#adsense

مد اليد

حجم الخط

مد اليد

علي حماده

 

رغم كل الظواهر المعاكسة ازعم ان اثر السياسة السورية الراهنة يبقى محدودا، وان ظاهرة ميشال عون مجرد تفصيل صغير اذا ما اخذنا في الاعتبار الاثر البالغ الخطورة ومصدره “حزب ولاية الفقيه” بما يمثل من مشروع قد ينتهي بلبنان الى الانفجار الواسع. فليس من احد يمكنه ان يصدق مزاعم قادة الحزب أنهم لن يوجهوا سلاحهم الى الداخل، لانهم يوجهونه اليه بالفعل ومنذ زمن بعيد. وما من احد يأخذ مواقف عون بـ”اناه” على انها المشكلة الحقيقية العالقة في البلاد، وان يكن النائب ميشال المر محقا في نقطة محددة هي اشارته المبطنة اكثر من مرة الى ما يعتبره “جُبْنٍ” نواب موارنة ومسيحيين من تكتل عون يعرف القاصي والداني انهم لا يشاطرون رئيسهم الرأي على وجه الخصوص في المسألة الرئاسية، ويدركون ان هذا الموقف لا يؤدي إلا الى التعجيل في وتيرة اضمحلال الواقع المسيحي في لبنان قبلة مسيحيي الشرق بكل المقاييس. فعون اضعف واخف وزنا بما لا يقاس من ان يقود خيارات “حزب ولاية الفقيه” الذي يمثل تحديا ثقافيا قيميا لم يسبق للبنان ان واجهه.


ففي حين يمثل جمهور “التيار الوطني الحر”، رغم كل شيء، جزءاً لا يتجزأ من النسيج اللبناني بمخزونه الثقافي والتاريخي ونمط حياته، فإن “حزب ولاية الفقيه” الذي لا يختصر ولن يختصر في أي حال الشيعة في لبنان، يمثل نهجا يفترق في شكل حاد جداً عن اللبنانية، وهو لم ينفك منذ نشأته يعمل بعمق ومنهجية مخيفة في الوسط الشيعي محاولا نسف نمط حياتها الاساس لخلق مجتمع بديل هدفه تحويل مئات الآلاف “روبوتات” مقاتلة تعيش على هامش الحياة اللبنانية المشتركة، فلا يؤثر فيها ضرر وطني مشترك، ولا يغريها وعد بازدهار مشترك. من هنا (على سبيل المثال) هذا الاحساس باللامبالاة وصولا الى الرضا العميق من حال وسط بيروت الذي يمثل نقطة تقاطع بين اللبنانيين من دون تمييز. ومن هنا عدم الشعور بأي خسارة في ما يخص المسألة الاقتصادية والفرص الذهبية الضائعة في زمن الفورة النفطية “الفلكية” الراهنة. فافتقار اللبنانيين بالنسبة اليه تفصيل، وهجرة مئات آلاف الشبان والشابات من خريجي الجامعات تفاهة، وهرب رؤوس الاموال والاستثمارات العربية واحجام السياح العرب مفخرة، الى ما هنالك من مظاهر تثبت يوما بعد يوم كم ان التحدي كبير وخطير، ولا يجوز التفكير فيه وفق القواعد التقليدية التي اعتمدت الى اليوم في الحياة السياسية المحلية.


نعم ان سلوك النظام في سوريا حيال لبنان قام ويقوم على الترهيب والعنف والقتل والترويع. ولا يختلف اثنان (بمن فيهم ميشال عون في قرارة نفسه) على ان هذا النظام قد اغتال رفيق الحريري واكمل على بقية الشهداء. كما لا يشك احد في العالم بأن دمشق لن تترك لبنان لحاله وسيبقى خيار تقويض الاستقلال والسيادة في بلاد الارز الخيار الاستراتيجي الاول والدائم. ولكن ما كان سلوك السوريين ليكون مؤذيا في هذا الشكل لولا العلة الكامنة في الواقع الداخلي التي تتعاظم يوما بعد يوم.


ان الحقيقة اللبنانية مُرّة. ولا يجوز ان يبقى الاستقلاليون او بعضهم، غافلين عن المشكلة الاساس. فلا مناص من التفكير بعمق في تلك الحقيقة، قبل ان يدهمنا التحدي ويدهم ما تبقى من اسس الكيان اللبناني مطيحاً البقية الباقية من منعته على مستوى النظام ونمط الحياة الفريد في هذا الشرق.


وفي الانتظار امامنا كإستقلاليين مهمة عاجلة تقضي بمد اليد الى الحالة الشيعية اللبنانية المقاوِمة لمشروع تعرف هي قبل غيرها انه هو تحديدا ما “يحرق الاخضر واليابس” في لبنان، وانه لا يمكن إلا ان يأخذ الطائفة من حرب الى حرب، والبلاد من نكبة الى نكبة !

المصدر:
النهار

خبر عاجل