#adsense

التسرع والكيدية:من الدعوة إلى الوثيقة!

حجم الخط

التسرع والكيدية:من الدعوة إلى الوثيقة!

صلاح سلام


يبدو أن التسرّع والكيدية هما سمة المرحلة الراهنة في الحركة السياسية اللبنانية، التي وقعت في أسر التداخلات الخارجية، وعجزت في إخراج الوطن والشعب من دوامة أزمة أصبحت تشكل خطراً داهماً على الدولة والصيغة والكيان!·


التسرّع أحاط بتداعيات الدعوة السورية الملتبسة للبنان لحضور القمة العربية في دمشق، أما الكيدية فقد استقبلت مضمون وتوجهات الوثيقة السياسية المهمة التي أطلقتها قوى 14 آذار في احتفالها الحاشد بمجمع “بيال”·

 

فهل يستطيع الوطن الصغير وشعبه المغلوب على أمره، الخروج من دائرة العجز والشلل، والتصدي لمشاكله وجروحه وآلامه، إذا بقيت الإدارة السياسية الحالية تدور بين مطرقة التسرّع وسندان الكيدية؟·

 

الواقع أن الطريقة غير اللائقة التي اعتمدتها الشقيقة سوريا لتوجيه الدعوة إلى لبنان لحضور القمة العربية المقبلة، طرحت أكثر من علامة استفهام حول حقيقة الموقف السوري من مسألة حضور لبنان الرسمي ومشاركته الفاعلة في أعمال القمة العشرينية، بل وكشفت التوقيت الذي اعتمدته دمشق لتسليم الدعوة، خلال غياب رئيس الحكومة في مؤتمر دكار، والاكتفاء بالتعامل مع وزير الخارجية المستقيل، والمحسوب على المعارضة أصلاً، وعدم التعامل مع نائب رئيس الحكومة ووزير الدفاع الممارس لكامل مسؤولياته الدستورية عن رغبة سورية معروفة بعدم استقبال الرئيس فؤاد السنيورة في عاصمة الأمويين، بعدما تم استقباله بالمراسيم الرئاسية في داكار التي استضافت القمة الإسلامية الأخيرة·

لا داعي لتكرار مآخذ الأكثرية على الدعوة شكلاً وتوقيتاً ومضموناً، وما يهمنا هنا هي مسألة الحضور اللبناني في القمة العربية· لقد ارتكبت دمشق خطأ بالنسبة للأكثرية، في طريقة توجيه الدعوة، والتي اعتبرها البعض بمثابة خطيئة قومية كبيرة، فهل يصح أن يردّ لبنان بخطأ أكبر، أو حتى بخطيئة عربية أفدح، من خلال مواقف بعض قيادات الأكثرية التي سارعت إلى إطلاق الدعوات لمقاطعة القمة ورفض الحكومة الذهاب إلى دمشق، لأن الدعوة خرجت عن أصول اللياقات المتبعة بين الدول عامة، والأشقاء خاصة؟·

 

لا شك أن مسألة المشاركة في القمة، ومستوى التمثيل اللبناني في القمة يحتاج إلى نقاش هادئ ومعمّق على كل المستويات السياسية والرسمية، توصلاً إلى ما يحفظ كرامة الوطن، وما يحقق المصالح الوطنية العليا أولاً وأخيراً·

 

ولكن خطوة مقاطعة القمة تبقى بمنزلة القرار الوطني الكبير الذي لا يستطيع أي طرف، سواء في الموالاة أم في المعارضة، أن يدّعي لنفسه حق اتخاذه عن الآخرين، خاصة في لحظات الانفعال كالتي عاشتها قيادات في 14 آذار إثر صدمة الدعوة السورية الملتبسة·

 

من غير المستحسن أن ينفرد لبنان بقراره على المستوى السياسي أم الحكومي، بالنسبة للمشاركة في القمة أو مقاطعتها، لأن الموقف اللبناني لا بد أن يكون جزءاً من الموقف العربي الكبير الداعم حالياً للحكومة اللبنانية، وخاصة موقفي الرياض والقاهرة اللتين تمثلان بيضة الميزان في تحديد نجاحات أي تحرّك عربي في هذه الفترة·

 

ولم يكن مفيداً استباق نتائج المشاورات والاتصالات التي كان يجريها الرئيس فؤاد السنيورة مع القيادات العربية على هامش قمة داكار، لتنسيق المواقف حول استحقاقات المرحلة الراهنة وفي مقدمتها قمة دمشق سواء بالحضور بمستوى تمثيل معيّن، أم بالمقاطعة الكاملة، وذلك حتى يصار إلى عرض حصيلة المشاورات على القيادات السياسية في بيروت، واتخاذ القرار المناسب في مجلس الوزراء·

