#adsense

كل التضامن مع بول شاوول

حجم الخط

كل التضامن مع بول شاوول
الشاعر هو الأقوى أيها الجنرال

عبده وازن 

 

منذ أن أُعلن ترشيح قائد الجيش الى منصب رئاسة الجمهورية، اعتكر مزاج الجنرال وأصبح “خلقه” ضيّقاً، كما يقال بالعامية، أو هو بالأحرى ازداد ضيقاً عمّا كان في السابق. فالجنرال الذي منع الصحف من العبور الى المنطقة “الشرقية” عندما كان “يحتل” القصر الجمهوري – بحسب ما كان يقول أصدقاء الجنرال اليوم – لم يعد يتحمّل أيّ نقد أو نقاش لـ”أفكاره”. تجلّت “عصبيته” كثيراً في الآونة الأخيرة أمام كاميرات التلفزيون، فما عاد يتمالك عن “نهر” الصحافيين الذين يجرؤون على طرح أسئلة لا تعجبه ولا ترضي كبرياءه. وفي أحيان، يتمادى في “نرفزته” حتى ليهين الصحافي الذي يحشره في “بيت الياك”، كما يقال بالعامية أيضاً.


وإن كان منع الصحفَ في أوج “سلطته” الجمهورية لأسباب شخصية أولها “اللقب” الذي سعى الى فرضه على الصحافة، فهو اليوم يتوتر وينفعل ويستشيط غضباً أمام أيّ سؤال يحرجه أو يذكّره بما لا يريد أن يتذكّره. الجنرال بات يتناسى كثيراً، وكأنه يريدنا أن نكون بلا ذاكرة، وأن نزوّر الوقائع والتواريخ الموثّقة في الصحف.


هكذا لم يحتمل الجنرال مقالات الشاعر، الشاعر بول شاوول، وضاق ذرعاً بها. وبما أن لا سلطة لديه لكمّ الأفواه كما يحلم، فهو رفع دعوى ضدّه بغية محاكمته قضائياً.


الجنرال يحاكم الشاعر لأنه غير قادر على إسكاته، ولا على مناقشته، أو الردّ عليه. الجنرال متوتر، بل في حال من التوتر الدائم. حلمه في أن يصبح رئيساً، وقد راوده طويلاً ودفعه الى التنازل عن مبادئه، بات على شفير الهاوية. الأمل ضئيل مع أن “الجهبذ” وئام وهّاب طمأنه وطمأننا في أن الجنرال سيصبح رئيساً للجمهورية في السنة المقبلة. طبعاً، طمأنة مثل هذه، برّدت قلب الجنرال قليلاً وأثلجت صدره. وئام وهّاب لا يخطئ، حدسه صحيح، ومرجعيته أصحّ. هذا ما راود الجنرال بعدما بلغته تلك “الطمأنة” منطوقةً بلهجة واثقة لا تخلو من الوعيد… وأصلاً، هذا ما دأب عليه صاحب الوجه المنفوخ كالرغيف، مهدِّداً متغطرساً ومجعجعاً…


الجنرال يقاضي الشاعر، غير مدرك ان الشاعر الذي يقاضيه، صاحب تجربة سياسية وطنية حقيقية. لا يعلم الجنرال أن الشاعر بول شاوول واجه من قبل، وحيداً بلا حزب ولا طائفة ولا جماعة، سلطة الميليشيات التي عبرت على اختلاف ألوانها. ولم يرهبه الإرهاب يوماً، الإرهاب المضمر والمعلن، هو العلماني الحرّ الذي هُجِّر واغترب في قلب بيروت. كان بول شاوول عنيفاً في مواجهة الطائفية والطائفيين، وكنا نخاف عليه في أحيان من شدّة لذاعة قلمه. ما كتبه ضد إسرائيل والاحتلال الاسرائيلي كان جريئاً جداً. ولم تسلم الجماعات الأصولية من قلمه، ولا الرجعيات الحديثة، ولا الأفكار الظلامية. وكم كتب مادحاً المقاومة والمقاومين عندما كان الجنرال ينكرهم داعياً الى عقد اتفاق سلام مع إسرائيل.


لم يقرأ الجنرالُ الشاعرَ بول شاوول. أقصد مقالاته لا دواوينه الشعرية. فهو لو قرأها لعرف أيَّ كاتب يواجه. الجنرال أصلاً، يميل الى الزجل، على ما بدا ويبدو، وقد صدّق “أكذوبة” سعيد عقل عندما وصفه بأنه الأمير فخر الدين. كبر رأسه منذ ذاك الحين، وتحوّل خطيباً جهورياً… لكن “الأكذوبة” سرعان ما فضحت حين فرّ الجنرال من القصر تاركاً الأبطال الحقيقيين يموتون في القصف السوري.


لن أذكّر الجنرال بذلك الماضي، فهو لا يحبّ أن يتذكّر. يحبّ الجنرال أن ينسى وأن يتناسى، مثله مثل أيّ ديكتاتور. اليوم ليس الأمس، والأمس ليس قبله، والأخطاء تتراكم، وكذلك الأوهام والفضائح. اليومَ، لا يهمّ الجنرال إلاّ ان يصبح رئيساً. وقد قالها مرّاتٍ ومرّات. وفي نظره أن لا أحد سواه يستحق هذا المنصب. إنها شهوة الكرسيّ، شهوة العظمة، شهوة السلطة. وأياً يكن الثمن، فهو على استعداد أن يضحّي. ولا ننسى تينك الرسالتين الفضائحيتين اللتين بعثهما الى حافظ الأسد مقدِّماً “خدماته” كرمى عين الرئاسة.


كان الجنرال، مثله مثل أيّ ديكتاتور، يدمن الوقوف أمام المرآة منتشياً متخيّلاً نفسه رئيساً للجمهورية، “يظبّط” عقدة الكرافات ويبتسم محدِّثاً نفسه، مادحاً إياها. لكنه انقطع فترةً عن المرآة عندما أطلّ قائد الجيش مرشحاً قوياً للرئاسة. كانت تلك ساعة لعينة. لكن الجنرال عاد الى مرآته أخيراً بعدما سمع كلام وئام وهّاب ووعيده.


أيها الجنرال، ليكن في ظنّك أنك ستخسر الدعوى. إنك الخاسر حتى وإن صدر الحكم لمصلحتك.
الشاعر، أيها الجنرال، هو الأقوى!

المصدر:
النهار

خبر عاجل