“قانون” آخر
سمير عطاالله
أبلغنا السيد الياس سكاف نائب الامة وحارس حراس العرين الزحلاوي ان ثمة ظاهرة جديدة ومريبة في البلد: نقل النفوس (وليس الأنفس) من المتن الى البقاع، في عملية تزوير وانتحال لا سابقة لها في التاريخ. وقد هزنا الخبر هزا على فالق البقاع – المتن. ونضم صوتنا الى صوت النائب ونوابه جميعا. ونون الجمع هنا ليست للاستعلاء على طريقة لويس الرابع عشر بل على طريقة امحاء الذات كما يفعل الرهبان لدى اداء قسم الطاعة.
الحقيقة اننا نستنكر الانتقال من المتن الى البردوني، ليس خوفا على مقاعد الكتلة السكافية في السهل بل خوفا على مقاعد بعض حديثي النعمة النيابية في المتن. فالارجح ان ثلثي المنتقلين بكامل نفوسهم الى لدن آل سكاف هم من المجنسين الجدد. وهذه مسألة تدعو حقا الى القلق: مواطنو الحسكة وطنطا ودمنهور، قد لا يعرفون الفارق بين الانقاذ الوطني في المتن والاخلاص الوطني في عمّيق.
من حق النائب سكاف ان يخشى وان يخاف. فالوطن الأغر قائم غير قاعد هذه الايام على ايقاع القوانين الانتخابية المطروحة: صغرى ام كبرى، ام دائرة واحدة في وطن موحد مطمئن، ينام على وسادة المبادرة العربية ويقوم على بيانات “اليونيفيل”. كانت القضية هي الرئاسة والفراغ في الرئاسة، فاصبحنا في قانون الانتخاب. وكنا نعتقد ان الاولوية في الدول هي للسدة الاولى، والرمز الاول وحامل العلم وحارس الدستور، فاذا بنا ندرس الآن مَن سوف يمثل بعورته وكفرنبرخ وكفرزبد وبزبدين وزبوغا وكل عمرك يا زبيبة…
يبدو من لكنة النائب سكاف انه عائد حديثا الى لبنان. وهذه مسألة غير مهمة. فنحن (دائما في صيغة الامحاء الرهباني) نتمنى لو ان نصف البرلمان من المغتربين، لكي يحملوا الينا شيئا من تقاليد الديموقراطيات التي يعيشون في ظلها. وتكشف وثيقة بريطانية اخيرا ان الملكة الام طلبت من رئيس الوزراء هارولد ماكميلان ان يزيد راتبها السنوي 26 الف جنيه دون المرور بالبرلمان تفاديا للاحراج. وغاب ماكميلان وعاد مع لجنة خاصة وقال لصاحبة الجلالة ان اعلى مبلغ يمكن ان يقدمه اليها من غير علم البرلمان هو 8 آلاف جنيه.
اوردت مسألة عودة السيد سكاف الى الديار الحبيبة لكي نرى هل كان هنا عندما صدر قرار التجنيس لعشرات الآلاف من الناس. واذا كان قد ابدى رأيه يومها في ما حدث، يصبح من السهل استنكار عملية الانتقال – بالجسد لا بالروح – من نفوس المتن الى نفوس البقاع.
ثم ثمة أمر آخر: اذا كان السيد سكاف قد استنكر تجنيس الآلاف من الناس يومها، فهل فعل ذلك في مؤتمر صحافي وحوله جميع اعضاء وافراد الكتلة، من دون غياب احد. “نحن هنا بارادة الشعب”، قال ميرابو ذات مرة.
دعونا من نفي وزارة الداخلية لعملية الزحف الجماعي من المتن. حتى لو كانت المسألة صحيحة، فهل تستحق مؤتمرا لكتلة نيابية كاملة؟ على ماذا؟ اليس من حق اي مواطن، لأي غاية كانت، ان ينقل “نفوسه” من محافظة إلى محافظة؟ كيف يحق إذا لنائب ان يخوض معركة “التمثيل” الوطني خارج دائرته وبلدته؟ خارج بيته واهله؟
سأل الزميل سعيد غريّب مرة الراحل العزيز الرئيس الياس الهراوي في ختام لقاء دام ثلاث حلقات: هل اتخذت قراراً ندمت عليه؟ فرد بطريقته واسلوبه ونبرته: “لا”. وعاد سعيد يسأل: “أبدا؟”. فأجاب الرئيس: “أبدا”.
وكاد الرئيس ينهض ختاما للحلقة الصاخبة، لكنه توقف وقال بكل شجاعة: “ندمت على شيء واحد. مرسوم التجنيس”!
