على الأسد أن يفهم أن لعبة الساعة ليست حكراً عليه وعلى أصدقاء لبنان أن يجمّعوا فتات العصا والجزرة في رزمتين متراصتين”
ديبلوماسي أوروبي: أستبعد عدواناً إسرائيلياً كما انتقام “حزب الله”
فارس خشّان
فارس خشّان
لا يظن مصدر ديبلوماسي أوروبي رفيع يعمل في بيروت أن عدواناً إسرائيلياً يطرق أبواب لبنان.
لديه الكثير من الأسباب لتبرير هذا الظن، الذي لا يتوافق مع “ظاهر الحال”.
لديه الكثير من الأسباب لتبرير هذا الظن، الذي لا يتوافق مع “ظاهر الحال”.
ومن بين الأسباب التي يُقدّمها يمكن التوقف عند الآتي:
أوّلاً، هو يشك في أن “حزب الله” يمكن أن يُقدم على عملية انتقامية “باهرة” انتقاماً لاغتيال عماد مغنية، مع تسليمه بأن “الاستكانة” خطرة على قيادات هذا الحزب، الذين لهم مصلحة في دفع إسرائيل الى الشعور بمخاطر توسلها، مرة جديدة، لقدراتها المخابراتية الجدية المتجلية في “الخرق الكبير” الذي سمح بنجاح عملية اغتيال مغنية في أكثر المناطق المحروسة في دمشق بعد منطقة القصر الجمهوري.
هذا الشك لا ينبع من تكهن، بل هو نتاج خلاصات ناجمة عن المتابعات الدورية التي يجريها سفراء الاتحاد الأوروبي في لبنان، كل من جهته، مع ممثلين عن “حزب الله”، ويتبادلون المعلومات في شأنها.
ثانياً، إن وجود قوات “اليونيفيل” في الجنوب، وفق الصلاحيات الممنوحة لها في القرار 1071، تصعّب قيام حرب بين إسرائيل من جهة وبين لبنان من جهة أخرى، لأنّ “حزب الله” يُدرك جيداً التبعات الدولية الشاملة لخرق الإجراءات التي تتخذها قوات “يونيفيل” في جنوب نهر الليطاني وكذلك الحال في إسرائيل، بمعنى آخر إن “حزب الله” سيكون مكشوفاً أمام إسرائيل في حال استخف بقوات “اليونيفيل” وإسرائيل ستكون محرومة من غطاء الشرعية الدولية إن هي بادرت الى الحرب.
ثالثاً، إن الأرض الجنوبية تصرخ، ليلاً ونهاراً، في آذان “حزب الله” بألا يقودها الى حرب جديدة تفوق إمكاناتها، وهذه الأرض سوف تُحاسب الحزب بقوة في الانتخابات النيابية إن هو ذهب مرة جديدة الى المكان الذي ذهب اليه في تموز 6002 حتى ولو سجّل انتصاراً “لا جدوى منه”.
رابعاً، صحيح أن القيادة الإسرائيلية بحاجة الى حرب في هذه المرحلة، ولكن الصحيح أكثر أنها بحاجة الى حرب مضمونة النتائج، ولكن تجربتها في لبنان يستحيل أن تكون سمحت لها باستنتاج تمتعها بقدرة قيادة حرب مماثلة.
ولا يبدي الديبلوماسي الأوروبي أيّ مفاجأة وهو يستمع “موافقاً” الى المعلومات التي يتم تداولها في الكواليس السياسية اللبنانية عن الخطة العسكرية الإسرائيلية التي تستهدف “حزب الله” وسوريا في آن، والدور الذي يمكن أن تلعبه في هذا الإطار البوارج الأميركية التي يقول إنها منتشرة ليس قبالة المياه الإقليمة اللبنانية فحسب، بل قبالة المياه الإقليمية السورية أيضاً.
ولكنه في المقابل، يلفت الانتباه الى أنه يمكن إدراج “ذلك كلّه” في خانة التحذيرات الجدية لـ”حزب الله” والنظام السوري من مغبة الإقدام على عملية تحت بند الانتقام لمغنية.
ويشير الى أن السيناريو التحذيري الذي يعتمده الأميركيون في هذه المرحلة هو لتفادي القراءة الخاطئة للتحذيرات “السرية” التي تمّ توجيهها الى “حزب الله” في العام 6002 وتعمّد تجاوزها مستفيداً من “جهل” اللبنانيين عموماً وأبناء الطائفة الشيعية خصوصاً لها.
