كشف الهموم والهواجس في معرفة المؤامرات والدسائس (1من2)
محطات في الإستراتيجية السورية في لبنان مع الأصيل والوكيل والتابع
نبيل عبد السلام حسين آغا (باحث ـ الرياض)
نبيل عبد السلام حسين آغا (باحث ـ الرياض)
من كان واعياً ومتابعاً لسياق المسار السوري في لبنان (1975 ـ 2005)، ومن يتبصر في أسباب ودوافع العمليات العسكرية والسياسية والاقتصادية والمدنية بالمقارنة مع نتائجها، ومن يستخلص الدروس والعبر بفعل التكرار التراكمي لتلك العمليات، ومن يعرف التناقض الفاضح ما بين واقع الممارسة وزيف المعلن، ومن يتعرف على الروابط التي تشدُّ الأصيل بالوكيل والمتبوع بالتابع، ومن يعقد المقارنات والمقاربات والمتطابقات بين حقبات ما قبل 14 آذار 2005 (وصولاً إلى 1975) وبين ما بعده، يستطيع التوصل إلى الفهم، فيكون قادراً على التفاهم، مع “النفس ” أولاً ثم مع “الآخر”.
1 ابتداع “الأمر الواقع” وسيلة اتَّبعها النظام السوري: بالتزوير دخل إلى لبنان بجيشه ومخابراته تحت مسميات مختلفة منذ العام 1973، ثم واصل دخوله غير الشرعي بتسميته الحقيقية يوم 8 نيسان (أبريل) 1976، ثم في الأول من حزيران (يونيو) 1976، إلى أن أُعطي الغطاء العربي الشرعي، من جامعة الدول العربية، في 25 تشرين أول (أكتوبر) 1976، لتسوية النزاع اللبناني (؟!)، وذلك بعد أن تمت المصالحة بين القاهرة ودمشق، وبمشاركة الرياض في 18 تشرين أول (أكتوبر) 1976. كان النظام السوري قد حصل على “وكالة خاصة حصرية” من الولايات المتحدة الأميركية، و”مشروطة” من إسرائيل، عُرفت باتفاقية “الخط الأحمر” في نيسان (أبريل) 1976. مارس الوكيل دوره في لبنان، وتفرغ مخابراتياً، لتكوين جماعات وتنظيمات وحركات وجبهات (بعضها ذو مظهر ديني و”سلفية” مزيفة)، من التابعين والمتبوعين الذين اعتبروه “الأصيل” العروبي والوحدوي، وأغلبهم كانوا من المرتزقة والمنتفعين، المتسلطين على أقدار الناس وأرزاقهم، تطبيقاً لبدعة “الأمر الواقع”! وتمهيداً لانتقالهم من “الحواجز” إلى “المنابر”.
2 إتباع مبدأ “فرِّق تَسُد”، كان سلاح النظام السوري: بالترهيب والخداع، قُطعت أوصال التلاقي بين اللبنانيين، خصوصاً بين السنة والموارنة، وبين الدروز والموارنة. كان المسيحيون وخاصة الموارنة أكثر حرية في التعبير العلني، عن رفض ونبذ الممارسات السورية، وذلك عبر المواقع التي تمتلك الحصانة الدينية، أو الدينية ـ المدنية أو الحزبية. كان السنة والدروز، محاصرين بالإرهاب المخابراتي داخل كل المواقع، وأعطيت كل الحرية لهما، في التعبير العلني، عن التأييد والإشادة فقط بالدور السوري وممارساته. أُعطيت كل الحرية للجميع، للاختيار بين الانزواء أو المغادرة أو الاعتقال أو الاغتيال. لم تنجُ أيضاً مؤسسات المجتمع المدني، ذات التأثير الشعبي، من عمليات الانفصال أو الانشقاق أو الفرز أو القضم أو الهيمنة، بهدف السيطرة عليها وتزوير تعبيرات الرأي العام.
