللبنانيين ملل… من التشويق!

حجم الخط

من المبادرات إلى التحذيرات إلى رصاص الابتهاج
يوميات اللبنانيين ملل… من التشويق!

 جنى نصرالله

    

لا يحق للبنانيين ان يتذمروا من الرتابة القاتلة. ليس لانهم شعب يتغنى بحيويته وليس لان الابداع هو من الصفات التي ادعوا التمايز بها على مر العصور والاجيال، ولا لانهم يعيشون ايضا في منطقة تشتعل فيها القضايا على نار قوية. اذ لا علاقة للمسألة بالتاريخ او بالجغرافيا كما انها لا ترتبط بمكان او زمان محددين، ولا هي نتاج مناخ او طبيعة  بشرية خاصة. انها ابسط من ذلك بكثير، اذ لا تتجاوز حدودها يومياتهم التي يشاركون في صنعها تارة ويكونون ضحيتها تارة اخرى. فاذا دققوا في تفاصيل حياتهم الكبيرة والصغيرة، الهامشية والجوهرية، سرعان ما سيكتشفون ان اولوياتهم تتبدل في سرعة قياسية، وان ازماتهم متنوعة الالوان والنكهات، وان أعقد قضية تصبح في خبر كان في بضعة اسابيع، من دون ان يعني ذلك انها وجدت طريقها الى الحل، لان هذا غالبا ما لا يحصل، لكن الاهتمام بها ينخفض الى مرتبة دنيا لان قضية، او بالاحرى ازمة جديدة احتلت واجهة الاحداث، تماما كما يحصل في التنافس بين افضل عشرة افلام سينمائية ربطا بحجم المبيعات على شباك التذاكر، مع فارق بسيط ان القضايا المحلية لا تتنافس في ما بينها، بل تتقهقر الواحدة تلو الاخرى لتصبح جميعها موضة بالية بعدما كانت “مالئة المحافل وشاغلة الناس” ، وذلك بمجرد حضور قضية قد لا تكون اكثر اهمية من سابقاتها، وانما استجدت فجأة.


على رغم كل هذه الاثارة، فـان حياة اللبنانيين تبدو مملة:
– طبقة سياسية حافظت على ثباتها على مر العقود. والتغيير اذا حصل فيقتصر على تناوب ابطالها على موقعي الموالاة والمعارضة.


– قضايا معيشية لا يتجاوز التطور فيها سقف المزيد من التعقيد والتأزم من دون ان تجد قضية واحدة على الاقل طريقها الى الحل، مما يجعل المواطنين يدمنونها ولا يحسنون العيش خارج اطارها. ولعل هذا ما  دفعهم منذ زمن طويل الى الاعتكاف عن الاعتراض، ولكن من دون التخلي عن حقهم في حرية التعبير عن الرأي. فهذا حق “مقدس”، بل هو الهواء الذي يتنفسونه، ولكن لاسباب قاهرة اقتصرت وسائل التعبير والاعتراض على مجرد سخط  في ما بينهم، يتبادلون الشكوى من سوء احوالهم العامة والخاصة في جلساتهم الصباحية الرتيبة او في مساءاتهم التي يسعون خلالها الى قتل الوقت بأي طريقة. وما يصح في الازمات المعيشية ينطبق على القضايا السياسية، علما ان ابناء هذه الطبقة يتميزون بنشاط خارق في اعادة انتاج الشعارات والكليشيهات التي يفترض بها ان تضخ بعض الحيوية بين رعايا الجمهورية اللبنانية الفاضلة. غير ان علة هذه الشعارات انها مكررة ومسحوب منها عصب التجدد والحياة.


– محطات تلفزيونية يقتصر جديدها على مزيد من التطرف، مما يعني انها لا تحمل اي جديد في بلد ينحو عن بكرة ابيه الى التطرف، مما يهدد بتمزقه. اذ لا يجوز القول انه ممزق فعلا منعا لاضفاء روح التشاؤم على مناخ البلاد المفعم بالامل والحيوية، علما انه يصعب الحديث بشكل موضوعي وليس عاطفيا عن وجود حد ادنى من اللحمة بين ابناء الشعب اللبناني المنقسم على نفسه في قوقعات طائفية ومذهبية ومناطقية. والمفارقة، انه كلما ازداد عدد المحطات التلفزيونية تضاعف الشعور بالملل عند المواطنين. ولا حاجة الى الاستفاضة في الشرح. فالصراخ التلفزيوني يصم الآذان على مدار الليل والنهار. وحتى القنوات المخصصة لعرض الافلام والمسلسلات العربية والاجنبية والبرامج الوثائقية باتت مملة بدورها، اذ انها تعيد العرض الواحد بدلا من مرة الف مرة. وكأن عدوى الاجترار انتقلت اليها من ضيوف ونجوم القنوات المحلية.

