#adsense

الاستقلال يواجه “جدليّة الخصومة ـ التواطؤ” بين النظام السوري وإسرائيل وإيران

حجم الخط

الموقعُ اللبناني لـ14آذار مرجعيتُه ميثاق الطائف والموقعُ العربي مرجعيتُه إعلان الرياض

الاستقلال يواجه “جدليّة الخصومة ـ التواطؤ” بين النظام السوري وإسرائيل وإيران

نصير الأسعد

 

خلال ثلاث سنوات بين آذار 2005 وآذار 2008، كان على الإستقلال وحركة الإستقلال في لبنان أن يواجها ثلاث “جبهات” إقليمية.


“الجبهة” الأولى يمثّلها النظام السوري الذي لا يعترف بلبنان كياناً مستقلاً، ويحمل على الدوام مشروعاً إلحاقياً للبنان، والذي لم “يهضم” إضطراره إلى الانسحاب نهاية نيسان 2005 ويطمح للعودة إليه بشتّى الوسائل ومهما كان الثمن.
و”الجبهة” الثانية تمثّلها إسرائيل التي ومنذ قيامها في المنطقة تجاهرُ بعدائها للبنان صيغةً تعددية ونظاماً ديموقراطياً.

 

والحال أنّ إسرائيل، بعكس ما يعلنه بعض قادتها، تعتبرُ انّ الديموقراطية اللبنانية، أي الديموقراطية في بلد مجاور، غير مجزية وتفضّل أن يخضع لبنان لسلطة وصاية إستبدادية ليس فقط تفتحُ قنوات التفاوض معها لكن مستعدّة لعقد صفقات معها أيضاً. فإسرائيل تعرف جيداً انّ أيّ سلطة لبنانية لا يمكن أن تتواطأ معها خاصةً إذا كان التواطؤ المطلوب ضدّ فريق آخر في لبنان. وتعرفُ جيداً انّ أيّ سلطة لبنانية لا يمكنها التواطؤ لأنّ الديموقراطية المظلّلة للعيش المشترك هي ضدّ التواطؤ ونقيضه. وتعرف جيداً أيضاً من تجربتها مع “هذا” النظام السوري إستعداده لبيع “حزب الله”، وقد تفاوضَ معها على ذلك خلال حرب تموز 2006 وهو لا يزال يقدّم عروضاً مختلفة في هذا الاتجاه.


إسرائيل تفضّل النظام السوري


وفي هذا السياق، ثمّة نقطةٌ رئيسية لا بدّ أن تكون واضحة. فليس صحيحاً على الإطلاق انّ إسرائيل مهتمّة بما تقوله الحركة الإستقلالية اللبنانية، حركة 14 آذار، بشأن تحكيم إتفاقية الهدنة للعام 1949 بين لبنان وإسرائيل من جهة وبشأن لبننة تنفيذ القرار 1559 حول “سلاح حزب الله” ودمجه في إطار إستراتيجية دفاعية للدولة من جهة أخرى. فإسرائيل انّ ما تطرحه 14 آذار مهتمّة لأنّ ما تطرحه 14 آذار يعني عدم استعدادها لأن يوقع لبنان اتفاق سلام معها، ويعني تعزيز الدولة اللبنانية وتقويتها.. والأهم من ذلك كلّه انّه لا “يأتيها” بحزب الله، أي انّه غير قابل للصرف من وجهة النظر الإسرائيلية. ولذلك تفضّل النظام السوري لانّها إذا اتفقت معه يستطيع أن “يأتيها” بالحزب. أمّا لماذا لم يتمّ ذلك حتى الآن، فلأنّ الموقف الدولي، والأميركي بشكل خاص، حال دون إتمام صفقة إسرائيلية ـ سورية. وحال الموقف الدولي ـ والأميركي ـ دون إتمام هكذا صفقة لأنّ الاثمان المطلوبة سورياً تتعلّق بنواحٍ أخرى منها إسقاط المحكمة الدولية ومنها تجديد العودة إلى لبنان.


إيران وإزالة “العصب” العربي


أمّا “الجبهة” الثالثة فتمثّلها إيران الساعية إلى خطف الصراع العربي ـ الإسرائيلي وإلى التوسّع الإقليمي، وإلى تشكيل قوّة إقليمية متمدّدة، وتعتبر لبنان في هذا السياق “ساحة” من ساحات فعلها وتأثيرها.