3 اعتماد سلوك “وضع اليد” كان الممارسة الفعالة: بقطف ثمار مبدأ “فرِّق تَسُد”، وبذريعة مساندة ودعم السلطة الشرعية وتحقيق الوفاق الوطني وتنفيذ اتفاق الطائف، وكذلك الدفاع عن لبنان وحماية أراضيه! ولتجذير وجوده في كل المرافق والمؤسسات، أصبح للنظام السوري المخابراتي “واجهاته” و”أدواته” و “وكلاؤه” هي “وجوه الأمر الواقع”، التي استقدمها من محارق العمليات العسكرية المليشياوية، ومن أعماق “الشوارع” الطائفية والمذهبية، ممن خبرهم، منفذين لمخططاته وعملياته، دافعاً بهم إلى المنابر السياسية الشرعية والحزبية، مطبقاً منذ ذلك الوقت مقولة “الغالب والمغلوب”. انعكس ذلك على “أوامره” في تعيين رئيس للجمهورية، أو تشكيل كل الحكومات، أو صياغة الانتخابات النيابية ورسم دوائرها وتحديد مرشحيها، أو التدخل الحاسم في البلديات والمخاتير ودوائر النفوس، وفي كل وزارات الدولة ودوائرها ومؤسساتها.
كان المستفيد من هذا السلوك كل المنضوين مخابراتياً تحت المظلة السورية ـ اللبنانية المشتركة: إن أكثر الفئات استفادة على كل المستويات، كانت الطائفتين الشيعية والعلوية، وكانت الاستفادة من جانب آخر، بالتغطية على كل التجاوزات القانونية، والتفلُّت من دفع حقوق الدولة، وتفشي “شطارة” الفساد، وصولاً إلى تقاسم المردود الذي تجنيه مافيات متخصصة، مع ضباط المخابرات وسياسيين متخصصين. كان المتضرر من سلوك “وضع اليد” مناطق ومدن بعينها، طالتها سياسة “قطع الأرزاق”، وهي التي يغلب عليها الطابع السني أو المسيحي وخصوصاً الماروني. أما المتضرر الأكبر، فكان الوطن بكليته والدولة والنظام العام، الذي بدأ يفقد توازنه نتيجة الخلل الفاضح في تطبيق روح الميثاق الوطني، وعرقلة أغلب الاستثمارات وخطط التعمير والبناء. لقد حاول النظام السوري المخابراتي بأقصى جهده، تفشيل توجه الدولة، ومقاومة وتعطيل نهج وحلم شهيدنا الرئيس رفيق الحريري، كما كل الشهداء الذين سقطوا، وذلك على كل المستويات السياسية والاقتصادية والإعمارية والاجتماعية، وحتى التعليمية والثقافية. لقد كان ـ وما زال ـ هذا النهج يمثل خطراً كبيراً على النظام السوري: في حديث السيد عبد الحليم خدام، إلى قناة “العربية” يوم 30/12/2005المنشور في صحيفة “النهار” (31/12/2005) وكذلك إلى مجلة الشراع (العدد 1308 في 1/10/2007) قال : “جرت حملة على الرئيس الحريري بأنه يقوم بعمل غير مسموح في لبنان، وهو تجميع طائفته حوله، وهذا ضد سوريا … بالفعل أنا اتصلت بعد ذلك بالرئيس، قلت له لماذا هذا الحديث في القيادة. هذا كلام سينقل (!) .. لماذا هذا الحديث؟ الوضع السياسي في لبنان قائم على الطوائف، رفيق الحريري يجمع طائفته حوله، نبيه بري.. ماذا؟ حركة “أمل” حركة شيعية، “حزب الله” شيعي، “المردة” حركة مارونية، “القوات” حركة مارونية، لماذا رفيق الحريري خطر على سوريا، إذا تجمعت طائفته حوله، وحسن نصر الله ونبيه بري لا يشكلان خطراً، إذا تجمعت طائفتهما حولهما؟ …” هذا الحديث يوضح ، بما لا يترك مجالاً للشك، ليس فقط حجم الاستهداف الذي تتعرض له الطائفة السنية في لبنان، ولكن أيضاً حجم وأبعاد التوافق والتواطؤ والتحالف مع حركة “أمل” و”حزب الله” ومساندتهما بكل قوة، تنفيذاً لمشروع جهنمي مشترك؟.
