#adsense

قاعدة “عدوّ عدوّي صديقي” متقادمة وغير صالحة

حجم الخط

وثيقةُ 14 آذار تحدّد العلاقة بين إسرائيل “العدوّ”
وإيران “غير الصديق” في إطار التواطؤ على الهوية العربية

قاعدة “عدوّ عدوّي صديقي” متقادمة وغير صالحة
نصير الأسعد

 

في مقاربة موقعها اللبناني ـ العربي، قدّمت 14 آذار في وثيقتها الأخيرة فكراً جديداً “يكسر” العديد من القوالب السابقة.
ثمة “قاعدة” كانت معتمدة خلال عقود ومفادها أن إسرائيل عدوّ للعرب وأن كل من يعادي إسرائيل هو صديق للعرب على أساس “عدوّ عدوّي هو صديقي”. فجاءت وثيقة 14 آذار تتحدّث عن “تواطؤ” بين إسرائيل العدوّ وإيران في مواجهة العرب وعن “خصومة” بينهما لجهة تحديد مناطق النفوذ والسيطرة. فهل في ذلك افتئات على الواقع و”الحقيقة”؟

الأسباب التاريخية من جهة والراهنة ـ الدائمة من جهة أخرى التي تجعل من إسرائيل عدواً للبنان وفلسطين والعرب، معروفة ومكرّسة وليس من داعٍ لاستحضارها. لكن لماذا لا تعتبر 14 آذار إيران “صديقاً”؟


“الإسلام” هوية بديلة


لا حاجة هنا الى لفت النظر الى أن إيران أقدمت خلال السنوات الطويلة الماضية على إحلال هوية محلّ هوية أخرى. فباسم “الإسلام” تمّ إسقاط الهويات الوطنية والهوية القومية. وعلى سبيل المثال، لم تعُد القضية الفلسطينية قضية وطنية للشعب الفلسطيني وقضية عربية لكل العرب، بل غدت قضية إسلامية. وعلى سبيل المثال أيضاً، صار تعريف حركات المقاومة في فلسطين ولبنان يتمّ بالاستناد الى الهوية الإسلامية لا الهوية الوطنية، أي الهوية الدينية بدلاً من الهوية الوطنية.


يمكن لقائل أن يقول إن هذا شأن إيديولوجي، وهذا صحيح. لكن من قال إن إيديولوجيا أي جهة لا تُحاسب بالعلاقة مع “نتائجها” على أرض الواقع، وبالصلة مع التغييرات التي تحدثها على صعيد الهويات “الأوسع”؟ ومن قال أصلاً إن لـ”الإسلام” ترجمة انشقاقية عن الهويتين الوطنية والقومية؟


إيران واستضعاف الوضع العربي
في لبنان وفي فلسطين، أدّت الترجمة الإيرانية الى إنشقاقين عن شرعيّتين وطنيّتين. بيدَ أن هذين الإنشقاقَين لا يلخّصان “النتائج”.


فإيران تقود اختراقات كبيرة في الوضع العربي. وتتدخّل في شؤون دول عربية. وتنظّم داخل عدد من الدول حالات مذهبيّة متصادمة مع دولها. وفي حالات معيّنة تقيم علاقات مزدوجة من دولة الى دولة في موازاة العلاقة بمجموعات داخل دولة معيّنة. وفي حالات أخرى لا تقيم علاقة مع الدولة بل مع مجموعات داخلها.


“تستغلّ” إيران الصراع العربي ـ الإسرائيلي وتسعى الى اختطاف جبهاته العربية. وتعزّز هذا التوجه بنوع من “الغزو” لعدد من الدول. وفي جميع الأحوال تمارس سياسة استضعاف للوضع العربي. وتستخدم ذلك كلّه لتعزيز نفوذها الإقليمي على حساب العرب. والمفارقة في كل ما يحصل أن “إيران الإيديولوجية” لا تقيم حساباً للإيديولوجيا حيث تقتضي مصلحتها ذلك. فهي كانت “ضمناً” مرحّبة بالحرب الأميركية في العراق بل عملت تحت الاحتلال الأميركي على تعزيز وجودها ونفوذها في هذا البلد العربي.


هذه المقدّمات “المختصرة” تكفي للقول أن إيران الساعية الى تشكيل قوة إقليمية نافذة، لا تحمل فقط مشروعاً لتطوير قدرتها النووية، بل تحمل مشروعاً للتمدّد والنفوذ في المنطقة العربية وعلى حسابها. والهوية العربية هي الضحيّة.
الانقضاض على العرب بعد الحرب الباردة


منذ نهاية الحرب الباردة مطلع التسعينات من القرن الماضي، واجهت المنطقة العربية مشروعَين لـ”الإطباق” عليها. مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الإسرائيلي ـ والأميركي ـ ثم مشروع “الشرق الأوسط الإسلامي” الإيراني. “يتصارع” المشروعان منذ سنوات لكنهما يلتقيان على إنهاء “العالم العربي”. يتصارعان “على” المنطقة العربية وعلى نفوذ كل منهما فيها.