 

وفي هذا الإطار بالذات لا بد من القول إن الدعوة الأميركية لمقاطعة القمة العربية في دمشق بحجة الرد على دورها في تعطيل الانتخابات الرئاسية، لم تنزل برداً وسلاماً على قلوب اللبنانيين الذين يدفعون من دمائهم ومن استقرارهم الثمن غالياً لأخطاء السياسة الأميركية في المنطقة بدءاً من الانحياز الأعمى للعدو الصهيوني، ووصولاً إلى الحربين الفاشلتين في كل من أفغانستان والعراق، واللذين أخرجا المارد الإيراني من قمقمه من جهة، وأديا إلى خلق البيئة المناسبة لنمو موجات العنف والتطرف الأعمى في المنطقة من جهة ثانية!·

 

أما الكيدية، فيبدو أنها أصبحت، وللأسف، السمة الملازمة لمواقف وتصرفات قيادات المعارضة، منذ انفرط عقد طاولة الحوار الوطني إثر حرب تموز 2006!·

 

ولقد برزت الكيدية أولاً في هذا الإصرار غير المبرّر لاستمرار احتلال وسط العاصمة رغم كل ما يسببه من تعطيل وضرر ليس لمصالح الناس وحسب، بل وأيضاً للاقتصاد الوطني، ثم تجلّت في المفاوضات التي قادها الوسيط العربي عمرو موسى لتنفيذ بنود المبادرة العربية، والتي كشفت حجم كيدية التعطيل الموجودة عند ممثل المعارضة في المفاوضات وها هي الكيدية عينها تستقبل بنود الوثيقة السياسية التي أذاعتها قوى 14 آذار·

 

لم يكن مطلوباً، بالطبع، من قوى 8 آذار أن تتبنى ما جاء في وثيقة 14 آذار، ولا أن يبصم قادتها على ما ورد من مواقف ومنطلقات بقدر ما كان مأمولاً من قيادات المعارضة، وبينهم من نجلّ ونحترم، أن تناقش الوثيقة بأسلوب هادئ، وبروح تجسّد الانفتاح والاعتراف بالآخر، وبلهجة سياسية ترتفع إلى مستوى الخطاب الوطني المطلوب، والقادر على إعادة فتح أبواب الحوار من جديد·

 

لا تستطيع المعارضة، مهما بلغ غلوّها، أن تستمر بتجاهل اليد الممدودة من الأكثرية للحوار والتعاون لبناء الدولة القوية والعادلة والقادرة، ولا أن تقفز فوق الدعوات المتكررة من قيادات الموالاة للعمل معاً في اطار شراكة حقيقية على قواعد ديمقراطية سليمة، لتعزيز السلم الأهلي واستعادة الاستقرار والازدهار·

 

لا يجوز للمعارضة، وخاصة حزب الله، وهو الطرف المعني مباشرة، أن تشكك بصدق وأهمية ما ورد في الوثيقة من ربط بين حماية الاستقلال والمقاومة من خلال إعادة الاعتبار إلى فكرة المقاومة التي هي حق للشعب اللبناني يمارسه في الدفاع عن وجوده وأرضه وحريته، والمقاومة هي أقوى في مواجهتها الخطر الخارجي – لاحظ هنا الخطر الخارجي وليس فقط الاحتلال الصهيوني – إذا كان المجتمع موحداً والدولة فاعلة والجيش قوياً والاقتصاد ناشطاً·

 

وتخال نفسك تقرأ في أدبيات حزب الله عندما تصل إلى العبارة التالية: “إن الهدف النهائي للمقاومة هو بناء الدولة الحرة، السيدة، هذا هو الإنجاز الذي يحدد نجاحها أو فشلها”!·

 

أما ما ورد في الوثيقة حول توفير الظروف العربية المؤاتية لضمان الاستقلال من خلال طي صفحة الماضي مع سوريا وتطبيع العلاقات معها··· بما يمكن من اجتراح تسوية تاريخية تسمح بصوغ مشروع مشترك يجعل من البلدين محور تجديد في العالم العربي··· فيستحق أكثر من ردود كيدية تقف عند النصف الفارغ من الكوب لتنكأ الجراح، وتضع العراقيل أمام أية مصالحة حقيقية بين البلدين الشقيقين والجارين!·

 

اللحظة التاريخية الحاسمة تفرض التخلّي عن التسرّع والكيدية، وتتطلب التمسك بالحكمة والشجاعة لسلوك دروب الحوار والإنقاذ··· قبل فوات الأوان!·

المصدر:
اللواء

خبر عاجل