4 إعداد وتهيئة “الانقلاب على الشرعية الدينية” كأسلوب لهدم المنظومة القيمية والأخلاقية للمجتمع: بوسيلة “الأمر الواقع” وسلاح “فرِّق تسُد” وسلوك “وضع اليد”، وبأساليب الخداع والتزوير، استطاعت المنظومة المخابراتية السورية ـ اللبنانية المشتركة (تخيلوا منظومتهم القيمية !) إنشاء حركات وجمعيات “إسلامية” همّها الأول جلب المخدوعين من الشباب ـ كوادر وأفراد ـ من أعمار محددة لا يرضون بغيرها، ثم خلق التناقضات الفقهية ـ التفسيرية في نفوسهم، لتأليبهم على مجتمعهم الضيق في أسرهم، وعلى مجتمعهم الواسع في مدينتهم ووطنهم، وصولاً إلى حكم التكفير وضرورة التغيير الشامل بكل الوسائل، وفي الوقت المناسب. ترادف هذا العمل مع إنشاء “تجمعات للعلماء المسلمين” في أغلب المناطق في لبنان، تُشارك مع الأحزاب القومية والبعثية والشيوعية، في إطلاق البيانات والتصريحات المخابراتية المناقضة لتوجهات الرأي العام الإسلامي، ومواقف “المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى” برئاسة سماحة مفتي الجمهورية. كما يتم توجيهها للاستيلاء على “منابر” بعض المساجد وإدارة الصراع على منابر المساجد الأخرى، ثم إطلاق “الفتاوى” المريبة والمتناقضة، وانتهاز كل الفرص للحط من شأن المقامات الدينية الشرعية، بتوجيه الاتهامات وتسويق الإشاعات والتشكيك بالمصداقية. كان مقدّراً لهم أن يصِّدعوا “المجتمع السني” وصولاً إلى اهترائه دون وليِّ أمر أو دون مرجعية دينية وطنية لبنانية. نحن أمام مشهدين: مشهد الوجوه السمحة والعقول العليمة المعتدلة، ومشهد الوجوه المتفجرة والعقول الجاهلة المتطرفة! (على “المجتمع المسيحي” أن يحذر مما يدَبّر له لتهميشه من الداخل عبر التطاول على المقامات الدينية. إنه الأسلوب نفسه من المنظومة المخابراتية نفسها).
5 إقرار “التحالف الاستراتيجي” مع نظام “الثورة الإسلامية وولاية الفقيه” في إيران، كقاعدة لحماية المشروع المشترك: بالتقارب المذهبي أساساً، وبالاعتماد على ثقل “جوار إقليمي” له قوته العسكرية وحصانته الإسلامية، وبالتوافق حول إستراتيجية طويلة الباع تتماثل مع الطموحات والأحلام التوسعية لكلا الطرفين (العراق ـ لبنان ـ فلسطين ـ الأردن)، وبالغوص في التداعيات التاريخية الناتجة عن مقتل (اغتيال) سيدنا عثمان بن عفان الخليفة الثالث، مروراً بمعركة “الجمل” و”صفين” وصولاً إلى قيام الدولة الأموية وعاصمتها دمشق، استطاع النظام المخابراتي السوري، تسهيل دخول “الحرس الثوري الإيراني” ليس إلى مناطق التواجد الشيعي فقط، وإنما إلى مناطق التواجد السني (مدينة طرابلس مثالاً)، لخلق حركات وجمعيات ومرجعيات جديدة، انطلاقاً للانتشار من المنطلقات الإسلامية السنية، المعتدلة في توجهها نحو المذاهب الإسلامية الأخرى، بذريعة “توحيد” الصف الإسلامي والدفاع عن المسلمين وحمايتهم، تحت شعار “الإسلام هو الحل”، ودعمه منعاً لأي لغط، بشعار “القرآن هو الحل”! حدث ذلك بعد سقوط شعار العروبة (البعثية) والدفاع عن لبنان، على أثر اجتياح مدينة بيروت (1982). استمر هذا التوجه، تمهيداً لمرحلة القصف السوري على مدينة طرابلس ( 1983 ـ 1985) ! ترافقت هذه الأمور مع إضافة كلمة “إسلامية” إلى حركة “أمل” الشيعية، من المنشقين عنها! ليخرج بعد ذلك مولود إيراني اسمه “حزب الله”.. لقد انتقلت إيران من “الجوار الإقليمي” إلى “الداخل اللبناني” تمهيداً لانتقالها إلى ـ كل الداخل العربي ـ خاصة أنها موجودة بقوة في “الداخل العراقي”.
