#adsense

الشعانين وقلق المسيحيين

حجم الخط

الشعانين وقلق المسيحيين

الأب ميشال سبع

 

عيد الشعانين الذي يقع الأحد ما قبل الفصح هو عيد العائلات المسيحية بامتياز حيث يصطحب الأهل أولادهم الى الكنيسة وهم يحملون الشموع الكبيرة والطويلة والمزينة ويلبسون الثياب الجديدة المميزة والمزركشة ليشاركوا في تطواف جماعي وهم يرددون ما أتى في الانجيل أن الشعب كان يقوله. والرواية في الانجيل تحكي قصة دخول المسيح الى أورشليم والذي أراده أن يكون دخولاً زعاماتياً بحيث طلب من تلاميذه أن يأتوه بحمار كي يمتطيه في دخوله المدينة، ويظهر أن الناس تفاعلوا بسرعة مع هذه الرغبة إذ خرجوا رجالاً ونساء وأطفالاً حاملين سعف النخيل ورموا أرديتهم أمامه وهم يهتفون: هوشعنا في الأعالي مبارك الآتي باسم الرب هوشعنا في الأعالي.


قصة الدخول هذه لها مدلولات انتربولوجية ولاهوتية ففي مدلولاتها الانتربولوجية أن القائد الروماني عندما كان يعود منتصراً من حروبه ويدخل المدينة مظفراً، كان يوضع على رأسه اكليل من الغار وهو رمز للخلود والانتصار والناس يحملون سعف النخيل رمزاً لتأكيد القوة الالهية التي دعمت هذا القائد لأن النخيل هو ذراع الله وقوته حيث ينبت في الصحراء والاعتقاد أن النخيل لا يخرج بقوة الأرض لأن الأرض قاحلة بل بقوة الله الذي يخرج من اللاحياة حياة. وكان الناس في استقبال القائد يحملون أطفالهم فوق أكتافهم للدلالة على أن حياة أولادهم في أمانة القائد الذي سيدافع عن حياتهم وحياة الأطفال هي استمرارية حياة المجتمع والناس. وكانوا يجرحون أيديهم ويمسحونها بأرديتهم ومن ثم يرمونها أمام حصان القائد للدلالة على أنهم جاهزون للسير في ركابه ومستعدون للموت في سبيل تحقيق الانتصار معه أي ما يعبر عنه اليوم بصراحة “بالروح بالدم نفديك يا قائدنا”.


أما في اللاهوت فالمسيح يدخل المدينة المقدسة كملك منتصر على الموت لأن دخوله هكذا هو المقدمة لموته على الصليب وقيامته المظفرة.


الناس في الشرق عموماً وفي لبنان خصوصاً حافظوا على هذه الطقوسية لكن ببعض المتغيرات بحيث لم يعودوا يستقبلون المسيح الذي يمثله الكاهن بل يسيرون خلفه، ويحملون أغصان الزيتون عوضاً عن أغصان النخيل لأن الزيتون أيضاً هو رمز الملوكية والخلود حيث كان الملوك يدهنون بزيت الزيتون والعادة المتبعة عند المسيحيين أن يمسح الطفل عند معموديته بزيت الزيتون المقدس واسمه الطقسي (الميرون).


لأنه يدخل في ملكوت المسيح بعد المعمودية، كذلك يدهن المريض قبل موته بالزيت المقدس للدلالة على الايمان أنه سيدخل أيضاً ملكوت المسيح بعد رحيله عن هذه الدنيا. والأهل إذ يحملون أولادهم على أكتافهم للتعبير أنهم سيورثون ايمانهم لأطفالهم وهو مستقبلهم الإيماني وقد استعاضوا عن رمي أرديتهم بالباس أولادهم الثياب الملونة أو البيضاء المزركشة للدلالة على الاحتفال الملوكي، أما الشمعة فهي رمز لحضور العزة الإلهية حيث جاء في الانجيل أن المسيح هو نور العالم وهو رمز قديم للإلوهة حيث كان الإله المعطي الحياة في مصر هو الإله رع إله الشمس.


وعيد الشعانين هو مناسبة تجمع الناس مع بعضهم بدءاً بها وانتهاء بيوم الصلب أي الخميس المقدس والدفن أي الجمعة العظيمة واليبت ليلاً حيث الهجمة واحد الفصح أي قيامة المسيح من بين الأموات. وقد لوحظ أن المهجرين المسيحيين أول ما جمعهم بعد التهجير والعودة إلى قراهم هو هذه المناسبات بين الشعانين والفصح للدلالة والتأكيد على إشهار مسيحيتهم وتعلقهم بإيمانياتهم.


المسيحيون اليوم في لبنان يريدون الاستمرار في الإعلان عن إيمانهم ويريدون تأكيد انتماء أولادهم لهذا الإيمان ويصرخون من أعماقهم لقائدهم الذي هو إلههم ولكنهم أيضاً يتساءلون عن أي مستقبل أرضي ووطني لهم ولأولادهم، إن إيمانهم بالمسيح ملك السماوات يترادف مع ايمانهم بلبنان أرضهم وأرض أجدادهم وآبائهم، وعندما قام الاستقلال تجسّد حضورهم من خلال رئيس جمهورية مسيحي يعبّر عن هذا الحضور، وفي هذا العام يعيشون فراغاً وضياعاً، ويتساءلون وهم يحملون أولادهم على أكتافهم أي مستقبل ينتظر أولادنا وكيف نعيش دون قائد يعبّر عنا، وهل سيكون مصيرنا مصير المسيحيين في بلاد الجوار حيث يجب أن يجاروا الحكام من أجل أن يسلموا أو يرضوا بأن يكونوا مواطنين من الدرجة الثانية يحتاجون إلى إذن وواسطة من أجل أن يبنوا كنيسة أو يقرعوا جرساً أو يعلقوا صليباً ـ هذا إذا سمح بهم بذلك ـ.


المسيحيون في لبنان عاشوا حرية ايمانهم وعبّروا عنه بفخر واعتزاز عبر العصور والأزمنة المتلاحقة وهم غير مستعدين أن يفقدوا هذه الحرية وهذا التعبير عنها، إنهم لا يجدون لوجودهم معنى وجدوى إن لم يستطيعوا أن يدقوا أجراسهم ويرفعوا شارات صليبهم لأن هذه رموز وإشارات لهذه الحرية، والرهان اليوم هو على المسلمين الذين تعايشوا معهم وتقاسموا الأفراح والأحزان، إما أن يعمل المسلمون على العمل مع المسيحيين من أجل إبقاء شعلتهم متأججة وحريتهم مصانة وصلبانهم مرفوعة وإما أن يساهموا في تعتيم الصورة على المسيحيين كي يرحل من لم يرحل منهم بعد. والسؤال يبقى، هل يعود لبنان لبنانياً إن رحل عنه المسيحيون؟ وهل تصبح الشعانين مجرد طقوسيات تفقد زعامتها.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل