#adsense

من 40 جواز سفر في اليوم الواحد الى 400

حجم الخط

 من  40 جواز سفر في اليوم الواحد الى 400
“لبنان الفندق”… بلا نجوم تهافت على الذهاب والإياب أقل

 

ما هي الظروف التي قد تضطر اي مواطن الى اصدار جواز سفر أو تجديده بشكل عاجل، مما يعني انجاز معاملة تستغرق بضعة ايام في يوم واحد، مع الكلفة الاضافية لهذه الخدمة التي تبلغ 105 آلاف ليرة، اي ما يفوق كلفة تجديد جواز السفر لمدة سنة كاملة؟


الاحتمالات محدودة، فإما ان يكون صاحب العلاقة مصابا بمرض النسيان، او بالاحرى الاهمال، فيتنبه قبل بضع ساعات من موعد اقلاع طائرته الى ان جوازه منتهي الصلاحية، واما ان تطرأ عليه رحلة لا تتيح له الوقت الكافي لانهاء معاملة تجديد جوازه. وفي كلتا الحالتين لا خيار امامه سوى الذهاب الى دوائر الامن العام في المتحف حيث يقع المركز المخصص لاجراء المعاملات المستعجلة. وهناك يفترض ان يقدم المستندات التي تبرر اضطراره الى تجديد جوازه في يوم واحد، واهمها بطاقة الحجز.


ومناسبة هذه المعلومات غير الشائعة في اوساط المواطنين، الذين يفترض ان لا حاجة بهم الى اجراء جواز سفر عاجل، هي الدهشة التي تصيب اي زائر لهذا المركز. اذ انه يتوقع الا يتجاوز عدد اصحاب المعاملات الطارئة عدد اصابع اليد، فاذا به يفاجأ بأن طابور المنتظرين طويل جدا. فهل يُعقل ان يكون كل هؤلاء على عجلة من امرهم؟ وهل يعقل انهم كلهم يمسكون في يد بطاقة الحجز لطائرة ستقلع بعد ساعات او في اليوم التالي في اقصى حد، وفي اليد الاخرى جواز السفر اللبناني الذي ينتظر ختما يخولهم الخروج خارج حدود الوطن؟ ولعلها الخدمة الوحيدة التي يمكن ان يقدمها الجواز اللبناني لحامليه بعدما فقد خصائصه الواحدة تلو الاخرى. ويبدو ان اللبنانيين ادركوا اهمية هذه الخدمة اليتيمة، او على الارجح قرروا الاستفادة منها قبل ان تفقد هي ايضا صلاحيتها، كأن ترفض مطارات العالم مثلا استقبال مزيد من اللبنانيين، فيصبح عندها جواز السفر عبارة عن مجموعة اوراق مضغوطة  داخل غلاف كحلي.


حفرة الحمار… والحرب

 

في دائرة المعاملات المستعجلة يقف المواطنون في صف طويل اعتبارا من الساعة الثامنة صباحا. ففي هذا المركز ايضا يُنصح الراغبون في الذهاب باكرا لحجز دور لهم بعدما ارتفع الطلب على جوازات السفر المستعجلة بشكل لافت. فبعدما كانت هذه الدائرة تنجز 40 جوازا في اليوم الواحد، باتت اليوم تنجز نحو 400 جواز وفق ما يؤكد احد العاملين هناك، مشيرا الى ان تسليم الجوازات المنجزة يتأخر احيانا حتى الساعة الثالثة بعد الظهر بدلا من الساعة الثانية عشرة ظهراً، بحسب التقليد المتبع في الايام العادية. ويعلّق: “ما بعرف شو صاير للعالم هالايام؟”.


وما عساه ان يكون حاصلاً؟ لا تحتاج الاجابة الى تحليل وتمحيص كبيرين: طبول الحرب تقرع كأنها واقعة حتما، والتشكيك في حال حصوله يقتصر على توقيتها فقط. اليوم؟ غدا؟ مطلع فصل الصيف أو في منتصفه؟ ولأن اللبنانيين كلهم ثقة بأن رياح الحرب ستهُب قريبا، فلا بد من اتخاذ التدابير الوقائية اللازمة التي لم تعد تقتصر على تجهيز الملاجئ والتموين. فهذه اساليب تقليدية تلجأ اليها شعوب لم يسبق لها ان ذاقت معنى الحرب ولا تزال خبرتها في هذا المضمار محدودة، او ربما تكون قد خبرتها مرة او اثنتين في اقصى حدّ، ولا تزال مفعمة بأمل ان امور بلادها ستصلح قريبا، وهذا ما لا يصح في الحالة الوطنية. اذ ان اللبنانيين خاضوا بدل الحرب الف حرب وراهنوا في كل حرب على انها لا بد ان تكون الاخيرة. فعلوا ذلك ايضا بدل المرة الف مرة، والنتيجة: خسارة تلو الخسارة. لذا، لم يعد جائزا ان يخوضوا الرهان عينه مرة جديدة بعد الألف والا تفوقوا في محدوديتهم على ذاك الحمار المسكين الذي احتاج الى ان يقع في الحفرة عينها عشرات المرات قبل ان يتنبه ان في امكانه تجنبها بمجرد ان يخطو خطوتين في الاتجاه المعاكس!


 لهذه الاسباب الواضحة والصريحة، قرّر السواد الاعظم من اللبنانيين ان يخطوا خطوتين في الاتجاه المعاكس، ولم يكونوا يحتاجون الى اكثر من هاتين النقلتين ليجدوا انفسهم واقفين في صفوف طويلة امام مراكز الامن العام اللبناني من اجل انجاز جوازات سفرهم.


مهاجرون بالممكن وبالفعل

 

من نافل القول إن هجمة اللبنانين على جوزات السفر  بما يضمن لهم مغادرة البلاد لحظة يشاؤون ليست طارئة. فهذا تقليد عريق وموسمي، علما ان الرسم البياني لهذه الحركة يسير في خط تصاعدي، ولم يعرف يوما اي تراجع او انحناء كمؤشر الى انخفاض أعداد التواقين الى هجرة البلاد، كما انه لم يتخذ شكل الخط المستقيم الذي يدل على ان ارقام هؤلاء ثابتة ومحددة.


ولكن يبدو انّ هذا الخط البياني صعد في الآونة الاخيرة في شكل صاروخي. فالخوف من اندلاع حرب جديدة، معطوفا على وضع امني مهزوز، معطوفين على وضع سياسي مهترئ، وعلى امّ الازمات الاقتصادية التي تعصف بالبلاد بالطول والعرض، كل هذه العوامل مجتمعة شكلت قوة دفع هائلة رمت اللبنانيين امام مراكز الامن العام وعلى ابواب السفارات طلبا للهجرة. ويروي طالب جامعي اصابته “لوثة التسلح” بجواز سفر تحسباً “للآتي الاعظم”، انه قصد مركز الامن العام في برج البراجنة في الساعة السابعة صباحاً، وما لبث ان عاد بعدما ايقن انه لن يحظى بفرصة تجديد جوزاه بسبب الزحمة الهائلة هناك.

 

“كانت الناس فوق بعضها” كما يقول، مستنتجاً ان عليه ان يتوجه في المرة المقبلة في الساعة الثالثة فجرا ليحظى بفرصة الوصول الى الشباك الذي يقدم من خلاله اوراقه في الساعة الثامنة ربما! ألم يسبق ان فعل ذلك اللبنانيون في زمن الحرب حين كانوا يفترشون الارض امام مراكز السفارات الاجنبية للحصول على طلب هجرة الى اي مكان في العالم؟
في اي حال، فإن الجديد في قضية جوازات السفر ليس الزحمة امام مراكز الامن العام حيث يحتشد المئات يوميا في مشهد يذكر بطوابير المواطنين امام الافران ومحطات الوقود في زمن الحرب، بل في الاقبال الشديد على دائرة المعاملات المستعجلة. ففي الدوائر العادية قد يكون الحصول على الجواز غاية في ذاته، فهناك تقف طوابير المهاجرين بالممكن. اما في دوائر المعاملات الاستثنائية فيصطف المهاجرون بالفعل، اذ انهم يتجهون من الامن العام الى المطار مباشرة، والا لما جرى استقبالهم في هذه الدائرة وتسهيل امورهم التي تحتاج الى عذر شرعي.


ثمة من يعتبر ان هذه الصورة الموغلة في التشاؤم تقابلها صورة اخرى اكثر تفاؤلا. فالطائرات الآتية الى لبنان في فترة الاعياد محجوزة بالكامل. وهذا يعني في الظاهر ان اللبنانيين يصرّون على زيارة بلدهم في المناسبات بغض النظر عن ظروفه الامنية والسياسية المهترئة. 

 
صحيح، ولكن هذه المقاربة التفاؤلية تشبه في مضمونها عبارة “لا الله …” المنقوصة والتي تعطي معنى معاكسا تماما للمعنى الاصلي. فالاعداد الهائلة للبنانيين العائدين لتمضية بضعة ايام في ربوع الوطن لمناسبة الاعياد تأكيد لا يدحضه اي شك في “تحليق” نسبة المهاجرين. والحجوز الى لبنان تعكس جزءا بسيطا من ارقام المهاجرين، لان الذين قرروا عدم المجيء الى البلاد في الظروف الراهنة هم اكثر بكثير من اولئك الذين قرروا خوض المغامرة.


وعلى هذا المستوى، قلما تهم الارقام والاعداد والنسب، فالاهم ان لبنان اصبح مجرد فندق يقصده ابناؤه في المناسبات السعيدة. ولكن المحزن في الموضوع ان تصنيفه العالمي انخفض بضع درجات، فلم يعد فندقاً ذا خمس نجوم، بل اقل من ذلك بكثير. اذ ان تصنيفه حاليا متدن جداّ الى ما دون المعايير الفندقية العالمية.


جنى نصرالله

المصدر:
النهار

خبر عاجل