لو كانت إيران صديقة


إسرائيل عدوّ مكرّس. فهل يمكن في ظلّ المعطيات المختصرة الآنفة اعتبار إيران صديقة؟
وثيقة 14 آذار أعطت جوابها عن هذا السؤال، وهو أن إيران “الحالية” ليست صديقةً للبنان والعرب. من واجب إيران كي تكون صديقة أن تدعم العرب لا أن تستضعفهم. ومن واجبها أن تحترم خياراتهم وتساندها. ومن واجبها أن تحترم كيانات المنطقة لا أن تعبث بها. ومن واجبها أن تحترم الشرعيّات الوطنية في كل بلد. ومن واجبها أن تتصرّف كـ”دولة”. من حقّها أن تقترح، لكن من واجبها ألاّ تحلّ مكان العرب في أقطارهم. فكيف تكون صديقةً وهي تتفّق مع إسرائيل على استضعاف العرب؟ وكيف تكون صديقةً، وقد عاد “النزاع” المذهبيّ الإسلامي ـ الإسلامي “المطفأ” منذ قرون الى الظهور مجدداً بسبب سياساتها؟


14 آذار: لبنان مدخل استعادة “قرار العرب للعرب”
إذاً ثمّة صراع إيراني ـ إسرائيلي “على” المنطقة العربيّة. وهذا وجه “الخصومة” بين إيران وإسرائيل الذي تحدّده وثيقة 14 آذار. أمّا وجه “التواطؤ” فيتعلق بـ”المآل الأخير” للصراع. وبكلام آخر، إنّ الصراع الإيرانيّ ـ الإسرائيليّ المفتوح على مواجهات و”حروب”، مفتوح على “تفاوض” في نهاية المطاف، إذ لا يخفى أنّ إيران تتطلع على قاعدة ما تراكمه من نفوذ الى التفاوض مع الولايات المتحدة الأميركيّة… وإسرائيل. وفي الحالتين، الحرب والتفاوض، تدفع المنطقة العربيّة والهويّة العربيّة الثمن، ويدفع الصراع العربيّ ـ الإسرائيليّ الثمن إذ يدخُل الصراع الإيرانيّ ـ الإسرائيلي على الخط ليقوّض صراع العرب مع إسرائيل وقضيته المركزيّة فلسطين.


بإبرازها ثنائيّة الخصومة ـ التواطؤ بين إسرائيل وإيران، لم تقم 14 آذار فقط بـ”تظهير” الواقع، ولم تكتفِ بتأكيد إنتمائها الى الهويّة العربيّة التي تتعرّض لمحاولة إلغاء من جانب “قوميّتين” ودولتين دينيتين، بل هي في حقيقة الأمر تطرحُ “ترميم” الوضع العربيّ وتقدّم مساهمتها في ذلك. فـ”القضيّة اللبنانيّة” لم تُبرز فقط التواطؤ على الاستقلال اللبنانيّ سواء في إطار التواطؤ “العام” بين إيران وإسرائيل أو بينَ النظام السوريّ وإسرائيل، بل أبرزت كم أن بلداً عربيّاً هو لبنان مستهدف بهويّتيه اللبنانيّة والعربيّة، وكم أنّ الوضع العربيّ مستهدفٌ إنطلاقاً من لبنان وفلسطين، وكم أنّ الحاجة ماسّة الى إعادة بلورة نظام المصلحة العربيّة وإستراتيجيّته، كي يعود “قرار العرب للعرب” من جديد.


حرجُ “حزب الله”


في وثيقتها، قدمت 14 آذار نفسها بوصفها حركة لبنانيّة ـ عربيّة. ودعَت الى الإنتساب الى مشروع لبنانيّ ـ عربيّ.
وأن يكون “حزب الله” وجَدَ في الوثيقة “بطاقة إنتساب الى المشروع الأميركيّ” (!) فذلك مدعاة للعجب إذ يخبر”نا” انّ المشروع الأميركيّ يقوم على ركيزتين إسرائيلية وإيرانية. لكن ردّ فعل الحزب يكشف كم أن وثيقة 14 آذار، لا سيّما في هذا الجانب، محرجة له بل “موجعة”، إذ تكشف دوره في إطار المشروع الإيرانيّ.


لم يكن ممكناً لصياغة الوثيقة أن تكون أقلّ وضوحاً في تحديد الخلاف مع “حزب الله”، كي لا يمضي في تمويه حقيقة هذا الخلاف.


لكن من الواضح أن “قاعدة عدوّ عدوّي صديقي” لم تعد صالحة

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل