#adsense

النظام السوري “يخطّط” للعودة إلى لبنان باتفاق سلام مع إسرائيل

حجم الخط

ما أعلنه المفاوض الإسرائيلي من عناوين متفق عليها يكشف أسباب إمعان الأسد
في التعطيل

النظام السوري “يخطّط” للعودة إلى لبنان باتفاق سلام مع إسرائيل

نصير الأسعد

 

في المقابلة التي أجرتها معه صحيفة “الشرق الأوسط” في عددها الصادر أول من أمس، سُئل رئيس اللوبي الإسرائيلي للسلام مع سوريا ألون لئيل عن موقع المسألة اللبنانية من اعتراضات إدارة الرئيس جورج بوش على إتفاق سلام سوري ـ إسرائيلي، فأجاب بالحرف “ندرك أهمية الموقف الأميركي من الموضوع اللبناني، لكن السلام الإسرائيلي ـ السوري سيفرض في حدّ ذاته قواعد جديدة في المنطقة”. وأضاف شارحاً أن “سوريا إذا وقّعت إتفاق سلام مع إسرائيل فلا يعقل أن تتحالف مع من يعلن ليلَ نهار أنه يريد إبادة إسرائيل مثل إيران وحزب الله وحماس، وستتغيّر الأمور في المنطقة (..)”.


السؤال الموجّه الى لئيل يتناول تدخّل النظام السوري في لبنان ودوره التخريبي ضدّ الاستقلال اللبناني، مما تعترض الإدارة الأميركية عليه. لكن الجواب تجاهل هذا الموضوع كلياً وذهب الى العناوين التي تريد إسرائيل الإتفاق مع نظام الأسد بشأنها.


ما تريدُه إسرائيل من سوريا
ماذا يُستنتج من هذا الجواب؟


إن إسرائيل لا يعنيها إستقلال لبنان ولا يهمّها. وهي تريد من النظام السوري أن يتولى حلّ “مشكلة حزب الله”، أي أن يُنهي الحزب و”مقاومته”، وأن يتحقّق فصلٌ بين سوريا وإيران في لبنان كما في فلسطين. وواقع الأمر أن لئيل “يعترف” بأنه لولا اعتراض إدارة بوش لكان إتفاق إسرائيلي ـ سوري جرى توقيعه، ويؤكد أن هذا الإتفاق سيوقّع في العام 2009 بعد خروج بوش من البيت الأبيض. وبكلام آخر، يعترف بأن النظام في دمشق موافقٌ على أداء دور في إنهاء مشكلة “حزب الله” في إطار إتفاق سلام.


النظام السوري ولبنان


لم يقُل لئيل ماذا يطلب نظام الأسد في مقابل هذه المهمة اللبنانية، في ما يتجاوز النقاط التي أكد حصول إتفاق بشأنها على صعيد الجولان والعلاقات السورية ـ الإسرائيلية. لكن ليس صعباً إستنتاج أن النظام السوري يطلب بدلاً، ينطلقُ من اعتراف إسرائيل بدوره في إنهاء مشكلة “حزب الله”، ليحوّله اعترافاً بدوره في لبنان، أي أن يكون الإتفاق على “حزب الله” مدخلاً الى الإتفاق على دور نظام الأسد في لبنان. باختصار يريدُ هذا النظام اتفاقاً مع إسرائيل ـ وأميركا عندما تتغيّر إدارتها ـ على دور له في لبنان بالتوازي مع إتفاق السلام السوري ـ الإسرائيلي.


ما كشفه ألون لئيل هو نموذجٌ لما أشارت إليه وثيقة 14 آذار الأخيرة عن ثنائية الخصومة ـ التواطؤ بين إسرائيل والنظام السوري. ولـ”حزب الله” أن يقدّر ما يشاء في هذا الموضوع. لكن هل يمكن ألاّ يضع “حزب الله” في اعتباره، نظرياً على الأقلّ، أن قائده العسكري والأمني عماد مغنيّة قُتل في إطار التواطؤ الإسرائيلي ـ السوري؟ كيف يهاجم “حزب الله” وثيقة 14 آذار في مجال حديثها عن ثنائية الخصومة ـ التواطؤ وهو نفسه ضحيّة هذه الثنائية؟


وعلى أي حال، فإن التواطؤ بين النظام السوري وإسرائيل ليس جديداً، منذ دخوله الى لبنان في العام 1976 بإتفاق مع إسرائيل على ما سمّي آنذاك “الخطوط الحمر”، ولطالما أيّدت إسرائيل “الوجود” السوري في لبنان، وصولاً الى تحفّظها عن انسحابه في العام 2005 بموجب القرار الدولي 1559.


2009: موعد الحدّ الأدنى


إذاً ثمة تفاوضٌ سوري ـ إسرائيلي حدّد لئيل عناوين ما تمّ الإتفاق عليه في إطار هذا التفاوض. لكنه تفاوضٌ يدور في شطره الرئيسي “على” لبنان. ومن الواضح أن النظام السوري وقد أخذ علماً ـ من إسرائيل ـ بأن إبرام إتفاق ثنائي ممنوع أميركياً، إنما يعملُ على نفَس طويل، حتى العام 2009 “على أمل” حصول تغيير أميركي يسمح بإبرام اتفاقَين مع إسرائيل: إتفاق للسلام الإسرائيلي ـ السوري وآخر حول لبنان، أي حول عودة النظام السوري الى لبنان. وبهذا المعنى، فإن نظام الأسد يخطّط للعودة الى لبنان على “حاملة” إتفاق سلام مع إسرائيل، أي يعتبر أن السلام مع إسرائيل مدخلٌ الى إعادة النظر في وضع الكيان اللبناني.


طبعاً، إن كل ما تقدّم لا يعني أن لا تُقدم إسرائيل على “تذكير” نظام الأسد بـ”قواعد اللعبة” بين حين وآخر، كما فعلت في أيلول الماضي عندما أغارت على منشآت عسكرية (إيرانية) في منطقة دير الزور. لكن ما ينبغي التشديد عليه هو أن النظام في سوريا المراهن ـ بالعلاقة مع إسرائيل ـ على تجديد العودة إلى لبنان بـ”وعد” القضاء على مشكلة “حزب الله” ابتداء، والمراهن على تغيير الإدارة الأميركية، ليس في وارد الكفّ عن التعطيل في لبنان والتعاون مع المبادرة العربية. فلن يسمح بانتخاب الرئيس اللبناني في 25 آذار الجاري قبل القمّة، ولن يسمح بذلك بعد القمّة. وسيبقى عاملاً على الوقت عاماً على الأقل.


العلاقات اللبنانية ـ السورية: التسوية المستحيلة


في هذا “المناخ”، أضاف مجلس وزراء الخارجية العرب بند “العلاقات اللبنانية ـ السورية” إلى البنود الثلاثة للمبادرة العربية كبند مستقلّ، أي انّ الجامعة العربية لم تربط تنفيذ البنود الثلاثة (الرئاسة والحكومة وقانون الإنتخاب) بـ”تصحيح” العلاقات اللبنانية ـ السورية لكنّها عبّرت في الوقت نفسه عن إقتناعها بأن “الأزمة اللبنانية” ناجمةٌ عن العلاقة التخريبية للنظام السوري بلبنان.


وفي هذا “المناخ” أيضاً، إعتبر رئيس “اللقاء الديموقراطي” وليد جنبلاط في مقابلته الأخيرة على قناة “أخبار المستقبل” انّ المبادرة العربية “ناقصة” ودعا إلى تطويرها لتشمل موضوع العلاقات اللبنانية ـ السورية، بحيث ترعى الجامعة العربية مفاوضات بين دولة لبنان والدولة السورية ترتكز على مقرّرات الحوار الوطني في العام 2006، لـ”تأتي” هذه المفاوضات باعتراف من النظام السوري بالكيان اللبناني وإستقلاله.


جنبلاط: الصمود الهجوميّ


أهمية بند “العلاقات اللبنانية ـ السورية” المُضاف إلى المبادرة العربية هي في كونه إقراراً بأنّ مشكلة لبنان سورية.
وأهمية ما طرحه وليد جنبلاط انّه أعاد “توجيه” المبادرة إلى “المكان” الصحيح في دمشق. بيد انّ الدقّة السياسية تقتضي القول إن أي أفق لمقاربة مسألة العلاقات اللبنانية ـ السورية ليس مفتوحاً في أمد منظور، بل أكثر من ذلك ثمّة قناعةٌ متنامية لدى القسم الأكبر من اللبنانيين بأنّ علاقات لبنانية ـ سورية سويّة بين دولتين متساويتين لا يمكن أن تقوم في ظلّ “هذا” النظام. ذلك انّ إستقلال لبنان يواجه ـ تكراراً ـ ثنائية الخصومة والتواطؤ بين النظام السوري وإسرائيل.


لذلك لم يخطئ وليد جنبلاط، وهو يدرك في العمق إستحالة “تسوية” العلاقات اللبنانية ـ السورية في مرحلة منظورة، عندما شدّد على الصمود، معطياً للصمود معنى “هجومياً” وليس “دفاعياً”، أي عندما دعا إلى خطوات سياسية وعملية لمواجهة مشروع إطالة أمد الأزمة. وفي الإطار نفسه لم تخطئ 14 آذار في وثيقتها عندما اعتبرت ان طي صفحة الماضي مع سوريا “يبدأ بعودة النظام السوري إلى الحظيرة العربية”، وهذا أمرٌ تؤكده “إعترافات” ألون يئيل، وعندما لحظت إعلان بيروت ـ دمشق ـ بيروت مرجعية أساسية للعلاقة بين البلدين والشعبين.


خلاصةُ القول إنّ المعركة لتثبيت إستقلال لبنان وحريته تجتاز الآن أشدّ المراحل تعقيداً. لكن، على كلّ المقدّمات الآنفة يُطرح سؤال ملّح: أليس لدى “حزب الله” ما يقوله حيال الخط التفاوضي السوري ـ الإسرائيلي وتأثيراته وإنعكاساته بدل “الإكتفاء” بمهاجمة 14 آذار؟ ألا يشكّل “القول” في هذا الموضوع مدخلاً إلى أمور كثيرة؟ ومتى يصبح جاهزاً للردّ على وثيقة بوثيقة؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل