مؤتمر ربيع 2008 بين ربط البطريرك لمصير الوجود المسيحي
بإنهاء الفراغ وتحذير المرّ من فراغ شامل حتى بعد 2009
بإنهاء الفراغ وتحذير المرّ من فراغ شامل حتى بعد 2009
14 آذار أكثرية وخياراتها الدستورية متعدّدة
نصير الأسعد
في الفترة الماضية، وتحديداً منذ “وقوع” الفراغ في سدّة الرئاسة نهاية تشرين الثاني الماضي، لم يترك البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير مناسبة إلا وأعلن شجبه للفراغ الرئاسي ولمجمل المسار التعطيلي التخريبي في لبنان. وكان واضحاً جداً في تحميل “جهات خارجية” مسؤولية التعطيل والتخريب، وتحميل فئات داخلية “من بيننا” (مسيحية) مسؤولية التواطؤ مع “الجهات الخارجية” على حساب لبنان والمصلحة الوطنية.
صفير والوجود المسيحي
على أنّ البطريرك لم يتوقف عند هذا الحدّ. فإذ حذّر من التداعيات الكارثية لهذا التعطيل على صعيد وجود الكيان والدولة، وعلى الصعد الوطنية والاقتصادية والاجتماعية كافة، ربط مصير الوجود المسيحي في لبنان باستدراك هذا الوضع وتصحيحه، منبّهاً إلى انّ إنحسار الوجود المسيحي لا يُعدّ خسارةً مسيحية فحسب إنما هو خسارةٌ لغير المسيحيين ولكل اللبنانيين.
بكلام آخر، بلغ البطريرك ذروة الوضوح: إنّ الأزمة التي تعصف بالبلد تضغط أول ما تضغط على الوجود المسيحي، أي انّ حلّ الأزمة يعزّز الوجود المسيحي ويحسّن “شروطه”. وفي ذلك خيرُ ردّ على زعم “الجناح المسيحي” (العوني) من “المعارضة” انّه يدافع عن حقوق المسيحيين.
المرّ والفراغ “المستطيل”
وأول من أمس، أطلق النائب ميشال المرّ موقفاً “مميزاً”. حذّر من انّ وضع شروط على المبادرة العربية ليس فقط يؤدي إلى تعطيل تنفيذها بل من شأنه أن يُطيل أمد الفراغ الرئاسي وأمد الأزمة، وصولاً إلى قوله إن إنتخابات العام 2009 لن تجري إذا استمر التعطيل. وعلى طريقته، لم يشأ “أبو الياس” تحميل العماد ميشال عون مباشرة مسؤولية الفراغ في الرئاسة فحمّلها لـ”تكتل التغيير والإصلاح” الذي يرأسه عون وتحديداً للنواب الموارنة فيه الذين لا يقولون للجنرال إنّ الفراغ ممنوع.
في “السياسة”، يُعدّ موقف النائب المرّ تتمة منطقية لموقف البطريرك. وفيه يقرعُ المرّ جرس الإنذار “في وجه” من يزعمون الدفاع عن حقوق المسيحيين ولا يرون أنّ بداية الدفاع هي إنتخاب رئيس الجمهورية.
مؤتمر 14 آذار: المسؤوليات بعد 14 شباط
هذه المقدّمات ضرورية من أجل مقاربة ما ينبغي أن يكونه موقف 14 آذار.
تعقدُ 14 آذار مؤتمرها الأول اليوم. وهذا المؤتمر مسبوقٌ بحشد من مليون ونصف المليون لبناني “نزل” إلى ساحة الحرية في 14 شباط الماضي. وفي ذلك اليوم لم تثبت 14 آذار فقط أنّها أكثرية شعبية على الصعيد اللبناني “العام”، لكنها أثبتت انّها تتشكّل من مجموعة “أكثريات” من بينها الأكثرية المسيحية. وذلك بفعل تراكم تطوّرات وتحوّلات كبيرة ضمن البيئة المسيحية.
14 شباط 2008 يحمّل 14 آذار مسؤوليات كبرى. فهي “حركة” إستقلال تتشكّل من “قوى” إستقلالية ومن “رأي عام إستقلالي. والمسؤولية الأولى هي مسؤولية “القوى” أمام “الرأي العام”.
وهي حركة ميثاقية دستورية، والتزامها بميثاق الطائف ودستوره هو التعبير عن ذلك، ما يجعلها مسؤولةً عن الشراكة الوطنية من ناحية وعن المسار الدستوري الديموقراطي من ناحية ثانية.
وهي الحاضنة للأكثرية المسيحية التي تعتبر بهدي ما يقوله البطريرك انّ حفظ الشراكة الوطنية هو العنوان، وانّ هذه الشراكة الوطنية لا تستقيم عندما يكون مصير أحد مكوّناتها مهدّداً، ما يجعل حركة 14 آذار مسؤولةً أمام الجمهور المسيحي العريض تالياً.
المبادرة العربية: تنفيذها على مرحلتين
كلامُ البطريرك تحذير. وكلامُ المرّ إنذار. فكيف لـ14 آذار أن تتصرّف؟.
من الواضح انّ 14 آذار تدعم المبادرة العربية وتلتزم بها. لكن من الواضح في المقابل انّ النظام السوري والأقلية عطّلا تنفيذها عبر الشروط التعجيزية التي وضعاها فأدّت إلى ربط كلّ من بنودها الثلاثة بالآخر وإلى ربط كلّ بند بجملة إشتراطات، فكانت النتيجة إستمرار الفراغ الرئاسي. وعلى كلّ حال، كان النائب المرّ دقيقاً في توصيف سلوك “المعارضة” حيال المبادرة العربية ما أدّى إلى تعطّلها.
أعطت 14 آذار ولا تزال تعطي المبادرة العربية الفرصة والوقت. غير أنّ ما يبدو ملحاً من أجل إنهاء الفراغ في رئاسة الجمهورية بانتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً توافقياً فوراً، هو أن يُفصل بند إنتخاب الرئيس ـ في المبادرة ـ عن البندين الآخرين أي الحكومة وقانون الإنتخاب. وإذا كانت المبادرة ـ نصّاً وروحاً ـ لا تشرط إنتخاب الرئيس بتشكيل الحكومة مسبقاً وهي التي تخضع تشكيل الحكومة للآليّات الدستوريّة اللبنانيّة، ولا تشرط الإنتخاب بالاتفاق المسبق على تفاصيل قانون الإنتخاب، فمن الضروري جداً أن يتم تنفيذ هذه المبادرة ـ بقرار عربيّ جديد ـ على مرحلتين: إنتخاب الرئيس فوراً أولاً ثم حكومة وحدة وطنية لا ترجيح فيها للأكثريّة ولا تعطيل للأقليّة، تضع قانونا عادلاً للإنتخاب. وبكلام آخر، انّ المطلوب عربياً تسهيل تنفيذ المبادرة على مرحلتين، لتتم المرحلة الأولى فوراً ثم “يسهر” العرب على مساعدة الرئيس المنتخب لتنفيذ المرحلة الثانية.
الخيارات بين إنتخاب الرئيس والوضع الحكوميّ
غير أنّ إعطاء الوقت الكافي للمبادرة العربيّة لا يعني القبول بإبقاء الأزمة مفتوحة زمنيّاً. ومن حقّ 14 آذار كأكثرية أن تقدّر المدى الزمنيّ الذي لا بدّ بعدَه من المبادرة أو “التصرّف”.
والمسؤوليّات المحدّدة آنفاً أمام 14 آذار تعني أنّ عليها ترجمة كونها أكثريّة وأن تمارس أكثريّتها.
بيد أنّ لدى 14 آذار عدة خيارات دستوريّة. خيار إنتخاب العماد سليمان رئيساً بأكثر من الأكثرية المطلقة إذا توافرت المعطيات والعوامل “اللازمة” لذلك. وإنتخاب رئيس بالأكثريّة المطلقة أو يزيد. و”ترميم” الحكومة القائمة جزئياً أو ترميمها كليّاً أو ترميمها وتوسيعها معاً.
إنّ واحداً من هذه الخيارات لا بدّ من اعتماده بعدَ إنقضاء المهلة الزمنيّة المقدّرة. وأحد هذه الخيارات ـ ولكلّ منها شروطه السياسيّة والعمليّة ـ هو الترجمة التي ينتظرها “شعب 14 آذار” لشعار أنّ ما بعدَ 14 شباط 2008 غير ما قبلَه. ذلك أنّ “شعب 14 آذار” ينتظر أن تمارس الأكثريّة أكثريّتها… أي أن تحكم لتعالج المشكلات الكثيرة.
المؤتمر الأوّل اليوم هو إذاً محطّة لتجسيد رؤية 14 آذار لموقعها ودورها السياسيّين. لكنه محطة من أجل بلورة القرار السياسيّ في “مواجهة” الأزمة.