#adsense

الانقلاب الإيراني

حجم الخط

الانقلاب الإيراني
غسان شربل

 

يفترض بالمواطن العربي أن يتابع الانتخابات الرئاسية الاميركية. ليس الغرض، بالتأكيد، أن يصاب برغبة في تقليد الاميركيين. الهدف هو الاطمئنان الى مستقبل اولاده. فالرجل الذي سيحتل المكتب البيضاوي هو في النهاية جنرال القوة العظمى الوحيدة حتى اشعار آخر. قراراته تمس أمن العالم واستقراره. ارتكاباته يمكن ان تنجب الكوارث لبلاده والعالم في آن. تكفي الاشارة الى حماقة غزو العراق للتأكد من أن تلك الانتخابات البعيدة تعنينا في استقرارنا واقتصادنا وصورة أيامنا المقبلة.  

 

يفترض بالمواطن العربي ان يتابع الانتخابات في اسرائيل. معرفة العدو هي الخطوة الأولى التي لا بد منها لمواجهته او اتقاء بعض شروره على الاقل. ليس الغرض ان يشعر العربي بأن الكيان الغاصب نجح في بناء مؤسسات تجنب مؤيديه الذين يعيشون في ظله مخاطر الحرب الاهلية. ذات يوم اغتال متطرف رئيس الوزراء وأحد الجنرالات المؤسسين اسحق رابين ولم ينكسر العمود الفقري للدولة. متابعة الانتخابات الاسرائيلية تسمح بقدر من التكهن حول منسوب العدوانية الاسرائيلية في ظل هذا الحزب أو ذاك. والأمر يؤثر بالتأكيد على استقرار الدول المجاورة ودرجة التوتر في دول أبعد منها.

يمكن اضافة بند جديد الى بنود هموم العربي واهتماماته. يفترض به من الآن فصاعداً ان يتابع ايضاً مسار الانتخابات في ايران. ليس الغرض، بالتأكيد، الوقوع في جاذبية الأزياء الإيرانية للديموقراطية. ولا استيراد النموذج الذي تصطدم محاولات تصديره بطبيعة تركيبة المنطقة. الغرض الحقيقي هو معرفة اتجاه الرياح الايرانية والاحتماء مما يمكن ان يرافقها من اهتزازات وعواصف.

 

لا مصلحة للعرب في ادراج ايران في خانة الأعداء. ولا مصلحة لإيران ايضاً. ثم ان التعامل مع هذه الدولة الجارة الكبيرة بمقاييس الاقليم يجب ألا يرتكز على مرارات التاريخ. ولو كان على الشعوب ان تظل اسيرة للولائم الدموية القديمة لما رأينا فرنسا والمانيا تشكلان القاطرة التي اوصلت الاتحاد الأوروبي الى ما وصل اليه. لكن القدرة على التعامل مع جار مثل ايران والتعاون معه وربما احتواء اندفاعته احيانا تستلزم معرفة مطالبه ومخاوفه وشهياته.

 

اكتب ذلك في ضوء ما سمعته من مسؤول عربي. قال: «علينا ان نعترف بأن ايران حققت، بفضل سياستها الهجومية وارتفاع أسعار الطاقة والمغامرة الأميركية في العراق، سلسلة نجاحات مكنتها من الامساك بأوراق على الأرض العربية». سألته ان يوضح أكثر فأجاب: «لا يمكن بناء عراق مستقر من دون موافقة ايران ومراعاة مصالحها وجزء كبير من مطالبها. لا يمكن انتخاب رئيس للجمهورية في لبنان من دون موافقة طهران. لا يمكن استئناف الحوار بين «فتح» و «حماس» من دون موافقتها ايضاً. إيران موجودة في غزة عبر حلفائها. وحاضرة على المتوسط عبر سورية و»حزب الله». انها تملك عبر كل ذلك قدرة التأثير على أبرز ملفين في المنطقة: أمن النفط وأمن اسرائيل».

 

قال المسؤول ان ايران تنظم انقلابا غير مسبوق على الوجود الدولي في المنطقة وكذلك على التوازنات بين القوى الاساسية فيها. رأى ان الاخطر في محاولة الانقلاب هذه «سعي ايران الى انتزاع صفة المرجعية الدينية والسياسية للشيعة العرب الموزعين في دول المنطقة وهي مسألة لا تستطيع دول المنطقة قبولها او احتمالها». واعتبر ان ايران تحاول جمع اكبر عدد من الأوراق وبينها البرنامج النووي لتنتزع لاحقا اعترافا اميركيا ودوليا بحقها في التصرف كدولة كبرى في الاقليم.

 

تذكرت ما قاله المسؤول العربي الرفيع حين اطل محمود احمدي نجاد من بغداد. كانت اطلالته رسالة موجهة الى اميركا والى العرب ايضاً. لقد ولدت في المنطقة قوة كبيرة بطموحات مقلقة. لم يحتمل العالم صعود جمال عبد الناصر وبرنامجه الذي يتعدى حدود بلاده. فهل يحتمل العالم برنامجا لتغيير المنطقة وفق قاموس احمدي نجاد؟ ان حجم محاولة الانقلاب الجارية هو من قماشة الهجمات الواسعة التي تنذر بحروب. لذلك على العربي ان يضيف البند الايراني الى لائحة اهتماماته اليومية فنحن في خضم معركة كبرى على لون المنطقة وموقعها وزعامتها.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل