مسؤولية الحكومة قائمة على اجتراح الحلول الصعبة
وقوى 14 آذار أمام تحدي إعادة القلب الى الحسابات الباردة
وقوى 14 آذار أمام تحدي إعادة القلب الى الحسابات الباردة
حتى لا تبقى المسألة المعيشية ضحية الصراع السياسي
فارس خشّان
يكاد يكون هناك إجماع حول طول الأزمة السياسية في لبنان. البعض يضرب موعدا لبداية الحلحلة في خلال العام 2009، والبعض الآخر يعتبر هذا الموعد بمثابة محطة تصعيدية.
أسباب الأزمة السياسية باتت واضحة. فريق الرابع عشر من آذار يعدّدها وكذلك فريق الثامن من آذار، حتى باتت الكلمات في شرحها وتوصيفها مجرد تكرار المكرر.
وفي ظل هذا الإنسداد لأفق الحل السياسي، ووسط وصفة الصمود التي يعتمدها فريق الرابع عشر من آذار ووصفة التصدي “للأصيل بدل الوكيل” التي يعتمدها “حزب الله” ومن معه من قوى حليفة، تطفو على سطح الواقع اللبناني مسألة في غاية الأهمية والحيوية، هي المسألة المعيشية التي يبدو أنها تائهة بين رحى الأزمة ـ الأم.
وإذا كان دقيقا الكلام على أن المسألة المعيشية هي مسألة مدوّلة، بفعل ارتفاع أسعار النفط والذهب والقمح والعملة الأوروبية الى مستويات لا سابق لها، فإن ما هو أكثر دقة أن المواطن الى أي دولة انتمى يستطيع بفعل واقعه السياسي الطبيعي من جهة أولى، وبفعل قوته الشرائية من جهة ثانية، وبسبب خوف حكامه من عقوبات صندوق الإقتراع من جهة ثالثة، وبسبب “النزاهة السياسية” النسبية لاتحاداته العمالية من جهة رابعة، أن يُواجه هذه المسألة، مكتفيا بحدود دنيا من الخسائر الحتمية.
أما في لبنان، فهذه المسألة تبدو “قاتلة” لأسباب تتناقض كليا مع الأسباب التخفيفية الموجودة في دول أخرى، بحيث لا يجد المواطن اللبناني ما يُعينه على تحمّل التردي المتضخم في أحواله المعيشية، سوى التلهي بطبخة البحص التي لا تزال موضوعة منذ الاول من كانون الأول 2006 على نار الاحتدام السياسي والغليان الميداني.
وفي هذا السياق، يمكن موضوعيا تفهّم الأسباب التي ترفعها الحكومة لتبرير عجزها عن مواجهة هذه المسألة العالمية، وهي الممنوع عليها أن تستقدم استثمارات الفورة النفطية الى لبنان بسبب التعطيل الذي تمارسه قوى الثامن من آذار، سواء بسلوكياتها السياسية غير السوية، أم بسلوكياتها الميدانية “الغريبة” عن الديموقراطية، أم بتناغمها مع استراتيجية الحرب المفتوحة التي لا تُضير العدو الإسرائيلي إقتصاديا إلا أنها تصيب في الوطن اللبناني مقتلا.
غير أن هذا التفهم الموضوعي، لا يُلغي مسؤولية الحكومة في إشاعة أجواء بين اللبنانيين عن أنها تسعى جديا لإنجاز شيء ما على المستوى المعيشي، توكيدا لقدرة صمودهم المعيشي، في مواجهة العاصفة السياسية الطويلة.
وعلى هذا المستوى، تبرز أسئلة كثيرة بعضها برسم الحكومة وبعضها برسم قوى الرابع عشر من آذار، بصفتها داعمة للحكومة.
فعلى الصعيد الحكومي، ثمة من يسأل عن الأسباب التي تحول دون أن يعقد مجلس الوزراء خلوة طويلة، ربما تدوم أياما، للبحث في الأوضاع المعيشية من كل جوانبها، وما يمكن اعتماده من إجراءات “عاجلة وضرورية” من أجل تخفيف حدّة المأزق المعيشي، الأمر الذي يمكن استلحاقه بجولة عربية وعالمية من أجل توفير التمويل اللازم للخطة الطارئة، ذلك ا أن ترك الأمور على غاربها ستكون له تداعيات مشابهة لحرب تموز الأخيرة وربما لكل حروب التدمير التي سبق وعرفها لبنان.
وعلى صعيد قوى الرابع عشر من آذار، فإن ثمة من يسأل أيضا عن جدوى بذل الوقت في إعداد الوثائق السياسية لتأكيد المؤكد، بدل تحويل هذا الجهد الى البحث في المسألة المعيشية وخطرها الداهم على الجميع، مما يمكّنها من اقتراح الحلول اللازمة والتحرك في الداخل والخارج من أجل تنفيذها.
وفي اعتقاد مؤيدين لفريق الرابع عشر من آذار، أن الإنكباب على المسألة المعيشية يعيد القلب الى “ثورة الأرز” بعدما بدت في الآونة الأخيرة مجرد “جبهة العقل البارد” التي لا تفكر إلا في السياسة والسلطة و”حزب الله” وملحقاته يتقدمها العماد ميشال عون.
ولعلّ هذا النقد “الذاتي” ينفع في هذه الفترة بالتحديد، وخصوصا أن هذا الفريق السياسي يستنفر عقوله “التي بمتناول اليد” من أجل التفكير والتأمل في برنامج المرحلة المقبلة.
ولا يمكن القفز فوق هذا الاقتراح، باعتقاد شخصيات مخضرمة، لأن الطريق الأقرب الى الانقلاب على منجزات “ثورة الأرز” هي طريق “البطون الخاوية” وهموم الآباء تجاه عائلاتهم وغضب الأمهات من العجز عن توفير متطلبات أبنائهن.
وفي ذهن هؤلاء أن الإطمئنان الى تلبية المواطنين لنداء الرابع عشر من شباط الماضي يزخّم المسؤولية الملقاة على عاتق فريق الرابع عشر من آذار، لأن هؤلاء لا يُحاسبون حتى الساعة على النتاج المعيشي بل هم في وضعية الإختيار بين مشروعين سياسيين.
ويستحيل في هذا المضمار إقامة الرهان على قوى الثامن من آذار، لأنّها في الأساس تركب موجة التجويع والتفقير وتهشيل الإستثمار وتقطيع السبل الى الرزق من أجل تمهيد الدرب أمام النظامين الإيراني والسوري للمتاجرة بلبنان بعد إنجاح محاولات إعادته الى حالة ورقة المساومة.
هل تتحرك الحكومة وقوى الرابع عشر من آذار على هذه الجبهة الداعمة للجبهة السياسية؟
ليس في الوقائع ما يدل على توافر النية لإبعاد المسألة المعيشية عن الهموم والشجون، ولكن كل ما في الأمر أن السياسة في لبنان تتسلق المواطن بدل أن يتسلق المواطن السياسة للوصول الى رحاب الرفاهية التي تبقى هي الأصل من وراء صناعة السلطة.