لقد تعرّضت المناطق السنية (طرابلس مثالا) لعمليات من الخداع والتزوير، حين انقلبت كل “المكاتب” والأسلحة وحاملوها أنفسهم، ومسؤولوهم، وخطاباتهم مع مفرداتها وتعبيراتها، وشعاراتهم وهوياتهم، على التوجهات الماوية (ماوتسي تونج) والعروبية القومية، نضالاً وتخويناً، داخل المدن والقرى، وجعلوها ترتدي ملابس العقائد الدينية جهاداً وتكفيراً ، فقاموا بتزوير المبادئ الإسلامية تفسيراً وممارسة، فأُطلقت اللحى، ولُبست الأثواب القصيرة، مدعّمة بالعصي والمسابح، على إيقاع صوت حوافر الخيل على أسفلت الشوارع، ودوريات “الحرس الثوري الإيراني”، بكامل لباسهم الحربي مع علمهم وشعارهم (دام وجودهم الظاهر في طرابلس قرابة الأسبوع، ثم اختفوا بعد تأديتهم المهمة الموكولة إليهم !) .. ولكي تكتمل صورة الخداع والتزوير، شُنت أقوى الهجمات اللفظية بالتوافق مع من رد عليها بأقوى الهجمات المدفعية العشوائية التي دمرت المدينة .. تكاملت الصورة: اهتراء في الداخل وتدمير من الخارج .. ومن صاغ هذه المعادلة دخل المدينة فاتحاً ومنقذاً !! (1985) باختصار، كانت نظرية “الأمن أو الفوضى” سارية منذ ذلك الوقت. أصبحنا نشعر أن مدينتنا لا تنتمي إلينا .. وإذا أردنا البحث عن السكينة، والخروج من حالات الإحباط والتشاؤم، نتحدى حواجز القطع في “المدفون” لنتواصل مع إخوتنا في جبيل وجونيه والأشرفية. اشتدت القبضة السورية على عنق المدينة، كما على عنق كل لبنان ومقدّرات دولته (ما بعد 1990)، عندها شعرنا ثم لمسنا، سياسة إضعاف وعزل وإفقار وإبعاد، فئات لبنانية بعينها، سياسياً واقتصادياً ومدنيا، بالتوازي مع سياسة تقوية وتفعيل واغناء ومساندة فئات أخرى بعينها، ضمن إستراتيجية مغلّفة ببريق المقاومة والشعب الواحد والمسار الواحد والمصير الواحد في دولتين! .. مرة أخرى، ليست المدينة فقط، لم تعد تنتمي إلينا، بل أصبح الوطن بأكمله. كان هناك الأمل الواعد المقرون بالصبر، على إيقاع حلم شهيد لبنان الرئيس رفيق الحريري. لم يمنع التعلق بهذا الحلم، من ظهور الهاجس الوجودي عند السنة في الوطن. ألم يشكل هذا الحلم خطراً على الإستراتيجية الظاهرة الخادعة والمزورة، للنظام السوري ليستدعي اغتيالاً مروعاً ؟ فما بالنا بالإستراتيجية الحقيقية المرسومة في “الباطن” التي توجب بالتالي اغتيال كل فرد حالم في هذا الوطن، وتدميره على رؤوس من بقى من أبنائه ؟.. ألم يكن طرح قضية “الانتماء إلى الوطن ..” بطريقة عكسية مؤشراً خطراً وهولاً مرتقباً؟!.
إن التزاوج بين الطموحات البعثية للرئيس الراحل حافظ الأسد، في تحقيق الوحدة “العربية”، وبين الطموحات المذهبية التاريخية، في تحقيق الدولة الشيعية الكبرى، سواء كانت “فاطمية” أو “علوية” أو “أسدية”! يبرره العناد المقرون بالخبرة والحنكة والحكمة، والتدبير الواعي ذو الباع الطويل والنفس المديد، في التنفيذ الدقيق والمتكرر لكل محطات إستراتيجيته في لبنان. عندما منحت أميركا (الإمبريالية!) وإسرائيل (العدوة!) وكالتهما لسوريا (العربية!)، وجدتها فرصة تاريخية لمنح وكالات عن “الوكالة الحصرية المشروطة” لأتباع ومتبوعين ذوي مواصفات خاصة، يعيشون داخل إشكالية خيارهم المفروض عليهم ! أو فيه.