إلا أن الملاحظة التي يمكن التوقف عندها، في ضوء الحوار مع هذا الديبلوماسي، إصراره، عند انتهاء كل موقف تحليلي من مواقفه، على ترداد عبارة: “قد أكون مخطئاً”.
وبعد الحديث عن “التأزم الحدودي”، يأخذ “التأزم الداخلي” حجمه من الاهتمام مع المصدر نفسه.
هو كما اللبنانيين يترقب ماذا سيحصل بالنسبة الى الملف الرئاسي من الآن حتى عشية انعقاد القمة العربية، وهو كما غالبية اللبنانيين لا يتأمل أن يشهد الملف الرئاسي انفراجاً في الجلسة النيابية المقررة في الخامس والعشرين من آذار الحالي.
بالنسبة إليه، الرئيس السوري بشار الأسد غير مستعد للتنازل عن الورقة اللبنانية، بل يريد إبقاءها في جيبه حتى يتغيّر الواقع الدولي، خصوصاً أنه يعتبر نفسه قادراً على التلاعب بالقضايا العربية الكبرى من دون أن يدفع اي ثمن فيها، بدءاً بالعراق مروراً بفلسطين وصولاً الى لبنان.
ويعتبر الديبلوماسي أن المشاركة العربية في قمة دمشق سوف تُعطي بشار الأسد نفساً جديداً يمكّنه من الصمود حتى تنتهي ولاية الرئيس الأميركي جورج بوش، خصوصاً أن مراهنته على الوقت تنطلق من اعتقاد مكوّن لديه بأن انتصار باراك أوباما في الانتخابات الرئاسية الأميركية ستكون احتفالياتها انتشار الدبابات السورية في بيروت.
ويرى الديبلوماسي أن تغيّر اللهجة الأميركية حيال النظام السوري والعراضات العسكرية قد تكون رسالة الى الرئيس السوري ليُسارع الى تغيير سلوكياته في لبنان، ولكن مشكلتها أنّ الأسد لا يُصدقها وهو مقتنع أنّ أحداً لن يمس نظامه.
يُعيد الديبلوماسي الأوروبي ثقة الأسد بذلك الى عامل وحيد وحاسم بالنسبة إليه، وهو اقتناعه الراسخ بأن إسرائيل لا تزال ترفض رفضاً قاطعاً أي مس بنظامه.
ولكن، كيف يجد الحل لمشكلة لبنان التي يصر الجميع على حماية استقلاله واستقلاله؟
ثمة طروحات كثيرة على الطاولة، والعمل جارٍ على بلورتها النهائية.
هناك اقتناع بضرورة تجميع “فتات الجزرة المتناثرة” في جعبة واحدة، وكذلك الحال بالنسبة إلى “فتات العصا المتناثرة” مما يسمح بتوجيه رسالة حاسمة في حال فشل جلسة الخامس والعشرين من آذار الحالي، الى الأسد ليختار “حزمة الجزرة” والمحكمة والتحقيق ليستا من ضمنها، أو “حزمة العصا”.
وهنا بالذات، يُصبح لانتشار البوارج الأميركية في المياه الإقليمية المجاورة للبنان وسوريا معانٍ منتجة.
وفي الوقت نفسه، يتم العمل على إفهام الأسد أنه ليس وحده يُحسن لعبة الساعة، بل الجميع هو كذلك، ولكن هذا الأمر يقتضي تقوية حكومة الرئيس فؤاد السنيورة وإتاحة المجال أمامها لتحكم، من دون الدخول في لعبة الانتخابات الرئاسية بالنصف زائداً عشرة على اعتبار أنه من الضروري إبقاء أبواب الأمل مفتوحة أمام اللبنانيين من خلال اقتناعهم بأن انتخاب الرئيس هو المدخل الى الحل بدل أن يتحوّل الرئيس الجديد الى مشكلة بذاته.
وينتهي هذا الديبلوماسي الأوروبي الى الخلاصة الآتية: على الرغم من اعتراض قوى الرابع عشر من آذار على طريقه الدعوة التي وجهتها سوريا الى لبنان، إلا أن الدعوة بذاتها الى حكومة يرأسها فؤاد السنيورة فيها الكثير من الذل لبشار الأسد، الأمر الذي يؤشر إلى أن رؤية “حزمة العصا” قد تنفع معه وتدفعه الى الموافقة على “حزمة الجزرة”.