لا يمكن “الآن” إنكار انّ ثمّة عداوةً إسرائيلية ـ إيرانية، جراء محاولة إيران تشكيل قوّة إقليمية نووية منافسة. لكن في المقابل لا يمكن إنكار انّ الصراع الإيراني ـ الإسرائيلي لا ينهض على “عصب” قومي، لأنّ “القومية الإيرانية” ـ الفارسية ـ ليست مستنفرة ومقتلُ القضية الفلسطينية هو عندما لا تعود قضية “وطنية” فلسطينية من ناحية وقضية “عربية” من ناحية ثانية.


وإذا كانت إسرائيل مستفَزّة بالمشروع النووي الإيراني ومستنفرةً حياله، فينبغي التدقيق ملياً في ما إذا كانت قلقةً بالفعل حيال التمدّد الإيراني سواء في العراق أو في بعض دول الخليج، الأمر الذي أدّى إلى نوع من “الترهيب” الإيراني لهذه الدول.

الخصومة ـ التواطؤ ـ العداء ـ التحالف


إذاً، في الظاهر عداوة بين النظامين في سوريا وإيران من جهة وإسرائيل من جهة أخرى. غير انّ هناك تواطؤاً بين “الجبهات” الثلاث في واقع الأمر. وثمّة “جدليات” تحتاج إلى إمعان النظر فيها ومنها جدلية الخصومة ـ التواطؤ وجدلية العداء ـ التحالف. وأخطر ما في الأمر ليس فقط انّ هذه الجدليات المصاحبة لـ”العلاقة” بين “الجبهات” الثلاث تؤسس لإلغاء عروبة المنطقة، بل هي تؤسس لعلاقة بين “دولتين دينيتين” هما إسرائيل وإيران ودولة يحكمها نظام طائفي ـ مذهبي لا تستره “اليافطة” العلمانية، هي سوريا.


تأسيساً على ما تقدّم، لا بدّ لـ14 آذار في مؤتمرها الأول بعد غدٍ أن تسمّي الأشياء بأسمائها. وفي هذا الإطار، وإذا كان واضحاً تماماً ان إستقلال لبنان واجه خلال الأعوام الثلاثة المنصرمة تلك الجبهات الثلاث، فقد كان واضحاً في المقابل انّ إستقلال لبنان لقيَ دعماً من الدول العربية الركنيّة.


مرجعية إعلان الرياض


الحديثُ هنا ليس عن “عدد” الدول العربية التي دعمت إستقلال لبنان عن الوصاية السورية. ففي “العدد” يمكن الحديث عن دول ارتبكت، وأخرى “أُرهبت”. أما في “العام” فإن الاستقلال اللبناني تلقى دعم الدول التي قادت وتقود “العالم العربي” وفي مقدّمها المملكة العربية السعودية ومصر، أي الدول التي لا قيامة لقوة إقليمية عربية بدونها، ولا قيامة لـ”النظام العربي” إلا معها.


وعلى هذا الأساس، وإذا كانت المقدّمات السابقة تحدّد موقع 14 آذار “ضدّ” جدليّات العلاقة بين النظام السوري وإيران وإسرائيل، فإنها تحدد الموقع العربي لـ14 آذار. ومرجعية هذا الموقع العربي هي بالتحديد إعلان الرياض الصادر عن القمة العربية العام الماضي.


شيحا وميثاق 43


إذاً، إن 14 آذار حركة استقلالية لبنانية، وطنية لبنانية، وذات موقع عربي بمرجعية إعلان الرياض.
هذا “الكلام” الذي يراد منه تأكيد حقيقة أن الأزمة العاصفة بلبنان مصدرها خارجي، لا بد أن يترافق مع إعادة تحديد مرجعية الموقع اللبناني لـ14 آذار.


لقد عرف لبنان في تاريخه “الحديث” ميثاقَين: ميثاق 1943 مع الاستقلال الأول وميثاق الطائف “لـ” الاستقلال الثاني.
“منظّر” الميثاق الأول بامتياز كان ميشال شيحا، بل هو كان أحد أبرز واضعيه. “أراد” شيحا “المعادي” بقوة للمشروع الصهيوني منذ ما قبل “إقامة” دولة إسرائيل، أن ينتصر لبنان بـ”صيغته” أي بالمجتمع المتنوّع “المفتوح” على بعضه والمنفتح على الخارج، وبدور عربي لا يلتحق بـ”محاور” عربية وبدور بين العرب أنفسهم وبين الشرق والغرب. وخلافاً لما اعتقده كثيرون طويلاً، فإن شيحا لم يكن منظّر “الانعزال” اللبناني، على الرغم من “الإشكالية” في تسليطه الضوء مبكراً الى ما لا يحتمله لبنان مما جرى تفسيره على أنه دعوة الى “تحييد” البلد عن الصراع العربي ـ الإسرائيلي وعن عروبته. و”مأساة” شيحا ـ ومعه ميثاق 43 ـ أنهما كانا “عكس التيار” فيما كان العالم والمنطقة عشية “إندلاع” الحرب الباردة وصعود القوميّات والمشاريع القومية.. والعلمانيات، فسقط الميثاق الأول خلال عقود قليلة، بسبب هذه الظروف الخارجية وبسبب “النظام” الذي قام في لبنان على “تشويهات” معيّنة لـ”الصيغة”.


رفيق الحريري الطائف والاستقلال الثاني


الميثاق الثاني، أي اتفاق الطائف، هو “ميثاق رفيق الحريري” بامتياز. “أتى” الطائف وأتى به الرئيس رفيق الحريري، في مرحلة انتهاء الحرب الباردة وسقوط “القومجيّات”. لكنه أتى أيضاً في مرحلة الوصاية السورية التي تعاكس تطبيق الطائف. وإذا كانت نظريات شيحا الميثاقية سقطت ـ عملياً ـ وسط ظروف إقليمية ودولية معاكسة، ما أدى الى “هزّ” الاستقلال الأول، فإن تطبيق الطائف صيغةً ونظام مشاركة، ارتبط بإنهاء الوصاية السورية وتحقيق الاستقلال الثاني. وكان رفيق الحريري يريد الحفاظ على صيغة لبنان كبلد متنوّع “مفتوح” على بعضه، ويريد تأكيد انتماء لبنان العربي، الى عروبة منفتحة لا جدال في مناهضتها للصهيونيّة، وهو الذي عرّف نفسه وتعرّف على نفسه بوصفه لبنانياً أولاً وعربياً ثانياً، أي بوصفه لبنانياً عربياً. وقد قام بالكثير من أجل صون “موقع” لبنان وتجديد “دوره” معتبراً العلاقة المسيحية ـ الإسلامية في لبنان نموذجاً، ولذلك تمسّك بالطائف.. ولذلك قُتل واستشهد.


شيحا كان منظّراً للميثاق الأول. لكن رفيق الحريري كان إستثنائياً. كان اتفاق الطائف نفسه، وكان حامل فلسفته، وكان ـ بدمائه ـ بطل الاستقلال الثاني. وهو بهذا المعنى صانع الاستقلال الثاني ومفكّره في آن.


“آخر” صيغة


إن المؤتمر الأول لـ14 آذار بعد غد مطالب بأن يؤكد على مرجعية ميثاق الطائف للموقع اللبناني للحركة الاستقلالية. ذلك ليس فقط وفاءً للرئيس الشهيد رفيق الحريري وكل شهداء الاستقلال الثاني، وليس فقط لأن الطائف تعرّض ويتعرّض لمحاولة إنقلابية مستمرة، بل لأن الطائف صنو الاستقلال، ولأنه بلا مبالغة “آخر” صيغة للبنان العيش المشترك، لبنان الموحّد. فـ14 آذار صاحبة مشروع المجتمع التعدّدي المتنوّع المفتوح، ومشروع قيام دولة الاستقلال “المدنية” التي يحدّد الطائف مسالكها، ومشروع العروبة الحديثة.


مرجعيّتان “يجب” التمسّك بهما، أو “أطروحتان”: إعلان الرياض وميثاق الطائف جنباً الى جنب. وفي غناهما ستجدُ “ورش العمل” المتفرّعة عن “مؤتمر ربيع 2008” كل آفاق تطوير “الرؤية”.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل