لبنان يخوض في جدل قانون الانتخاب… أحدث شروط المعارضة “التعجيزية” لتمرير انتخاب الرئيس
14 آذار: برّي “يحلم” بتكرار “محادل” قانون غازي كنعان وعون يلعبها “Win Win” بين قانوني الـ 60 والـ 2000
14 آذار: برّي “يحلم” بتكرار “محادل” قانون غازي كنعان وعون يلعبها “Win Win” بين قانوني الـ 60 والـ 2000
أثارت قوى المعارضة في الأيام الأخيرة مسألة قانون الانتخابات النيابية كشرط من الشروط “التعجيزية” التي تفرضها على طاولة الحوار مع قوى 14 آذار, لكي تسهل انتخاب رئيس جديد للجمهورية, إضافة إلى موضوع الحكومة وتوزيع الحصص الوزارية.
وكان أول المنادين بالاتفاق المسبق على القانون الانتخابي هو النائب العماد ميشال عون فاقترح اعتماد قانون عام 1960 معتبراً أنه الأفضل لتمثيل المسيحيين لأنه يقوم على دوائر صغيرة نسبياً, أساسها الأقضية الإدارية وعددها في لبنان 26 قضاء.
ومعلوم أن رئيس مجلس النواب نبيه برّي و”حزب الله” (ضمناً) وافقا عون على اقتراحه ودخل النائب السابق سليمان فرنجية على خط التحريض لاعتماد هذا القانون, ولكن الموقف الحاسم للبطريرك الماروني نصرالله صفير الرافض قلب الطاولة, وأكد أن قانوناً عمره خمسون عاماً تقريباً لا يمكن أن يلبي طموحات وتطلعات المسيحيين, بعد كل ما عاناه لبنان في العقود الماضية وما شهده من تغييرات ديموغرافية.
في هذا التقرير تسلط “السياسة” الضوء على موقفي فريقي 14 آذار و8 آذار من هذا القانون, في محاولة لاستكشاف خلفيات طرحه الآن بعد أن كانت قوى المعارضة تنظّر للدوائر الكبرى, أي المحافظات وما فوق. كما يتطرق التقرير بالتفصيل إلى حيثيات هذا القانون إذا طبق في انتخابات العام المقبل.
الأكثرية: تعطيل الدستور
النائب جواد بولس من قوى 14 آذار قال لـ”السياسة”: إن أي نقاش لموضوع قانون الانتخاب سابق لأوانه, ولا يجوز الخوض فيه قبل إجراء الانتخابات الرئاسية, أولاً لأن مركز الرئيس هو الشاغر وليس مجلس النواب, وثانياً لأن الرئيس العتيد سيكون له دور أساسي في إعداد قانون الانتخاب الجديد وخصوصاً لتأمين مصلحة المسيحيين, كون الرئيس هو الذي يحتل الموقع المسيحي الأول في الدولة. ومن جهة أخرى فإن نقاش قانون الانتخاب يتم حصراً في مجلس النواب بناء على مشروع قانون تعده الحكومة, ولا طائل من مناقشة هذا الأمر إعلامياً في وقت يقفل مجلس النواب أبوابه.
وتابع بولس: النقاش عبر وسائل الإعلام اليوم حول قانون الانتخاب يركز على مسألة الدوائر الانتخابية في حين أن المسألة الأهم في الموضوع ككل هي كيف يمكن أن نضع قانوناً حديثاً وعصرياً يعالج كل الشوائب والثغرات والنواقص التي كانت ترافق القوانين السابقة, وخصوصاً مسائل الإعلام والإعلان والإنفاق وتمويل الحملات الانتخابية وهيئة المراقبة على الانتخابات. هذه المسائل يجب أن تناقش أولاً ثم يأتي دور طبيعة النظام الانتخابي هل هو النظام الأكثرية أو النظام النسبي, وبعد كل ذلك يأتي الحديث عن الدوائر والتقسيمات.
ورفض بولس الخوض في أية مناقشة عن قانون عام 1960 أو غيره, وقال: أرفض أن أحدد موقفي بناء على أجندة بعض القوى التي أثارت هذا الموضوع, لأنها تحاول استدراج قوى 14 آذار إلى نقاش يلغي موقع الرئاسة الأولى ويلغي دور الحكومة في إعداد مشروع قانون الانتخاب وأخيراً يلغي الدور التشريعي لمجلس النواب في إقرار هذا القانون. وباختصار إنهم يريدون إلغاء المؤسسات الدستورية وإلغاء الدستور.
