#adsense

14 آذار: صور من الاستقلال الثاني

حجم الخط

14 آذار: صور من الاستقلال الثاني

علي حماده

 

في السنة الثالثة لانتفاضة الاستقلال، تحضرني صورة الحبيب سمير قصير ذلك اليوم وهو عائد من التظاهرة التاريخية  ليقول لمن كان يلتقيه: “انتصرنا”. والحق ان صورة  الحبيب الاول جبران ذلك اليوم هي الاخرى لا تغيب عن بالي، وهو يهم بالنزول من مكتبه في “النهار” الى ساحة الحرية بعدما “باض” كما كان يحلو له ان يصف فعل الكتابة، القَسَم الذي سيحمل اسمه و يخلده. ومن شاهد جبران يخط بيده نص القسم في دقائق معدودة بعدما حار في امره اياما ولم يستطع ان يقرر ما سيقوله في الرابع عشر من آذار”… من شاهده ذلك اليوم ادرك ولا شك ان تلك الكلمات القليلة البسيطة المباشرة المنحوتة نحتا كتمثال داود انما عكست صورة جبران الحقيقي الذي كان يشعر يومها بتحقيقه انتصارين: الاول على ذل الاحتلال، و الثاني على نفسه كأحد ابناء الحرب التي عصفت بلبنان ما يزيد على العقدين فشلّعت الوطن وقسمت الشعب.  و ان انسَ فلن انسى خابية الفخار التي كسرها  ابناء مجدل عنجر عند نقطة المصنع يوم 26 نيسان 2005 لدى خروج آخر جندي سوري وعادوا بـ”اذنها” ليهدوها الى جبران تويني تخليدا ليوم الجلاء. ولا تزال “اذن” تلك الخابية معروضة في مكتبه في “النهار”.


كثيرة هي الصور والمشاهد، والوقائع  التي لا تزال تحضرني حتى اليوم عن 14 آذار، منها ما  بات معروفا ومنها ما لم يكتب عنها والسبب تفضيل جنود مجهولين البقاء في الظل حتى اليوم، و قد كانت لهم ادوار عظيمة في استنهاض الموقف الاستقلالي بتحويل الاحباط الذي اصاب معظم القادة الاستقلاليين اثر تظاهرة 8 آذار بقيادة “حزب ولاية الفقيه” لشكر الرئيس بشار الاسد بعد اقل من 3 اسابيع على قتل رفيق الحريري، نارا اشعلت الهمم و الحمية في قلوب ملايين اللبنانيين هنا و في كل مكان من العالم ودفعت قادة الرأي العام الاستقلالي وبينهم في المقدم الكنيسة بكل مؤسساتها الى صنع اهم حدث سياسي ووطني في تاريخ لبنان منذ ان صار كيانا. و سيأتي يوم اتمناه قريبا يُكتب فيه تاريخ تلك المرحلة  بكل تفاصيلها،  بجنودها المعروفين وبالمجهولين ايضا ان ارتضوا يوما التحرر من الظل. ولمن لا يعرف فإن قرار تنظيم تظاهرة 14 آذار لمناسبة مرور شهر على اغتيال الرئيس رفيق الحريري اتخذ ليلة 8 آذار خلال مناقشة حامية بين مجموعة صغيرة معظمها كان محبطا امام مشهد الشكر والتبريك لبشار الاسد بمئات الالاف الذين استقدمتهم ماكينة ايديولوجية، وامنية، ومالية، خدماتية ضخمة. يومها خلال المناقشة انتفضت قلة غاضبة ورافضة الاحباط، واستطاعت بكلمات قوية وحاسمة ان تحول المزاج العام من التخبط الى العزم على ابراز الارادة الوطنية الاستقلالية. فانطلقت ماكينة 14 آذار في كل اتجاه لتصنع ذلك اليوم الكبير الذي لم يكن مجرد لقاء عابر او مجرد وهم  كما زعم ويزعم معتوهون!


في 14 آذار 2008، اهم ما في الوثيقة التي قدمت البارحة خلال “مؤتمر ربيع بيروت” وقد خرجت بها انتفاضة الاستقلال كعصارة لثلاث سنوات من معركة الاستقلال ( اكتفي بالاضاءة على فكرة واحدة تهمني الآن) ان الخلاف او الصراع في لبنان ليس طائفيا، ولا حتى سلطويا، وانما هو ثقافي متعلق  بمصير الكيان، والصيغة، والنظام، ونمط الحياة في لبنان.

 

والاشارات المبطنة ولكن الواضحة الى مصدر التهديد الداخلي، وهو الاخطر مطلقا، خطوة عظيمة الاهمية باعتبار ان منطلق حماية لبنان والنجاح في استكمال الاستقلال يكونان بتعيين الخطر الاول على معنى لبنان و معنى ان يكون الانسان لبنانيا في هذا العالم. ومن المؤسف حقا ألا تأتي اسرائيل ولا سوريا النظام في المقام الاول كمصدر للخطر على مصير لبنان، لكون الخطر مقيما واقعا في احشاء الوطن نفسه! 

المصدر:
النهار

خبر عاجل