 

حياة كئيبة


انها فعلا حياة كئيبة ومضجرة. وان اللبنانيين، اما يتمتعون بقدرة هائلة على التحمل، واما  فقدوا الاحساس بما يحيط بهم، واصبح مجرد بقائهم على قيد الحياة انجاز في ذاته لا حاجة معه الى اي طموح او حتى رغبة في التخطيط للمستقبل. ولا يستثني هذا الشعور ابناء “تيار المستقبل” انفسهم وكل الذين سبق ان “احبوا الحياة” ورفعوا شعارها عاليا، ثم ما لبثوا ان نكسوه الى اجل غير مسمى.  ويبقى ثمة احتمال ثالث، ان اللبنانيين لا يشعرون اطلاقا بالممل وان الرتابة ليست سوى وهم، وان معاينة واقعهم من زاوية مختلفة تضعهم في مصاف الشعوب التي تتميز حياتها بحيوية فائقة واثارة منقطعة النظير. ولو قارنوا يومياتهم السياسية والمعيشية والاقتصادية  بيوميات اي من الشعوب الاخرى بدءا من تلك الاكثر تخلفا وصولا الى تلك الاكثر تحضرا، للمسوا انها اكثر صخبا، وانهم في كثير من الاحيان موضع حسد من ابناء الشعوب الاخرى التي تجري فيها الاحداث بهدوء وانسياب، ولا يعرف ابناؤها طعم الاثارة الا في مناسبات سياسية، محددة جدا، قد لا تتكرر سوى مرة كل بضع سنين. فأي اثارة تنتظر الاميركيين مثلا بعد انتهاء حدث السباق الى البيت الابيض؟ لا شك في انهم سيشعرون بضجر مقيت وسيلتهمون المزيد من الهمبرغر ويحستون المزيد من المشروبات الغازية ويعانون مزيدا من السمنة والتبلد العقلي. اما الفرنسيون فلا بد من ان تعاودهم بعد فترة حالات من الاكتئاب الشديد، بعدما استقر الوضع العاطفي للرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي واقترن بالعارضة كارلا بروني واصبحا زوجين شرعيين، شأن سائر الأزواج في العالم، مما يعني ان حياتهما الخاصة لم تعد محور اهتمام الفرنسيين الذين قد ينتظرون فترة طويلة قبل ان يحدث ما يلّون جلساتهم الطويلة في مقاهي الرصيف الباريسية الجميلة.


المصريون من ناحيتهم، اهملوا كل قضاياهم واقسموا الا يتحدثوا مجددا عن صحة الرئيس حسني مبارك حتى لا يتحول ذلك سببا وجيها لتسوء صحتهم (وليس صحته) وقرروا التفرغ لمؤازرة اشقائهم في لبنان.  فالموضوع اللبناني يسليهم ويحليهم ويبعد عنهم خطر الانزلاق في مناقشة الممنوعات في قضاياهم الداخلية. اما السعوديون فطلبوا من رعاياهم مغادرة لبنان على وجه السرعة، وربما تمنوا عليهم عدم متابعة الفضائيات اللبنانية لأن اخبار هذا البلد لا تسر ولا تفرح، وربما تفتح عيون رعاياهم على عادات سيئة. لذا، يفضل ان يتابعوا برامج المنوعات و”الطقش الفقش” لأن هذا هو لبنان بالنسبة اليهم، وهكذا يفترض ان يكون.


يبقى الاشقاء السوريون الذين يعتبرون انفسهم اولى بالمعروف بحكم الجيرة، فعلى هذا المستوى لا ممنوعات اطلاقا. اذ يمكن المواطنين السوريين ان يتحدثوا في الموضوع اللبناني بالطول والعرض. وليست عبارة ان الوضع اللبناني شأن داخلي، وهي في المناسبة عبارة تستخدمها كل الدول العربية الآنفة الذكر، سوى تأكيد على ان اصحاب هذا القول يضمرون عكس ما يعلنون. وبالعودة الى الاشقاء السوريين، فان قصتهم مع لبنان تشبه قصة ذاك الاميركي الذي قرر ان يتحدى الروسي في موضوع الديموقراطية وحرية التعبير عن الرأي. فقال له، يمكن اي اميركي ان يشتم رئيس الولايات المتحدة من دون ان يتعرض له احد في السلطة، هذه هي الحرية. فما كان من الروسي الا ان اجابه: يمكن اي روسي ان يقف في الساحة الحمراء ويشتم رئيس الولايات المتحدة الاميركية، ولن يتعرض له احد، بل سيصفقون له طويلا!
وفي المناسبة، لا خوف على  المواطنين السوريين من متابعة اخبار لبنان ومناقشة تفاصيل الوضع الداخلي فيه، اذ لا بد لهم من متنفّس. وهم في امس الحاجة الى التعبير، ولكن شرط ان يتجاوز ذلك حدود وطنهم وان تكون آراؤهم مطابقة لآراء سلطتهم.


