#adsense

الاستمرار يا ثوار الأرز

حجم الخط

الاستمرار يا ثوار الأرز

الشراع

 

إنها أول ثورة شعبية في تاريخ لبنان تشارك فيها قوى الوطن دون حسابات او انتماءات طائفية او مذهبية، ودون حسابات او انتماءات سياسية او حزبية، ودون حسابات او انتماءات مناطقية، ودون اقتصارها على عناصر الشباب او طلاب الجامعات، حيث شاركت فيها كل الفئات والأعمار شباباً ورجالاً ونساءً وفتيات مع حرص ان تنـزل الأمهات وبين ايديهن اطفالهن، اشارة الى تجاوز حالة الخوف من قوى الاستبداد المدججة بكل انواع السلاح، والمهيمنة بكل انواع العسس والاستخبارات، والمزايدة بأطنان من المزايدات: اعلاماً وبيانات ووسائل مرئية ومكتوبة، والحاسمة بكل عبارات التخوين و((التعميل)) للاستعمار واسرائيل.

 

إنها أول ثورة شعبية في تاريخ لبنان تنفجر بعد اغتيال رئيس وزراء في لبنان اسمه رفيق الحريري، وكانت كل عمليات الاغتيالات السابقة تؤدي الى خنوع شعبي واستسلام سياسي، والتحاق بركب المخبرين، رغم ان الذين اغتيلوا سابقاً كانوا زعيماً وطنياً شاملاً بحجم كمال جنبلاط، ورئيسين للجمهورية منتخبين من مجلس نواب واحد لم يتغير خلال 18 عاماً، هما بشير الجميل ورينيه معوض، ومفتي للجمهورية بحجم الشيخ حسن خالد والعشرات وبينهم الصحافيون (سليم اللوزي، رياض طه) ورجال الدين (الشيخ صبحي الصالح) ونواب (ناظم القادري) وشخصيات سياسية لها تاريخ وطني (محمد شقير) فضلاً عن عشرات المناضلين القوميين (الشاعر موسى شعيب، والطبيب عدنان سنو..) والضباط الوطنيين (امين قاسم، ابراهيم الفار، كاظم درويش..).

 

إنها أول ثورة شعبية في تاريخ لبنان اجتمعت ناسها كلها في ساحة واحدة اسمها ساحة الشهداء، وحول ضريح رجل سياسي هو رئيس الوزراء الذي اغتالته الاستخبارات السورية يوم 14/2/2005 الشهيد رفيق الحريري، جاءت اليها الناس بدافع سياسي وآخر حماسي وآخر عاطفي وآخر طائفي وآخر يدين بعلم ابنائه للشهيد، او بوظيفة له في احدى مؤسساته.

 

إنها اول ثورة شعبية في تاريخ الوطن العربي، يثور فيها شعب عربي ضد استعباد نظام عربي آخر، سامه المر والهوان والذل والارهاب والقتل وهدر الكرامات وهدم المؤسسات واغتيال الزعامات وتفخيخ السيارات وكواتم الصوت من المسدسات طيلة 30 عاماً (1975 – 2005).

 

إنها أول ثورة شعبية في تاريخ العالم يخرج فيها العزل المدنيون لمواجهة آلة قتل مدعومة بجيش من 30 ألف جندي بكامل معداتهم الحربية وآلاف المخبرين اللبنانيين والسوريين والفلسطينيين، دون وجود زعامة تاريخية واحدة تقودها (كما الإمام الخميني في طهران عام 1979) ودون دولة او دول تدعمها كما الثورة البرتقالية في اوكرانيا احدى جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابقة.

 

إنها ثورة قادتها دماء شهيد كبير، تجمعت حول ضريحه في ساحة الشهداء، بعد ان ادركت قوى الثورة والناس ان هذا الرجل دفع دماءه ثمناً لحرية ابناء الوطن واستقلاله وسيادته على ارضه وقراراته، فتوجهت اليه وفاءً، واستندت الى قوته ومكانته الوطنية والعربية والدولية كي يحميها في ثورتها، معاهدة إياه على استمرار مسيرته في الحرية وفي الانماء وفي مواجهة المستبد الارهابي، مستلهمة قراره في المواجهة التي سار فيها واليها حتى النهاية، فكانت نهايته بداية للاستقلال، وكانت دماؤه حقناً لدماء المواطنين.

 

إنها ثورة شعبية واجهها نظام الاستبداد والارهاب بجماعاته التي اعتمد عليها خلال احتلاله للوطن لحماية ظلمه وترسيخ مشروعه الدموي لتدمير الوطن.

لقد واجه لبنان مع الاستبداد السوري حالة عرفتها دول اخرى خلال مراحل التاريخ الحديث، عندما راهن المستعمرون الفرنسيون على إلحاق الجزائر بفرنسا وسعوا الى فرنستها، وعندما راهن موسوليني في ايطاليا على إلحاق ليـبيا بامبراطوريته  واعتبرها المقاطعة الرابعة.

 

ذاقت الجزائر ارهاب وقتل وعار وذل الاحتلال الفرنسي ولم تخرجه إلا ثورة مسلحة دفع الشعب الجزائري ثمنها مليون شهيد، وعندما استقلت تطورت علاقتها مع المستعمر القديم حتى اصبحت او كادت جزءاً من الشراكة الطوعية معه في الاقتصاد والثقافة رغم الفوارق بين غربية ثقافة فرنسا وعولمتها، وعروبة ثقافة الجزائر واسلاميتها.