لا بد ان يكون هناك خطأ ادبي كبير، عندما يقرر نواب لا يحملون في همومهم سوى لوائح الشطب، ومصير المعركة المقبلة، ان يستنكروا نقل السجلات، ولا يعقدون حتى جلسة كيف على البردوني لاستنكار أسوأ عملية تغيير اجتماعي. وقد دافع صديقنا الوزير بشارة مرهج عن المرسوم يومها بالقول ان الولايات المتحدة تفتح ابوابها واسعة لاعطاء الهويات. وقد فاته يومها تفصيل بسيط جدا: ان عشرة آلاف كيلومتر مربع عليها 18 طائفة واربعة اعراق رئيسية، لا يمكن ان تشكل مدينة واحدة من مدن اميركا.
ما زلنا لا نفهم الفرق بين مرسوم التجنيس والتوطين. ولماذا لا يحق لمن ولد هنا وعاش هنا منذ نصف قرن، وولد احيانا من ام لبنانية، الا يحصل على الجنسية لان في ذلك تهديدا وطنيا واجتماعيا، فيما تحق الجنسية لرجال لا يأتون الى البلد الا في موعد الاقتراع. وخصوصا في المتن وفي البقاع.
لقد حوّلنا اهم القضايا الى “حديد بقضامي”. خردة بحمص. هذا النقاش الدائر الآن حول اي قانون انتخاب نريد، يجب ان يكون حول اي وطن نريد. اي نوع من الوحدة نطلب ونرتضي. ما فائدة القضاء او المحافظة او الدائرة الواحدة اذا كان سيكرر هذا الخطأ الوطني الرهيب؟ لماذا الانتخابات والبرلمان مقفل مثل حزام العفة؟ ومتى يدرك اللبنانيون، ان لم يدركوا اليوم، انه من العبث البحث عن وطن لدى الآخرين. قال جبران قبل مئة عام: “لبنانكم عُقد سياسية تحاول حلها الايام. لبنانكم مشكلة دولية تتقاذفها الليالي. لبنانكم صراع بين رجل جاء من المغرب ورجل جاء من الجنوب. لبنانكم حكومة ذات رؤوس لا عداد لها. لبنانكم حيلة يستخدمها الثعلب عندما يلتقي الضبع والضبع حينما يجتمع بالذئب. لبنانكم مربعات شطرنج بين رئيس دين وقائد جيش. لبنانكم وفود ولجان. طوائف واحزاب. خطب ومحاضرات. كذب يحتجب وراء ستار من الذكاء المستعار”.
ماذا تغير منذ قرن؟ هل يمكن البحث عن وطن في هذه الدائرة من النقاشات والقضايا؟ هل يمكن السعي الى الشركة الوطنية في مثل هذه الحالة من اليأس؟ هل يمكن البحث في اصول الوحدة الوطنية في عواصم الآخرين؟
وهل على هذا المستوى من الحوار يمكن ان نبحث في ما هو مطروح اليوم: الوجود والبقاء والاستمرار؟
هل نريد ان نختار قانونا للانتخاب ام ذريعة لحرب اخرى؟ وكنا قد اوكلنا المسألة الى احد حكماء لبنان فؤاد بطرس، فماذا حدث؟ اين المشروع الذي وضعه؟ مثل هذه القوانين المصيرية والقضايا الخلافية لا يمكن ان تترك للشارع يفرضها ويفصلها وفقا لصعود وهبوط “الشعبيات”. بل يفترض في قانون انتخاب عصري ان يحرر المقترع من سطوة الطائفية وخوة الإقطاع وهياج الجماهير الطينية (Pâte à modeler) التي تشبه لعبة الاطفال بحيث يتمكن اللبناني من جديد من ان يختار بوعي كامل من هو جدير بتمثيل تقدمه وتطوره ومكانته بين الشعوب.
يخوض رالف نادر معركة الرئاسة الاميركية مرة اخرى ليس على كونه الاكثر شعبية او الاوفر حظا، بل على انه الاكثر جدارة واهلية وثقة ونزاهة وأخلاقا. ومن المحزن ان اللبناني غير قادر هنا على خوض معركة الرئاسة في انتظار دخان ابيض من عموم فاتيكانات السياسة والدين في انحاء العالم. وتخوض الامم معركة بقاء لبنان فيما يخوض نواب البرلمان المهجور معركة المحافظة والقضاء. ويفكر المقترعون في نقل النفوس فيما يفكر المرشحون في نقل المقعد.
شعب مسكين، مترحل في الداخل والخارج، وسياسيون يطاردونه، مقترعا ومهجرا وشهيدا.