كيف يمكن للبنانيين ان يدعوا الملل اذاً، في وقت تجد الشعوب المجاورة في قضاياهم سلوى لا تعوض؟

 

الجائزة الكبرى


أي دولة يمكنها ان تتجاوز نكبة عدم وجود رئيس للجمهورية بالسرعة التي تجاوزها اللبنانيون. فقبل نحو ثلاثة اشهر، كان هاجس انتخاب رئيس للجمهورية يستحوذ على ما عداه من اهتمامات المواطنين؟ الذين كانوا يصحون على ازمة تعديل الدستور لانتخاب الرئيس، وينامون على رعب حقيقي من شبح الفراغ الدستوري. حدث الفراغ الذي لا يمكن حدوثه في اي بلد آخر من دون ان يؤدي الى انهياره في الشكل والمضمون. ولكن لبنان حافظ على ثباته في الشكل، لان المضمون اصابه الاهتراء منذ زمن. وما هي الا اسابيع قليلة حتى نسى اللبنانيون ازمة الرئاسة، وبات تحديد موعد جديد لانتخاب رئيس للجمهورية مسألة باهتة لا تستحق ان تكون عنوانا اول في الصحف والتلفزيونات و الاذاعات ولا حتى في احاديث الناس اليومية. الرئيس خلفنا والحكومة امامنا، ازمة جديدة احتلت واجهة الاحداث ومعها بدأت بورصة الارقام:  10+13+7  او 10+ 14+6 او 10+10+ 10 وسواها من الاحتمالات الرقمية التي توحي للوهلة الاولى ان اللبنانيين انما يختارون ارقام شبكة اللوتو التي ستكون جائزتها الكبرى رئيسا وحكومة، علما ان المواطنين يفضلون ان تكون جائزتهم مالية ولا حاجة الى رئيس ولا الى حكومة. فالبلد “فيهن وبلاهن ماشي”، وليس مهما في اي اتجاه يسير اصلا. لم يحظ الاهتمام بتشكيل حكومة وحدة وطنية بديمومة اطول من تلك التي حظي بها موضوع الرئاسة. اذ قفز فجأة الى الواجهة موضوع القانون الانتخابي الذي سبق ان شيع انه القضية الوحيدة المتفق عليها بين الافرقاء المتنازعين ايام كان يتولى الامين العام لجامعة الدول العربية جمعهم في ملجس النواب. ولكن يبدو انه كان مجرد تمويه حتى لا تأخذ هذه القضية من حصة الوقت المخصص للتلهي بموضوعي الرئاسة والحكومة. ولا بد من الاشارة هنا، الى انه بين القضية والقضية كان هناك وقفات اعلانية مع مبادرات تارة فرنسية وطورا عربية، الى زيارات موسى الذي لم يعد يحتاج قدومه الى اي احتفائية. وكان سبق لوزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير ان تذوق هذه الكأس المرة بعدما افل نجمه سريعا، اذ لم تحقق المبادرتان العربية والفرنسية النجومية المطلوبة ولم تحتلا المرتبة المطلوبة في اثارة اهتمام اللبنانيين الذين وجدوها مملة وتفتقر الى الخيال منذ اللقطة الاولى.


كل هذه الاحداث جرت في فترة لا تتجاوز بضعة اشهر، فكيف يمكن اللبنانيين ان يدعوا الملل، وخصوصا ان بين هذه القضايا الكبرى كانت تجري احداث “اقل اهمية” من نوع اشتباك هنا وحرق اطارات هناك، و انفجار واغتيال وبوارج تزين الشاطئ اللبناني ورعب من حرب يخشى ان تندلع في اي لحظة. وكلما سمع المواطنون اطلاق نار ظنوا انها الشرارة الاولى. ومنعا لالتباس الامور باتوا يضطرون الى التأكد من مواعيد برامج الـ”توك شو” صباح كل يوم ليعرفوا في اي ساعة ومن اي جهة سينطلق الرصاص ابتهاجا لما سيقوله هذا المسؤول او ذاك. وللتذكير، فان كل الاحزاب في لبنان تؤكد انها لا تملك السلاح!  فهل يمكن ان يكون هناك اثارة اكثر بعد؟ 


لا يمكن اذاً الحديث عن الممل اطلاقا في ظل تعدد المواضيع وتشعبها وتمتعها بعنصري الاثارة والتشويق اللذين يعجز اي مخرج عن جمعهما في فيلم واحد من دون ان يتهم بالمبالغة. يقال ان اللبنانيين يدورون في دائرة مفرغة، ولكن لم يتنبه احد لتحديد قطرها وعدد الدورات المتوقعة، وخصوصا ان شدة الدوران لا بد ان تسبب الغثيان. ولعل هذا ما يعانيه اللبنانيون اليوم تحديدا. انه الغثيان ليس الا… اما الحديث عن الملل والضجر فليس سوى وصف تخفيفي او خطأ في التعبير.
وللغثيان في القاموس اللبناني مترادفات من نوع القرف واليأس من علك المواضيع والتراجع خطوات الى الوراء. 

المصدر:
النهار

خبر عاجل