 

وذاقت ليـبيا ارهاب ومعسكرات اعتقال وإبادة من الاستعمار الايطالي الفاشي، وأعدمت قائدها التاريخي عمر المختار، فلما استعادت ليـبيا استقلالها أقامت افضل العلاقات مع ايطاليا، وأصبحت الاستثمارات الليـبية في بلاد الرومان السابقة احدى الحقائق الملموسة في الأرباح الليـبية والعمالة الايطالية.

 

حاول النظام السوري إلحاق لبنان به ليستمر في نهب ثرواته وقد بلغت خلال 15 سنة 20 مليار دولار، دون الحديث عن فرض تشغيل مليون عامل سوري في لبنان على حساب العمالة اللبنانية في مجالات عديدة، لم يكن يسمح فيها للبناني حتى بالمنافسة وهو أمر مضحك ومخجل معاً.

 

اعتبر نظام عائلة الأسد لبنان دجاجة تبيض ذهباً، واعتبرها محافظة سورية ينفق منها على بقية المحافظات مما يتبقى من المليارات التي يخزنها افرادها في مصارف اوروبا ودبي وحتى في لبنان نفسه.

 

سعى نظام عائلة الأسد الى ترتيب كل شؤون لبنان والإنقلاب على دستوره وأعرافه وتقاليده كي ((يؤهله)) ليصبح جزءاً من سوريا ونظامها، في عملية إكراه لشعبه وتكريه قسري له بكل مفهوم وحدوي أو قومي أو ارتباط بأي نظام عربي على شاكلته حتى نجح في جعل كلمة الوحدة مع سوريا بعبعاً وفزاعة وإرهاباً لن ينجو أو يستفيق منها لبنان إلا لأجيال قادمة.

خرج نظام الاستبداد من لبنان مطروداً ذليلاً.. ولم يتعظ من تجربة علاقة فرنسا مع الجزائر، ولا من تجربة إيطاليا مع ليبيا، رغم ان فرنسا وإيطاليا دولتان أوروبيتان غربيتان كاثوليكيتان حكمتا شعبين عربيين مسلمين..

 

لم يستفد حتى من تجربة جمال عبدالناصر الذي طعنه المجرمون الانفصاليون يوم 28/9/1961 في أعز أبنائه وأحلامه وأحلام الأمة، ومع هذا سارع إلى الاعتراف بنظامهم وساعد على عودتهم إلى جامعة الدول العربية والأمم المتحدة وطلب تسهيل كل ما من شأنه استعادة سوريا مكانتها خارج الجمهورية العربية المتحدة رغم احتفاظه باسمها رمزاً لوحدويته ومرحلة من أعظم مراحل النضال العربي المجيد في العصر الحديث.

 

خرج النظام السوري من لبنان مطروداً بثورة شعبية لبنانية شاملة، فصمم على الانتقام منها، لحظة قرر سحب قواته يوم 5/3/2005، وبعد ثلاثة أيام فقط بدأ الرد الاستخباراتي الإرهابي لنظام الأسد من خلال تظاهرة حزب الله شريك هذا النظام في كل إرهابه وتسلطه وغطرسته ومحاولة هدمه للمؤسسات وإهدار الكرامات وانتهاك سيادة الدولة بإقامة دولة داخلها.

وهنا هي المعضلة

 

لم يكن داخل الجزائر قوى ممالئة للاحتلال الفرنسي لتجرؤ على قهر استقلال بلد المليون شهيد وطعنه من الخلف وإعاقة بناء استقلاله لذا نجح الاستقلال الجزائري وأقام دولته المستقلة.

 

ولم يكن داخل ليبيا قوى ممالئة للاحتلال الإيطالي لتجرؤ على قهر استقلال بلد المليون محاصر في معسكرات الصحراء وطعنه من الخلف وإعاقة بناء استقلاله، لذا نجح الاستقلال الليـبي وأقام دولته المستقلة.

 

في لبنان خرج حزب الله من قمقمه المدجج بالمقاومة كي يحارب أبناء وطنه ويطعنهم بظهورهم ويعمل المستحيل لإجهاض ثورتهم الشعبية، فخرج عن الاجماع الشعبـي، وناب عن المستبد القاهر للسوري واللبناني والفلسطيني والعراقي في قهر الشعب اللبناني، واحتلال ساحاته الاقتصادية وهي ساحات رموز للاستقلال من رياض الصلح إلى رفيق الحريري، وعمل على هدم مؤسساته بدءاً من مؤسسة مجلس الشعب اللبناني ونوابه، ثم حصار مؤسسته الوحيدة الباقية وهي الحكومة الوطنية التي تشكل الدرع الأخير والحصن الأخير والقلعة الأخيرة قبل سقوط الوطن وانهياره بحرب أهلية لن تبقي ولن تذر.

 

الآن ثورة 14 آذار على المحك التاريخي، بعد ان قطعت شوطاً عظيماً في تحقيق أهدافها، وبعد ان اخفقت في مسارٍ مهم من مساراتها وهي عدم استكمال تحرير المؤسسات والوطن عندما توقفت عن قلع وكيل النظام السوري من قصر بعبدا يوم 15 آذار 2005، وعندما توقفت عن قلع وكيل النظام السوري الاستخباراتي من أنفاق الناعمة، وعندما سقطت في فخ التحالف الرباعي مع وكلاء النظام السوري في لبنان، وعندما عجزت عن التوجه إلى العالم كله عرباً وشرقاً وغرباً كي تستكمل استقلالها وتنجزه بشروطها تحت دعوى دورها كأم الصبـي.. غير ان هذا حديث آخر.

المصدر:
الشراع

خبر عاجل