انما للصبر حدود
عوني الكعكي
…. لم يعد بحاجة الى تأكيد أن لبنان تحوّل رهينة للملفات الإقليمية والدولية، وقد ثبت وبالملموس ان بعض الذين لا يريدون خوض الصراع مع اسرائيل مباشرة يقاتلونها من خلال الارض اللبنانية، وبواسطة لبنانيين، وهؤلاء من العرب أولاً، وقد دخلت ايران على الخط لتخوض صراعها أيضاً من خلال الارض اللبنانية وبلبنانيين.
… كل ذلك لتحسين شروط التفاوض، ولتحقيق مآرب وغايات خاصة، ووحده لبنان عليه دفع الثمن من اقتصاده ووحدة مواطنيه ومن استقراره.
.. في السبعينيات من القرن الماضي أراد بعض العرب الخروج المباشر من دائرة الصراع مع إسرائيل، فقام هؤلاء بترحيل الثورة الفلسطينية من أراضيهم الى لبنان، وكان ذلك من أكبر أسباب اندلاع الحرب الداخلية التي بدأت في عام 1975 ولا نزال نعاني آثارها المدمرة، ولبنان دفع الأثمان الغالية في المجالات كافة، وتعرض نتيجة ذلك الى اجتياحين اسرائيليين كبيرين.
الآن، تتكرر المسألة، ولكن من خلال المعارضة اللبنانية التي تخوض الصراع بالنيابة وبالوكالة، وذهبت الى حد تعطيل البلاد ومؤسساتها الاقتصادية، ودفعت الى الفراغ الدستوري غير المسبوق على الاطلاق.
.. والمشكلة الأكبر ان أي حل لأزمتنا يبقى مستحيلاً ما لم يتفق الخارج، بينما الداخل يكاد يتحوّل مجرّد متلق لكل ذلك، وآخر ما يدهش هو الأنباء التي أفادت عن اجتماع وزراء خارجية قطر وعُمان وإيران وسورية في دمشق للبحث في الملف اللبناني، وكانت سابقاً مبادرات من هنا وهناك، وتدخلات من كل حدب وصوب، وكلها تركز على الأزمة اللبنانية والحلول الممكنة لها، اما اللبنانيون فهم آخر من يستشارون في قضية من المفترض ان تخصهم وحدهم من دون غيرهم…
.. عندما يقول اللبناني نحن حررنا أرضنا ويجب العودة الى بناء وطننا، وعلى الآخرين تحرير أرضهم وخوض صراعاتهم خارج أرضنا، نسمع ردوداً بالتخوين وبالتهويل وبإلصاق شتى الاتهامات بنا، وتبدأ أبواق المعارضة بتزييف الحقائق، وتوجيه الاتهامات، والغاية هي إبقاء الارض اللبنانية سائبة لكي يسرح فيها كل من يريد تحسين شروط مفاوضاته مع اميركا.
… وعندما يقول اللبناني أيضاً اننا سنكون مع أية جهة إقليمية أرضها محتلة ولكن شرط ان تفتح كل الجبهات على إسرائيل، لا ان يبقى لبنان هو الجبهة الوحيدة المفتوحة في حرب مفتوحة، يتم الرد عليه بمزيد من الاختراقات الأمنية والتوترات.
… الآن، العرب يعلنون وبالفم الملآن انهم يريدون ان يشاهدوا انتخاب رئيس للبنان، وأكثر دول العالم تؤيد ذلك وبقوة، ولكن المعارضة أو من يقف خلفها تمانع وتعطل وتهدد بالويل والثبور، بل انها تريد من كل لبناني أن يقوم يومياً بفحص دمه وتحليله لإثبات عروبته ووطنيته، بينما هذه المعارضة ضربت بالعروبة عرض الحائط، ولم يبقَ من وطنيتها ما يمكن أن يشفع لها.
لقد طفح الكيل كما يُقال، ولم يعد من الممكن انتظار القضاء على ما تبقى من مقومات هذا الوطن، ولا ندري الى أي هاوية تعمل المعارضة لإسقاط هذا البلد فيها، ولكن في النتيجة للصبر حدود، واللبنانيون أو أكثريتهم الساحقة مصممون على إنقاذ وطنهم، ومنع اللعب به وبوجوده.