أما النائب فريد حبيب من كتلة “القوات اللبنانية”, فأيّد موقف بولس لجهة عدم طرح موضوع القانون الانتخابي قبل انتخاب رئيس الجمهورية وتأليف حكومة جديدة.
وقال: أما إذا أردنا الخوض في بعض التفاصيل حول الدوائر الانتخابية فإننا نؤيد ما اقترحه البطريرك صفير لجهة الدوائر الصغرى, وإذا لم يكن كذلك فلتكن الدوائر متوسطة (أكبر من القضاء) مع اعتماد النسبية وليس الأكثرية, لأن الأقضية كما كانت في العام 1960 تغيرت جذرياً.
بدوره اعتبر النائب فؤاد السعد من “اللقاء الديمقراطي” أن ما يقترحه البطريرك صفير يصب في مصلحة تمثيل المسيحيين, وموضوع القضاء يجب دراسته بتأنٍّ بسبب التغييرات الديموغرافية الكبيرة في كثير من المناطق اللبنانية.
وعن اقتراح عون باعتماد قانون العام 1960 قال: المضحك المبكي أن الذين كانوا يطالبون بالدوائر الكبرى أصبحوا الآن من أشد المتحمسين للقضاء. على كل حال أعتقد أن نقاش الموضوع سابق لأوانه.
أما النائب أنطوان سعد من “اللقاء الديمقراطي” فأكد أنه لا يعارض اعتماد القضاء كدائرة انتخابية, ولكن بعد تعديل عدد من الأقضية التي طالها تغيير ديموغرافي كبير, وما كان يصلح في العام 1960 لم يعد يصلح اليوم, والمطلوب إعداد دراسة متأنية للتغيرات التي أصابت تلك الأقضية.
المعارضة: برّي
لا يمكن الحديث عن موقف موحّد للمعارضة من القانون الانتخابي وتحديداً من تبني قانون العام ,1960 وقد تأكد هذا التباين من خلال تصريحات مختلف أقطاب ورموز المعارضة في الأيام الأخيرة.
بداية مع رئيس مجلس النواب نبيه برّي الذي استاء من رفض البطريرك صفير لتقسيمات العام ,1960 واشترط تحديد دوائر أكبر من القضاء إزاء هذا الرفض, أي المحافظة, ومعلوم أن لبنان مقسّم إلى ست محافظات كبيرة (استحدثت محافظتان جديدتان هما: بعلبك – الهرمل وعكار ولكن ما زال قانون إنشائهما غير سارٍ حتى اليوم).
هذه المحافظات الست للشيعة الأرجحية في ثلاث منها: الجنوب, النبطية, البقاع, وتعطي لهم صوتاً وازناً في جبل لبنان. لذا يبدو واضحاً أن برّي يريد استعادة تجربة “المحادل” التي كانت سائدة أيام الوصاية السورية, ولا يغير في الأمر شيئاً قوله إنه يريد اعتماد النسبية بدلاً من النظام الأكثري. لأنه حتى النسبية تعطي للثنائية الشيعية “أمل” و”حزب الله” القدرة على الفوز بنحو 70 في المئة من مقاعد المحافظات الثلاث المذكورة, بالإضافة إلى نسبة صغيرة في جبل لبنان.
بطبيعة الحال لن ترضى قوى سياسية كثيرة في الموالاة والمعارضة بتحقيق حلم برّي فيقع الخلاف ويتعذر التوافق على قانون انتخابي جديد, وعندما يحين موعد الانتخابات النيابية العام المقبل يجد اللبنانيون أنفسهم أمام قانون العام 2000 (أي قانون غازي كنعان) كأمر واقع. وهنا تتحقق رغبة برّي ولكن بطريقة مختلفة إذ يضمن مع “حزب الله” دائرتي الجنوب والنبطية (23 نائباً) ودائرة بعلبك – الهرمل (10 نواب), ويرجح الشيعة كفة لائحة المعارضة في دائرة البقاع الغربي وراشيا (6 نواب), وفي دائرة زحلة (7 نواب), ودائرة بعبدا-عاليه (11 نائباًَ), وعلى أمل أن تغير أصوات الشيعة معادلة بيروت باختراق ما في الدائرة الثانية (6 نواب). وهكذا يتحكّم الشيعة بنحو 60 مقعداً نيابياً. ويؤيد برّي في هذا المجال “حزب الله”.
عون وفرنجية
لا يلائم “قانون غازي كنعان”, أو تقسيم المحافظات العزيز على قلب برّي, العماد ميشال عون إلا بشرط واحد هو استمرار تحالفه مع “حزب الله”, وقبول حركة “أمل” بهذا التحالف. وهذا ليس بالأمر المؤكد. وقد ظهر التباين واضحاً في تصريحات كل من برّي وعون حول قانون 1960.
يفضل عون هذا القانون على سواه لأنه يقسم لبنان إلى 26 دائرة (القضاء – دائرة) وهو من جهة يعزل الناخبين المسيحيين عن الناخبين السنّة, ما عدا بعض الاستثناءات, وحيث ثمة اختلاط سنّي – مسيحي لا يستطيع عون الفوز ليس بفعل تأثير الصوت السنّي فقط, بل بفعل تراجع شعبيته في الوسط المسيحي عموماً, إذ سيواجه في أي دائرة مختلطة لائحة مشتركة لقوى 14 آذار تعتمد على أحداث السنّة والمسيحيين (جزء منهم ستحدد الانتخابات حجمه).
أما في الدوائر المختلطة مع الشيعة فإنه يستطيع ضمان أصوات “حزب الله” والفوز بالمقاعد النيابية حتى لو لم يمشِ برّي في هذا التحالف.
لطالما ردّد عون أن قانون العام 2000 كان ظالماً, وادعى أن قوى 14 آذار سرقت الأكثرية منه بتحالفها الرباعي (مع حزب الله وحركة أمل) ولكن لا يخفي رموز “التيار العوني” أنه إذا جرت الانتخابات حالياً في ظل القانون نفسه مع تبدل التحالفات وانتقال الشيعة إلى المقلب الانتخابي الآخر, فإن نتائج دائرة بعبدا – عاليه وحدها (حيث الضاحية الجنوبية) تنقل فوراً 10 نواب من قوى 14 آذار إلى قوى 8 آذار, فتصبح الأكثرية أقلية. لذا يعمل عون على لعبة “Win Win” فإما قانون 1960 حيث تتحسن فرص فوزه بالمقاعد, وإما الخلاف وبقاء “قانون غازي كنعان” ليستفيد منه بكل تأكيد.
بدوره يتهم زعيم “تيار المردة” الوزير السابق سليمان فرنجية قوى الأكثرية بأنها ترفض قانون 1960 لتحدث خلافاً فيبقى قانون العام 2000 الذي جعل منها أكثرية, وجعله يخسر هو شخصياً الانتخابات عام ,2005 والواقع أن هذا الاتهام مردود عليه لأن حليفه عون (ومن خلفه حزب الله) يريدان ذلك, غير آبهين بخسارته مجدداً في .2009 لذا فإن معارضة فرنجية شخصية خالصة, وهو الذي كان “نجم الشمال” و”زعيمه الكبير” أيام الوصاية السورية, وتحديداً بفضل قانون العام ,2000 الذي كان يؤمن له أحداث المسلمين الرازحين تحت البطش السوري, واليوم بغياب هذا البطش صار القانون إياه مرفوضاً من قبل فرنجية.
قانون 1960
يجمع المراقبون, ولا سيما الخبراء في القوانين الانتخابية أن اعتماد القضاء كدائرة انتخابية في العام 1960 كان ملائماً جداً لتلك المرحلة من جميع النواحي الجغرافية والسياسة والطائفية والديموغرافية. وقد وضع هذا القانون في عهد الرئيس فؤاد شهاب الذي أصرّ فور انتخابه على معالجة ذيول أحداث العام 1958 الدموية والتي كان أحد أسبابها القانون الانتخابي للعام 1957 (أيام الرئيس كميل شمعون) والذي أدى إلى سقوط رموز المعارضة آنذاك في الانتخابات بفعل تغيير عدد المقاعد النيابية وإيجاد تقسيمات إدارية لمصلحة شمعون وحلفائه.
أعاد قانون 1960 التوازن إلى الحياة السياسية اللبنانية واستمر سارياً في انتخابات 1964-1968-1972. لقد كان هذا القانون مقبولاً من جميع الطوائف اللبنانية, فمن خلال وجود 26 دائرة انتخابية كانت جميع الطوائف تستطيع أن تستأثر بتمثيل سياسي يعبر عن نزعاتها الأساسية في دائرة أو أكثر, بالنظر لتطابق هذه الدوائر مع تجمعات طائفية متوازنة, وكانت هذه الدوائر تسمح بالتالي لجميع القوى والتيارات الطائفية أن تعبر عن نفسها في مجلس النواب, بصرف النظر عن حجم هذا التمثيل (مثال على ذلك انتخابات 1968 حيث استطاع الحلف الثلاثي الماروني المعارض: كميل شمعون, ريمون إدّه, بيار الجميّل), أن يستأثر بتمثيل عدد أساسي من دوائر جبل لبنان ومن التمثيل المسيحي, وبالمقابل كانت الدوائر الأخرى تعطي لجميع الطوائف وغالباً لجميع الزعماء الأساسيين داخل الطائفة الواحدة حق التمثيل, ونشأت ثنائيات داخل الطوائف والمذاهب نفسها فأحدثت حالاً من الاستقرار السياسي الناتج عن شعور الجماعات الطائفية بالمشاركة, فلم يغب عن المجلس أقطاب الموارنة (كميل شمعون, ريمون إدّه, بيار الجميّل), ولا أقطاب السنّة (رشيد كرامي وصائب سلام), ولا الشيعة (أحمد الأسعد وصبري حمادة), ولا الدروز (كمال جنبلاط ومجيد أرسلان) ولا الكاثوليك (جوزيف سكاف وغيره…). عدا عن أن القانون أمّن دخول أحزاب إلى البرلمان… راجع “كتاب الجغرافية الانتخابية في لبنان”, (الصادر عن المؤسسة اللبنانية للسلم الأهلي الدائم بإشراف الدكتور أنطوان مسرّة عام 2002).
أما اليوم…
كان ذلك منذ حوالي الخمسين عاماً. وماذا عن اليوم? وما الذي تبدل?
يؤكد الخبراء أن الأحداث الكثيرة التي شهدها لبنان منذ نصف قرن وحتى اليوم بدّلت تماماً الجغرافية الانتخابية للبلد نتيجة للتغيير الديموغرافي الهائل بفعل الزمن بداية, والتغير الطبيعي للسكان وحركة انتقالهم, ناهيك عن الحروب المختلفة وخصوصاً الحرب الأهلية التي دامت 15 عاماً, وما سببته من تهجير ونزوح داخلي جعل أجزاء كبيرة من الطوائف تنتقل من محافظة إلى أخرى ومن قضاء إلى آخر, وغالباً ما كان المنتقلون قسراً ينقلون قيودهم إلى مناطق سكنهم الجديدة وهذا ما حصل لدى طوائف عدة.
وعلى سبيل المثال فإن المسيحيين في جنوب لبنان حيث الغالبية الشيعية بدأوا بالنزوح الداخلي إلى بيروت وجبل لبنان منذ أن بدأ العمل الفلسطيني المسلّح ضد إسرائيل أواخر الستينات من القرن الماضي انطلاقاً من قراهم الحدودية, ثم انتقل هذا العمل إلى أطراف لبنانية, وقد غاب الجيش اللبناني عن تلك المنطقة لحوالى عقود ولم يعد إليها إلا قبل عام ونيّف فقط, بفعل القرار 1701.
وفي المقابل نزح عشرات آلاف الشيعة من الجنوب أيضاً إلى بيروت وجبل لبنان (الضاحية الجنوبية) بقصد العمل, وأصبحوا جزءاً من سكانها الدائمين وبالتالي من ناخبيها. ومن الأمثلة على ذلك أيضاً تناقص أعداد السنّة في بعلبك في العقود الأخيرة وانتقالهم إلى مناطق أخرى في البقاع وخارجه بفعل هيمنة “حزب الله” على المدينة ومحيطها (منذ العام 1982).
أما الجانب الآخر من الخلل الديموغرافي فيتمثل في زيادة الكثافة السكانية الإسلامية (سنة وشيعة دون الدروز), مقابل تناقص الكثافة السكانية المسيحية والدرزية في جبل لبنان مثلاً. وإذا كان الأمر طبيعياً وغير مفتعل بحرب أو تهجير فإنه يفرض واقعاً ديموغرافياً لا بد من مراعاته في اعتماد أي تقسيم انتخابي, لا سيما أن المادة 24 من الدستور تنص على المناصفة في عدد النواب بين المسلمين والمسيحيين, فكيف يمكن إقامة هذه المناصفة فعلاً لا شكلاً, إذا تم اعتماد قانون يعود تاريخه إلى نصف قرن مضى?
لا عدالة
تنص المادة 24 من الدستور اللبناني على ما يلي: “يتألف مجلس النواب من نواب منتخبين يكون عددهم وكيفية انتخابهم وفاقاً للقوانين المرعية الإجراء. وإلى أن يضع مجلس النواب قانون انتخاب خارج القيد الطائفي, توزع المقاعد النيابية وفقاً للقواعد الآتية:
أ – بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين.
ب – نسبياً بين طوائف كل من الفئتين.
ج – نسبياً بين المناطق…
يحدد قانون الانتخاب دقائق تطبيق هذه المادة”.
والواقع أن قانون 1960 يخالف هذه المادة الدستورية بشروطها الثلاثة فهو يخالف البند (أ) لأنه يعطي للمسلمين أرجحية في اختيار النواب المسيحيين, ويخالف البند (ب) لأنه لا يساوي بين الطوائف داخل الفئتين, ويخالف البند (ج), لأنه لا يحقق العدالة بين المناطق. كيف?
تؤكد دراسة أجرتها مؤسسة “الدولية للمعلومات”, ونشرتها في مطبوعتها “الشهرية” أنه بالاستناد إلى أعداد الناخبين المسجلين في الانتخابات الأخيرة التي جرت عام ,2005 وفي حال اعتماد القضاء دائرة انتخابية وفقاً لقانون عام 1960، فإن عدداً من وجوه اللاعدالة واللامساواة سيقع على الشكل التالي:
أولاًَ: عدم عدالة القانون من حيث المساواة بين الناخبين لجهة عدد النواب الذين ينتخبونهم, إذ تبلغ النسبة الوطنية نائباً واحداً لكل 23 ألف ناخب (تقريباً), وتختلف من دائرة إلى أخرى. وهذه بعض الأمثلة: في جزين 17 ألف ناخب, الكورة 18 ألف ناخب, الشوف 20 ألف ناخب, بشرّي 22 ألف ناخب, جبيل 23 ألف ناخب, صيدا 25 ألف ناخب, البترون 27 ألف ناخب, قضاء طرابلس 29 ألف ناخب, صور 35 ألف ناخب, بنت جبيل 36 ألف ناخب.
ثانياً: عدم عدالة القانون من حيث المساواة بين الناخبين من الناحية الطائفية, بحيث يتساوى المسلمون والمسيحيون في عدد النواب (64 نائباً لكل فئة) في حين يفوق عدد الناخبين المسلمين عدد الناخبين المسيحيين. واستناداً إلى ذلك, وفي حال اعتماد المساواة يفترض أن يكون عدد النواب المسيحيين 52 نائباً مقابل 76 نائباً للمسلمين. أما إذا استندنا إلى أعداد المقترعين فتختلف النسب وزيد عدد النواب المسلمين ليصبح نحو 80 نائباً مقابل 48 للمسيحيين. وهو ما يؤدي في عدد من الدوائر إلى انتخاب نواب مسيحيين بأصوات ناخبين مسلمين.
وفي السياق نفسه يوجد خلل وعدم مساواة من حيث عدد النواب مقارنة مع عدد الناخبين لكل طائفة, إذ يوجد نائب واحد لكل من 19 ألف ناخب ماروني (تقريباً), و16 ألف ناخب أرثوذكسي, و19 ألف ناخب كاثوليكي, و18 ألف ناخب أرمني أرثوذكسي, و17 ألف ناخب إنجيلي, و20 ألف ناخب أرمني كاثوليكي, و29 ألف ناخب سنّي, و29 ألف ناخب شيعي, و21 ألف ناخب درزي (على سبيل المثال لا الحصر).
ثالثاً: عدم العدالة في توزيع المقاعد النيابية تبعاً للطوائف, ويعود هذا الأمر أساساً إلى المساواة في عدد المقاعد بين المسلمين والمسيحيين, في حين أن عدد الناخبين أكبر بكثير من عدد الناخبين المسيحيين. كما لا توجد عدالة أيضاً في التمثيل داخل الطائفة الواحدة, ومن الأمثلة على ذلك, عدم تمثيل نحو 10 ناخبين موارنة في دائرة الزهراني (الجنوب) بينما يتم تخصيص نحو مقعد ماروني لنحو 6 ناخبين في دائرة بيروت الثانية المقترحة (حسب قانون العام 1960), ومقعد ماروني أيضاً لنحو 5 ناخبين في طرابلس, ويحرم كذلك نحو 11 ناخباً مارونياً في الكورة من أي مقعد, ويحرم نحو 9 ناخبين أرثوذكس من التمثيل في دائرة البترون, بينما يخصص مقعد لنحو 10 من الناخبين الأرثوذكس في مرجعيون – حاصبيا.
