#adsense

العيش في “حالة حرب” دائمة: لبنان نموذجاً

حجم الخط

العيش في “حالة حرب” دائمة: لبنان نموذجاً

محمد مشموشي

 

لا معنى لوقوف اللبنانيين بالآلاف أمام مكاتب الأمن العام طلباً لجوازات سفر، أو على أبواب السفارات سعياً وراء تأشيرة دخول، أو لدى أصحاب الشقق في مناطق يعتبرونها أكثر أمناً من مناطقهم بهدف استئجارها، سوى أنهم (عملياً، شعب لبنان كله) لا يشعرون بالأمان، أو أنهم يعيشون “حالة حرب” دائمة، نفسياً وعائلياً واجتماعياً، وأن هذه الحرب ان لم تكن ناشبة الآن فهي آتية لا محالة غداً أو في يوم ليس ببعيد.


ولا علاقة لهذه الحالة بوضع مستجد، مثل اغتيال الشهيد عماد مغنية واحتمال الثأر لاغتياله، أو تهديد العدو الاسرائيلي بشن حرب شاملة رداً على أية عملية ثأرية، بل هي “حالة حرب” عامة ومستديمة يولدها خطاب سياسي تعبوي، وعمل يومي على الأرض، تحت عناوين كثيرة ومتنوعة … من “الحرب المفتوحة” على اللبنانيين منذ العام 1948، الى “القدر المكتوب” عليهم (من دون غيرهم من العرب ؟!)، الى “العدوانية الكيانية” لدى هذا العدو، الى أخيراً “الوعد الالهي بالنصر”.
مثل هذا الشعب، في مثل هذه الحالة، لا مثيل معروفاً له في تاريخ المنطقة الحديث، وربما في تاريخ العالم كله، الا الشعب الاسرائيلي الذي يجب أن يقال إنه يملك سبباً جوهرياً لخوفه المقيم من الغد، وحتى لعسكرته وعسكرة نظامه حتى قيل حقا إن اسرائيل هي مجرد جيش له دولة. هذا السبب هو كونه من جهة، وادراكه العميق من جهة ثانية، أنه مغتصب للأرض ومزروع فيها بالقوة المسلحة، وشعوره من جهة ثالثة أن مصيره في نهاية المطاف انما يعتمد على بقائه على سلاحه واستمرار تفوقه العسكري .. وليس هذا حال الشعب اللبناني قطعاً.


أكثر من ذلك، فـ “الحرب المفتوحة” منذ ستين عاماً، و”العدوانية الكيانية” لاسرائيل، ليستا قاصرتين على الشعب اللبناني ولا على أرضهم وكيانهم ومستقبلهم، وانما هما حالتان عربيتان بالمعنى القومي (من النيل الى الفرات، أرضك يا اسرائيل) وحتى حالتان اقليميتان اذا نظر اليهما من زاوية علاقات القوى الاقليمية والدولية في المنطقة .. وقطعاً فليس التصدي للحالتين أو الوقوف في وجههما مسؤولية الشعب اللبناني وحده.


لكن ذلك يبقى، في كل حال، جانباً واحداً من الصورة المرسومة حالياً للبنان. الجانب الآخر هو أن شعب هذا البلد حمل على امتداد الأعوام الثلاثين الماضية، ووحده من دون غيره من العرب في ما عدا الفلسطينيين، عبء النضال من أجل استعادة الحقوق الفلسطينية المغتصبة بما في ذلك استعادة تحرير أراضيه التي وقعت تحت الاحتلال بسبب هذا النضال. وحكاية مزارع شبعا، والحاجة الى تحريرها، وكونها لبنانية كلها أو بعضها، لم تعد خافية على أحد من اللبنانيين أو حتى من العرب.


والجانب الآخر كذلك، أنه على خلفية الصورة المرسومة ذاتها تعرض لبنان كله، من أقصاه الى أقصاه، كما تعرض شعبه بمختلف فئاته ومناطقه ومدنه وقراه، الى عدوان اسرائيلي مدمر صيف العام 2006 لم يبرأ من جراحه البشرية والاقتصادية والمالية البليغة للآن، وأن أزمته السياسية المستمرة منذ أكثر من عامين هي، في شكل أو أخر، وليدة “الآثار” السياسية لهذا العدوان ان لجهة ما انتهى اليه من فشل في تحقيق أهدافه في ضرب المقاومة أو لجهة الشعور المبالغ فيه (وللأسف) بالنصر الكامل في مواجهته.


هل يمكن لشعب في العالم كله، فضلاً عن الشعب اللبناني بما هو عليه وما هو عليه بلده أصلاً بازاء “الحرب المفتوحة” و”العدوانية الكيانية” لاسرائيل، بحسب التوصيف المعلن لهما، أن يعيش في “حالة حرب” مستدامة … في أتون هذه الحرب وويلاتها، أو استعداداً لها، أو ربما حتى استدعاء لها كما يبدو الخطاب السياسي التعبوي في بعض الحالات ؟! .

 
بل هل يستطيع شعب، ضئيل العدد وضعيف القدرات المادية (وواهن بطبيعة تركيبته الطائفية والمذهبية، وتالياً السياسية)، أن يقف وحده في مواجهة جيش يعترف الصديق قبل العدو بأنه أقوى جيش في المنطقة؟!، والى متى؟! وحتى لماذا، في الوقت الذي تعاني الجبهات العربية الأخرى (.. ولنتجاهل الجبهات الاسلامية هنا) سباتاً عميقاً، ومستداماً أيضا، منذ عقود عديدة من الزمن؟!.


وأية صورة لقيادات، وأحزاب، وحكام، وساسة، ورعاة، ومدعي رعاية هذا الشعب ترتسم لهم تالياً في أذهان ولدى قادة وشعوب العالم الخارجي، بينما لا يرى هؤلاء في من يضع نفسه في “حالة حرب” ويشهر سلاحاً في وجه الغير من دون أن تكون لهذا السلاح قضية محقة مجرد شخص “مافيوي” أو “ارهابي”؟!.
***
من نافل القول، في ظل ما يعيشه اللبنانيون على اختلاف مواقفهم ومواقعهم من “حالة حرب” في هذه الأيام، أن السؤال المطروح بالحاح لدى كل واحد منهم هو: الى أين من هنا؟!. الى أين الهجرة المؤقتة الآن، والدائمة غداً، ولكن الى أين البلد والهوية والانتماء الآن وغدا وبعده وعلى مر الأيام أيضاً؟!.


واذا كان اللبنانيون، كل اللبنانيين، لا يجادلون في “العدوانية الكيانية” لاسرائيل ليس بازائهم فقط، وانما بازاء الشعوب العربية والاسلامية جمعاء، فلا شك في أنهم يطرحون ما لا يحصى من علامات الاستفهام حول كونهم “المطالبين” وحدهم بالبقاء وأصابعهم على الزناد، أو حول ما يقال، همساً حيناً وعلناً حيناً آخر، عن “القدر المكتوب” لهم كأناس يعيشون في هذا الجزء من المنطقة ومن العالم.


أكثر من ذلك، فاذا كان حال اللبنانيين في هذه المرحلة من حياتهم، وسواء كانت الحرب أمراً واقعاً حتما أم لا، هي حال من يجهل تماماً غد بلده السياسي وغد أبنائه في وطن موحد، أو في فوضى شاملة، اذ تصبح علامات الاستفهام الكبيرة هذه علامات تعجب بكل ما يحمله التعجب من معان ودلالات.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل