#adsense

تداعيات الانقسام داخل “العمل الإسلامي”

حجم الخط

تداعيات الانقسام داخل “العمل الإسلامي”: انكشاف نشاط الحرس الثوري وتدريب “حزب الله” لـ 8 آذار
أحمد الأيوبي (*)

 

بعد إقدام النائب السابق فتحي يكن على خطوة تأسيس “جبهة العمل الإسلامي” إثر خروجه النهائي من “الجماعة الإسلامية”، وقيام هذه الجبهة على مجموعة من التناقضات والتحالفات الآنية والمصلحية، برزت أسئلة جدية عن قدرة هذا التجمع السياسي على الاستمرار، نظراً لاعتماده في تماسكه على إمساك قيادة “حزب الله” بأطرافه، وتحكمه بالمقدرات المالية والخدماتية للجبهة.


وفي الواقع فإن المتابعين استأخروا الحركة الاعتراضية التي ظهرت مؤخراً في صفوف الجبهة، لأن الكثر من عوامل الخلاف القائمة بين جناحي “حركة التوحيد” (الشيخ بلال شعبان وهاشم منقارة) وبين الدكتور يكن وعبد الناصر جبري ومحمود البضن وزهير جعيد، كانت تأخذ طريقها نحو الكوادر القيادية وتترك أثراً سلبياً، خصوصاً أنها كانت تدور حول التوزيع المالي الذي يستأثر به البضن وجبري، فيما يشعر يكن أنه لا يملك من الأمر شيئاً وأن الأمور تدار باسمه، من دون أن يمتلك زمام القرار الفعلي.


وقد سبق حركة الاعتراض التي اتخذت اسم “هيئة الطوارئ ـ جبهة العمل الإسلامي” انسحابات فردية، نتيجة اكتشاف المنضمين إلى الجبهة، ومجملهم من أنصار النائب السابق يكن، أن هذا التجمع بعيد كل البعد عن طموحاتهم في العمل الإسلامي.


إلا أن الاعتراض الأكبر ظهر في الثامن من الشهر الجاري عندما أعلن الشيخ سيف الدين الحسامي ومعه نحو 160 كادراً وعنصراً قيام هيئة الطوارئ داخل الجبهة.


وقد عزا الحسامي سبب هذه الخطوة إلى “فشل المحاولات المتواصلة للإصلاح من الداخل، وبعد اتضاح الكثير من الثغرات الخطرة التي حوّلت الجبهة إلى واجهة للاستغلال والاختراق لساحتنا الإسلامية، ومع انكشاف الموقف الحقيقي لقيادة هذه الجبهة من قضية المقاومة وتعمدها توريط الشباب المسلم في أعمال ذات صبغة عسكرية وأمنية، أبعد ما تكون عن نبل المقاومة وسموها.. ومع اتساع شقة الخلاف داخل مواقع القرار للجبهة، على خلفيات تنافسية ومالية، انعكست بشكل فاضح على أداء الجبهة، وحولتها إلى وسيلة ارتزاق سياسية للمتصدرين المتاجرين بتمسك الشباب بالفكرة الإسلامية، والتوق إلى المقاومة والجهاد.. ورفضاً للاستغلال والتجيير المسيء للعمل الإسلامي، ورفضاً للاختراق الإيراني لطرابلس، بعمقها الإسلامي وتاريخها الحضاري، وامتدادها النضالي المتواصل..”.


وقد أعلن الحسامي جملة من الحقائق لم تتمكن ردود قيادة الجبهة من دحضها أو الرد عليها أو نفيها، وأهمها أن القائمين على الأداء السياسي في الجبهة “لم يتمكنوا من أن يقدموا خطاباً مقنعاً يعبر عن رؤية سياسية واضحة حول القضايا المتفاعلة على الساحة اللبنانية، ولعل أكثر الأمور إثارة للاستغراب والدهشة هي إصرار قيادات جبهة العمل على تكفير كل من يتصل بمخالفيهم أو يتحالف مع خصومهم، في حين يسكتون عن جرائم النظام السوري، الذي ارتكب ولا يزال يرتكب المجازر والإرهاب بحق الحركات الإسلامية بشكل خاص والمسلمين عموماً..”.


وأكد المعارضون أن قيادة الجبهة “رهنت قرارها السياسي للسفارة الإيرانية، وباتت بوقاً ينطق باسم ولاية الفقيه، بكل ما تعنيه الكلمة من أبعاد عقائدية وسياسية، وكل ما تعنيه من استلحاق بالنظام السوري الذي لا يختلف جوهره عن النظام الإيراني، بدل تشكيل الموقع الوسط الكفيل بتحقيق الاحترام والحضور اللائق للعاملين في الحقل الإسلامي..”.


خدعة المقاومة السنية


لقد كشفت الحركة الاعتراضية لهيئة الطوارئ “بشكل لا يقبل الجدل أو الشك أن دعوة الشباب المسلم للانضمام إلى جبهة العمل الإسلامي تحت شعار تأسيس حالة مقاومة لأهل السنة والجماعة، تكون على مستوى المواجهة والتحدي مع العدو الإسرائيلي، لم تكن أكثر من خدعة لتوريط هؤلاء الشباب في أفخاخ العمل السري المسلح..”، كما جاء في البيان الأول الذي أذاعه الحسامي، الذي أضاف “لا نذيع سراً إذا تحدثنا عن عشرات الشباب الذين أرسلوا إلى معسكرات التدريب التابعة لـ”حزب الله” في البقاع، والذين باتوا يشكلون اليوم حالة مسلحة بعيدة كل البعد عن خطوط المواجهة، ويتعرضون لمحاولات توريط في المواجهة الداخلية، وتحويلهم إلى أدوات للفتنة والتخريب والشغب..”.


وأوضح أن قيادة الجبهة “وعدتنا بأن تكون “قوات الفجر” هي المسؤولة عن التدريب والتأهيل والتجهيز، لكننا فوجئنا بأن “حزب الله” هو الذي يتولى كل الخطوات المرتبطة بالعمل المقاوم لجبهة العمل الإسلامي، وإذ بشبابنا يضطرون لملء استمارات خاصة بالحزب، ويجري تصويرهم أثناء التدريب وخلال المحاضرات وفعاليات التدريب الأخرى، ..وبالنتيجة فإن الصورة والتمني الذي على أساسه انخرط شبابنا في التدريب كان خدعة كبرى، والكلام عن مقاومة سنية موازية لمقاومة “حزب الله” لم يكن أكثر من طعم لإيقاع الشباب في فخ التوريط المجهول المعلوم..”.


نفي الجبهة ورد هيئة الطوارئ


ورداً على نفي قيادة الجبهة علاقتها بمنسق هيئة الطوارئ الشيخ الحسامي، أصدر المكتب الإعلامي في الهيئة التوضيح الآتي:


ـ أولاً: لقد كانت ردة الفعل الأولى للقيادة المتسلطة في جبهة العمل الإسلامي على حركتنا توزيع السلاح على عدد من عناصرها في طرابلس، ونحن نحمل هذه القيادة مسؤولية أي إخلال بالأمن، سواء فيما يتعلق بكوادر وعناصر هيئة الطوارئ، أو على صعيد أمن المدينة العام.


ـ ثانياً: اعتاد النائب السابق فتحي يكن على التخلي عمن يتعاون معه في الضراء والمحن، كما اعتاد على استغلال الشباب المتحمس للعمل الإسلامي ليبقى في الصدارة المصطنعة والزعامة المتربعة على تضحيات الشهداء.. منذ بداية رحلته في جماعة “عباد الرحمن” مروراً بـ”الجماعة الإسلامية”، وخاصة خلال العدوان السوري على طرابلس عام 1985 عندما كان يتفرج على عاصمة الشمال من جبال الضنية وهي تدمر بمدفعية حلفائه المنضوين اليوم معه في تحالف واحد.


ـ ثالثاً: نوضح للرأي العام أننا نشكل الجسم التنظيمي الشعبي لجبهة العمل الإسلامي في طرابلس والشمال، ونورد بعض المهام الأساسية التي توليناها خلال المرحلة الماضية:


ـ تمثيل جبهة العمل في الاجتماعات النقابية في الشمال وبيروت.


ـ تجهيز مجموعات التدريب وإرسالها إلى البقاع، وقد شارك الشيخ الحسامي في عدد من هذه الدورات التي تعرض فيها شباب الجبهة للإذلال في الشاحنات المغلقة، والتصوير خلال التدريب، والخضوع للتوجيهات الحزبية الخاصة بحزب إيران في لبنان، وذلك في منطقة تقع بجوار بلدة النبي شيت، والطلب إليهم إنهاء الدورات على عجل، لمواجهة التطورات التي قد تحصل في طرابلس والشمال وليس في الجنوب اللبناني، ضد العدو الإسرائيلي.


ـ رابعاً: بالنسبة للتشكيك في انتماء أعضاء هيئة الطوارئ لجبهة العمل الإسلامي نوضح أن أعضاء الهيئة ظهروا في المؤتمر الصحافي للإعلان عن قيامها، وأبناء طرابلس يعرفونهم ويعرفون مواقعهم في طرابلس والشمال، ولسنا بحاجة إلى متاجر أو سمسار في السياسة والمال ليمنحنا انتماءنا الإسلامي والتنظيمي.


وأخيراً، فإن الحديث عن أن حركتنا تأتي في سياق حملة لبعض الجهات الهادفة للإساءة للجبهة، ليس أكثر من محاولة للتملص من خطورة الواقع المتردي الذي وصلت إليه جبهة العمل، التي بدأ الشباب المسلم يكتشف اليوم أنها مصدر خطر حقيقي على الوجود الإسلامي في لبنان، لارتباطها بشكل واضح بالمشروع السوري الإيراني.


انهيار آخر في “جبهة العمل”


لم تكد “جبهة العمل” تستوعب الانهيار الأول، حتى واجهت إشكالية أخرى لا تقل خطورة، تمثلت في انضمام مجموعة منطقة محرم في طرابلس إلى هيئة الطوارئ، وقد أعلنت الهيئة انضمام المجموعة الجديدة من الجبهة إلى حركتها الإصلاحية، موضحة أن مسؤول منطقة محرم محمد الرفاعية أعلن رفضه للاستمرار في ركاب عملية التضليل التي تقوم بها القيادة الحالية لجبهة العمل للشارع الإسلامي وللشباب المسلم، وخاصة في مجال التدريب العسكري وتوريط الشباب في الصراع الداخلي.


وأعلن الرفاعية انضمام كل عناصر جبهة العمل الإسلامي في منطقة محرم إلى هيئة الطوارئ في الجبهة وعن وضع المركز الصحي الاجتماعي الذي تديره المجموعة بتصرف هيئة الطوارئ.


هذه الخطوة لم تمر من دون موقف مضاد من قيادة جبهة العمل، حيث تحركت مجموعات من “حركة التوحيد” التابعة لهاشم منقارة للسيطرة على المركز الصحي، فاقتحمت المركز مستعملة السلاح والعصي الكهربائية، موقعة ثلاثة جرحى في صفوف العناصر المنضمين إلى “هيئة الطوارئ”، عرف منهم: جمال عليان ومحمد الحسامي.


إثر هذه التطورات تحركت القوى الأمنية، وعمدت إلى توقيف عناصر من كلا الطرفين، وأقفلت المركز المتنازع عليه بالشمع الأحمر، مانعة الجانبين من دخوله.


وقد ألقي القبض على أنصار يكن على مرحلتين، الأولى خلال دخول قوى الأمن الداخلي إلى المركز، والثانية بعد اكتشاف وجود عناصر مختبئة داخله بعد إقفاله، ليتضح وجود ثلاثة مسدسات وجهازا لاسلكي بدون ترخيص.


إلا أن اللافت في التوقيفات التي طالت العناصر الموالية لفتحي يكن وهاشم منقارة، والذين بلغ عددهم حوالي 15 عنصراً، اتضح أن بينهم خمسة من كبار المطلوبين للعدالة، وهم: حاتم جنزرلي، نادر مرحبا، محمود البوجي، خالد الحاج يوسف (سوري الجنسية) ومحمد الطوشي.


وبعد التأكد من أسماء الموقوفين تبين أن مجملهم عبارة عن مطلوبين للعدالة بمذكرات توقيف ومتهمين بإطلاق نار وخاصة السوري خالد الحاج يوسف.


النتائج الأولية لحركة الاعتراض


لعل أولى نتائج التحرك الذي تقدمه سيف الدين الحسامي كشف حقيقة أن “حزب الله” يدرب مجموعات قوى 8 آذار، ولم يعد الحديث عن انخراط التيار العوني وتيار المردة وأنصار عمر كرامي وغيرهم من الأحزاب والقوى الموالية للنظامين السوري والإيراني.. لم يعد هذا الحديث مجرد اتهامات من غير أدلة، بل إن الوصف الذي قدمه الحسامي والمجموعة التي شاركته في التدريب، يعطي مؤشراً خطراً إلى المدى الذي وصل إليه التدخل الإيراني في الوضع اللبناني.


