#adsense

من صدام الثقافات الى تسوية تاريخية ?

حجم الخط

من صدام الثقافات الى تسوية تاريخية ? 
رفيق خوري

 

بيروت تشهد نوعاً من عودة الروح الى السياسة، وإن بقي السجال متقدماً على الحوار. قوى 14 آذار تقدم بعد ثلاث سنوات على انتفاضة الاستقلال (رؤية سياسية) ضمن وثيقة (لم تأتِ من فراغ). لكن التاريخ الذي تسجله يبدو أقصر من التاريخ الذي يستعيده التيار الوطني الحر بزعامة العماد ميشال عون لمسيرة 14 آذار عام .

 

1989 وقوى 8 آذار توحي أنها تستعد لصوغ وثيقة تحدد رؤيتها ومشروعها. والحزب الشيوعي الذي يرى حاجة البلد الى رؤية يسارية، يبادر، لا الى تجميع اليساريين في ندوة بل الى فتح نقاش لتجديد اليسار. وهناك بالطبع أكثر من تحرك على صعيد المجتمع المدني لإسماع صوته ولعب دوره من خارج الاستقطاب.


لكن الكل يعرف أن سياسات الأزمة لا تصنع سياسة وطنية بالمعنى الأصلي للسياسة: ادارة شؤون الناس. فلا حياة سياسية من دون دولة ومؤسسات. ولا شيء من حولنا، وسط الكلام الفخم لكل الأطراف على الدولة والسيادة والاستقلال والحرية، سوى التعطيل المنهجي للمؤسسات والانشغال بالصراع على السلطة عن بناء مشروع الدولة. لا بل التصرف على أساس أن الصراع على السلطة هو الوسيلة والغاية معاً.


والسؤال هو: الى أي حد يمكن أن نصل الى رؤية وطنية مشتركة من خلال الرؤى المختلفة? هل تصبح وثيقة 14 آذار محل حوار أم تبقى جزءاً من السجال الذي هو دون مستوى السياسة? وهل تمتد الأيدي الى العمل (معاً من أجل خلاص لبنان) أم تظل الأيدي التي يقول كل طرف أنه يمدها معلقة في الهواء?


ليس من السهل التوفيق بين الصورة الواقعية التي ترسمها وثيقة 14 آذار للمأزق اللبناني وبين التصور المفترض للخروج من المأزق. فالوثيقة تركز، من بين نقاط مهمة، على نقطتين: الأولى (ان الانقسام الحاد ليس من طبيعة طائفية، ولا سياسياً بالمعنى الضيق للكلمة، لأنه يتجاوز الخلاف على ادارة الدولة الى الخلاف على طبيعة الدولة ودورها). والثانية (ان أعمق ما في الخلاف هو البعد الثقافي، حيث تتواجه نظرتان مختلفتان الى العالم: ثقافة السلام والعيش معاً والوصل مع الآخر المختلف، وثقافة العنف والفصل واستبعاد الآخر وصولاً الى إلغائه أو استتباعه).


وهذا ما يعيدنا الى سؤال حائر: كيف نستطيع الوصول الى (تسوية تاريخية) حين تكون نقطة الانطلاق ما يمكن أن يسمى (صدام الثقافات)? وكيف اذا كان صدام الثقافات مفتوحاً على صدام مشاريع إقليمية ودولية، لا فقط على حساب النظام اللبناني بل أيضاً على حساب (النظام العربي الجديد) المطلوب (أن نلاقيه)?
الجواب صعب، إن لم يكن مخيفاً. وتلك هي المسألة. 

المصدر:
الأنوار

خبر عاجل