رابعاً: بالنسبة لوضع بيروت, والتي يكثر عون من ذكرها كمثال على حرمان المسيحيين من تمثيلهم الصحيح, فإن الدراسة تؤكد أن قانون العام 1960 لا يؤمن العدالة والمساواة في العاصمة ذلك أنه يقسمها إلى ثلاث دوائر هي: الدائرة الأولى وتضم المزرعة والمصيطبة ورأس بيروت ودار المريسة وميناء الحصن والمرفأ, الدائرة الثانية وتضم الأشرفية, الدائرة الثالثة وتضم الباشورة وزقاق البلاط والصيفي والرميل والمدوّر.
واستناداً إلى هذا التقسيم ونسب الناخبين في كل دائرة فإن الناخب السنّي هو الذي يتحكم في اختيار النواب الستة في الدائرة الأولى, أما في الدائرة الثانية فإن النواب الأربعة يختارهم الصوت المسيحي, وفي الدائرة الثالثة فإن الصوت المسلم السنّي والشيعي هو الذي يختار نواب الدائرة وعددهم تسعة. وفي حال التوافق السنّي – الشيعي يصبح الصوت المسيحي عديم الفعالية.
خامساً: خلاصة هذه المعطيات بحسب الدراسة المقدمة من “الدولية للمعلومات”, إن اعتماد قانون عام 1960 لا يسمح للمسيحيين باختيار نوابهم جميعاً بل هناك أعداد يختارها بشكل تام أو يتحكم في اختيارها الناخب المسلم, وذلك وفقاً لأعداد الناخبين في كل دائرة. على الشكل التالي:
– في دائرة عاليه يحدد الناخبون المسلمون النواب المسيحيين الثلاثة خصوصاً في حالة التحالف الدرزي – الشيعي, أما في حالة الاختلاف فإن التحالف بين أحد الطرفين والطرف المسيحي الأكثري يلعب دوراً في اختيار النواب المسيحيين.
– في دائرة الشوف يحدد الناخبون المسلمون النواب المسيحيين الأربعة.
– في دائرة الزهراني يحدد الناخبون المسلمون النائب المسيحي.
– في دائرة مرجعيون – حاصبيا يحدد الناخبون المسلمون النائب المسيحي.
– في دائرة عكار يحدد الناخبون المسلمون النواب المسيحيين الثلاثة.
– في دائرة طرابلس يحدد الناخبون المسلمون النائبين المسيحيين.
– في دائرة بعلبك – الهرمل يحدد الناخبون المسلمون النائبين المسيحيين.
– في دائرة البقاع الغربي – راشيا يحدد الناخبون المسلمون النائبين المسيحيين.
وهكذا يختار الناخبون المسلمون 21 نائباً مسيحياً يضاف إليهم ستة نواب مسيحيين في بيروت في حين يختار الناخبون المسيحيون 3 نواب مسلمين (نائب شيعي في جبيل ونائب شيعي في زحلة ونائب سنّي في زحلة). وبالتالي يختار الناخبون المسلمون 88 نائباً بينما يختار الناخبون المسيحيون 42 نائباًَ فقط. لذا فإن قانون العام 1960 يعطل العملية الديمقراطية ولا يحقق تطلعات المسيحيين, كما يزعم عون وحليفه فرنجية.
وفي دراسة أخرى أعدّها الخبير يوسف شهيد الدويهي (النهار 6 مارس 2008) وضمنها لوائح بناخبي العام المقبل ,2009 مع التوقعات المحتملة لعدد المقترعين بناء على دراسات مفصلة تستند إلى آخر التجارب الانتخابية, خلص الباحث إلى أن تطبيق قانون 1960 في العام المقبل سيؤدي إلى أن يختار الناخبون المسلمون (سنّة وشيعة ودروز) أكثر من 88 نائباً من أصل 128، لا سيما وأن الناخبين المسيحيين حيث لهم الأرجحية في بعض الدوائر, منقسمون إلى عدة فرقاء سياسيين ما سيؤدي حتماً إلى شرذمة الصوت المسيحي وتكريس غلبة الصوت المسلم في معظم دوائر لبنان.