اتضح أيضاً أن الحرس الثوري لا يزال يدير معسكرات التدريب البقاعية حتى الساعة، وأن مجموعاته لا تزال ناشطة في الأرض اللبنانية، وبالتالي فإن العبث الإيراني بمصير لبنان وشعبه، لا يزال مستمراً، وهو يحاول التحكم بأدق التفاصيل، اللبنانية والإسلامية..


إن انكشاف هذا الواقع يضع الدولة والجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي أمام مسؤولية جديدة، في ضوء ما اتضح من خلال الأحاديث الصادرة عن الشيخ الحسامي، عن وجود مستودعات سلاح وذخيرة في طرابلس، تابعة لجبهة العمل الإسلامي، هي بالتأكيد لسيت للاستعمال المقاوم، ولا علاقة لها بالمقاومة..


ان وجود مطلوبين للعدالة بين الموقوفين التابعين ليكن ومنقارة، يظهر بشكل فاضح حالة الإفلاس التي وصلت إليها “جبهة العمل”، واعتمادها على مجموعات أشبه ما تكون بالمرتزقة، في حين أن مجموعتا الحسامي ورفاعية، كانتا تشكلان ركيزتين هامتين للجبهة في محلتي باب الرمل ومحرم والأسواق الداخلية..


أثبتت الحالة التي أعلنها سيف ورفاعية أن المال الإيراني فقد مفعوله في سياسة الاختراق الإيرانية لطرابلس والشمال، وتأكد أيضاً أنه مهما كانت المغريات (مالاً أو سلاحاً أو خدمات)، فإنها ليست كافية لتجاوز عقول الشباب المسلم الذي بات واعياً تمام الوعي لمثل هذه الأساليب التي يمكن تشبيهها بأسلوب تأسيس تنظيم “فتح الإسلام” وتجميع بعض العناصر بالخدعة لتوريطهم في الصراع الداخلي.


نتيجة إجراء الدورات في معسكرات النبي شيت، انكشفت بشكل شنيع تبعية “جبهة العمل” المطلقة لـ”حزب الله” والحرس الثوري الإيراني، وتحكمهما بالموارد المالية والبشرية، وقد أدى سوء المعاملة للشباب المشاركين في الدورات التدريبية، وتضمين المحاضرات مواد ذات طابع مذهبي وسياسي، أبعد ما يكون عن متطلبات العمل المقاوم، فضلاً عن إخضاعهم لإجراءات لا توحي بالثقة، مثل حشرهم في سيارات مقفلة قبل الوصول إلى المعسكر..


أما على المستوى الداخلي لـ”جبهة العمل” فلم يستطع الدكتور يكن الرد على من ذكره بأنه لم يواجه يوماً المعتدين على طرابلس، بل اكتفى بالتفرج على العدوان السوري عليها من جبال الضنية، كما أنه لم يجب عن الرابط الكاذب بين المقاومة ومواجهة حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، إلا إذا كان يعتبر أنه بذلك يواجه المشروع الأميركي في لبنان، كما أن حديث منقارة عن محاولة سرقة محتويات المركز الصحي في محرم، فقد اتضح أن الشباب الذين كانوا معه سبق لهم أن وضعوا بعض التجهيزات من مالهم الخاص، كما أنهم كانوا طيلة الفترة الماضية هم المسؤولين عن إدارة المركز المتنازع عليه، إلا إذا كان منقارة يقصد مركزاً آخر..!!


أما المفارقة الأخرى التي سجلها المتابعون، فهي أن منقارة حاول التملص من أعضاء وكوادر هيئة الطوارئ عبر الإيحاء بأن بعضهم غير ملتزم دينياً، وجاء اكتشاف وجود المطلوبين للعدالة بين أتباعه، ليثير التساؤلات والنقمة على أدائه وتعاطيه الشأن العام باسم العمل الإسلامي..!!


أخيراً، لا بد من التأكيد على أهمية هذه الصحوة الذاتية التي تمتع بها شباب طرابلس، والذين لا نطلب منهم الانحياز نحو قوى 14 آذار، وتحديداً نحو “تيار المستقبل”، بل نريد أن نبني معهم في الوسط الموقع الإسلامي الضامن للوجود الإسلامي الفاعل في لبنان.. هذا الوجود الذي طالما تحدث البعض عنهم، لكنهم عندما تحركوا وقعوا في فخي المال والسلطة، ويا له من فخ!!


(*) رئيس حركة “الحرية والتنمية” في لبنان.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل