الحجة المسبقة للفشل المسبق في لبنان
وليد شقير
وليد شقير
قبل أي جولة جديدة من الاتصالات والمساعي من أجل اختراع أفكار جديدة أو مخارج ترضي الأطراف اللبنانيين، للانتهاء من الفراغ الرئاسي اللبناني، تقوم حملة طنانة رنانة وشعواء تتهم الأكثرية في لبنان وحكومة الرئيس فؤاد السنيورة بأنها ترفض اقتراحات الحلول والمبادرات وتفشلها بناء لطلب «أسيادها الأميركيين وأوامرهم»، وتمتلئ الشاشات ووكالات الأنباء والمنابر والإذاعات بخطب وتصريحات رموز المعارضة بالاتهامات للإدارة الأميركية بأنها تسعى الى إجهاض المبادرات ومنعها من الوصول الى نتائج إيجابية.
وباتت هذه الحملات عند انطلاقها هي الإعلان المسبق لدى قوى المعارضة، عن التخطيط الضمني لإفشال هذه المبادرات. فأسهل الطرق لإجهاض مخارج الحلول، والتي يشكل إنهاء الفراغ الرئاسي المدمّر في لبنان محورها، بانتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيساً، هو لصق هذا الفشل قبل أن يحصل، بالسياسة الأميركية لأنها سياسة «جسمها لبيس» كما يقال في اللغة اللبنانية الدارجة، خصوصاً أنه لا يختلف اثنان، حتى إذا كان واحدهما من المعارضة والثاني من الموالاة، على رفض السياسة الأميركية في المنطقة لانحيازها الأعمى واللاإنساني الى إسرائيل والمجازر التي ترتكبها وعلى الاختلاف مع مشاريعها الخبيثة تارة والغبية تارة أخرى بالضغط على دول المنطقة سواء تحت شعار دمقرطتها أو تحت شعار تحقيق السلام ومحاربة الإرهاب الذي يتغاضى عن إرهاب الدولة الذي تمارسه إسرائيل.
والواضح أن المعارضة، نتيجة سهولة اتهام أميركا بأي أمر، لمجرد أن قيادات الأكثرية تلتقي سفيرها أو تزور واشنطن للاطمئنان منها الى أنها لن تعقد صفقة مع سورية على حساب لبنان، تهيئ هذه التهمة مسبقاً.
وهذا ما يحصل الآن مع الجهود الموعودة التي تبذل على هامش قمة دول منظمة المؤتمر الإسلامي في دكار، سعياً وراء انتخاب العماد سليمان رئيساً في جلسة 25 الجاري، لعل بعض الدول العربية يقنع سورية وإيران بإنهاء الفراغ، عبر تساهل حلفائهما مع عملية الانتخاب. وحين تستبق الحملة هذه الجهود فعلى المرء ان يستنتج سلفاً أن دمشق وطهران لن تسهلا الأمر ولن تتجاوبا مع هذه الجهود.
ومن الطبيعي أن يكون توجيه التهمة الى أميركا دليل وطنية وموقف قومي وهذا لا يحتاج الى براهين في ما يتعلق بسياستها حيال القضية الفلسطينية وحقوق العرب إزاء الدولة العبرية، والعراق ومفهومها لمكافحة الإرهاب ولاستخدام القوة المطلقة ولدورها في إذكاء صراع الحضارات واستنفار شعور الكراهية تجاهها لدى مسلمي العالم… إلا أن العودة الى بعض الوقائع يوجبها احترام العقول.
فقادة المعارضة اللبنانية والمسؤولون في سورية يتهمون واشنطن بإفشال المبادرة الفرنسية، فيما الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي، ووزير خارجيته برنار كوشنير اتهما علناً وفي تصريحات أمام الإعلام، مرات منذ شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي، سورية بإفشال التحرك الفرنسي، وهو الاتهام الذي دفع ساركوزي الى الإعلان عن وقف اتصالات الرئاسة الفرنسية بدمشق. وقبل المبادرة الفرنسية نفسها وجدت المحاولات الأوروبية مع دمشق طريقاً مسدوداً أعلن عنها غير مسؤول أوروبي آخرهم خافيير سولانا الذي قال في بيروت وبلغة ديبلوماسية أن سورية لا تتعاون في شكل كاف.
وفيما تتهم المعارضة ودمشق واشنطن بإفشال المبادرة العربية، فإن أرباب هذه المبادرة أنفسهم يقولون غير ذلك. وإذا كان تراكم الأحداث جعل الذاكرة مشوشة عند البعض فإن هذا لا يعني السقوط في براثن الذاكرة الماكرة والانتقائية. فمبادرة الجامعة العربية في حزيران (يونيو) الماضي التي كلفت وفداً عربياً رفيع المستوى الحضور الى لبنان لتجديد الحوار بين الأكثرية والمعارضة من أجل التوافق على حكومة وحدة وطنية انتهت بذهاب الوفد بخفي حنين، مكسور الخاطر لرفض المعارضة تجديد الحوار، وكانت خلفية ذلك حينها ما أبلغه الجانب السوري للأمين العام عمرو موسى، بأن الحل في لبنان يبحث في قمة مصرية – سورية – سعودية. وهو ما رفضته القاهرة والرياض واشترطتا حلاً في لبنان تعقبه القمة. وتقرير الأمين العام عن المبادرة المتجددة التي انطلقت من اجتماع عربي – أوروبي – أميركي في باريس في كانون الثاني (يناير) الماضي، كبديل من إفشال المبادرة الفرنسية، أشار في 27 كانون الأول (ديسمبر) الى أن شروط المعارضة حالت دون نجاحه. وتقرير موسى الذي لم ينشر في آذار (مارس) كرر الحديث عن شروط المعارضة وعن اختلاف الحماسة بين أطرافها لترشيح العماد سليمان في تحديده لأسباب التعثر… وهو لم يأت على ذكر أميركا في المرات الثلاث.
اذا كانت واشنطن هي التي تفشّل كل المبادرات، فلماذا تطالب المعارضة إذاً بمصالحة عربية وتكثر من الدعوة الى تحسين العلاقة السعودية – السورية كشرط للحل في لبنان؟ أم أن العقل السياسي الذي يقول بمقارعة أميركا حيث لا يجب، تجنباً، لمواجهتها حيث يجب أخذ يسود لدى اللبنانيين أيضاً؟