قمة بلا لبنان مشاركاً برئيسه قمة بلا قلب ولا روح ولا سبب!
بول شاوول
لا نعرف من سيذهب ومن لن يذهب الى قمة دمشق، ولا كيف سيكون التمثيل، ولا حجمه ولا طوله ولا عرضه ولا سماءه ولا قسماته. ولا نعرف حتى الآن إذا كان سيشارك لبنان في القمة أو لن يشارك، وبمن، وبأي مستوى وبأي طريقة، وأي تخريجة. كل هذا لا نعرفه حتى الآن.. ولا نعرف ارتفاع القمة، ولا انخفاضها، أستكون قمة، أو سهلاً، أو أكمةً، أو سفحاً: لا شيء من هذا. فالعرب، بأكثريتهم المطلقة، يميلون عموماً الى خفض تمثيلهم الى وزراء أو سفراء… أو مندوبين أو معتمدين حتى لو حضرت القمم بدون قمة لبنان أو رئيسه المنتخب، فستكون قمة بلا قمم. وعندما تكون قمة ما بلا قمم أي ناقصة وبلا ارتفاع، ولا طول، فيعني أنها لم تعد قمة: ربما منصة مرتفعة مزدحمة بالمكروفونات والخطب والتوصيات والقرارات من باب رفع العتب بمشاركة كثيفة لوسائل الإعلام التي قد تعوض أحياناً عن أمور كثيرة، كنجاح أو تفشل، وعن “فاعلية”، وعن “تضامن” و”تكامل” و”وحدة” موقف الى آخر هذا القاموس الموروث منذ الأربعينات. قمة بلا قمم أي بلا قرارات تفعيلية يعني قمة بلا نكهة عربية: فما جدوى قمة عربية لم تعد قمة بمفاعيلها وتأثيراتها أولاً، ولم تعد عضوية ثانياً، ولم تعد رسالة أو برنامجاً أو جدول أعمال أو خططاً أو مساهمة في مواجهة التحديات القائمة (كالقمم السابقة).
ونظن، حالياً، أن التحديات الأساسية التي تواجهها الأمة العربية تكمن في سؤال بديهي: الأمة العربية هل تبقى عربية، أي هل تتمكن من توحيد جهودها، وطاقاتها، ومصالحها، وموروثها، ومستقبلها، لتنقذها من مختلف أنواع المصادرات التي تتعرض لها أكانت أعجمية أم إسرائيلية، أم غربية أم أي مصادرة أخرى؛ إذ ماذا تنفع قمة هنا أو قمة هناك إذا كانت القرارات الكبرى باتت بأيد “مستعارة” أكانت إيران أو تركيا أو إسرائيل وكلها دول غير عربية.
وما قد يجري في قمة دمشق سبق أن جرى في قمم سابقة. وسيجري في قمم لاحقة. ذلك أن السؤال الأساسي: كيف تصبح القمة اختزالاً لإرادة عربية جامعة، على تعددها. وكيف تكون تجسيداً لاستقلالية القرار. والأهم كيف لا تكون ساحة أو حقل رماية أو غابة، يحاول الأقوى فيها أن يصطاد الأضعف، والأعهر أن يموّه القضايا الأساسية، والأشطر أن يسرق حقوق الآخرين. وعندها لا تكون لا قمة ولا عربية، ولا شيء سوى مبارزات دونكيشوتية أفصح ما فيها محاولة تمويه الهيمنة غير العربية على القمة العربية من باب العدو الصهيوني أو من بوابة إيران، أو الغرب… أو أميركا. بحيث تكون “القمة” مجموعة أقنعة عربية لسِحن غير عربية. أو على الأكثر، وفي أفضل الأحوال تصفية القضايا الأساسية لتظهير الصراع الخارجي أو للدخول في باب المساومات والتنازلات وتبويس اللحى تحت وابل من الخطب النارية (المفرقعات)، ومن الكلمات الطنانة، ومن الأوزان المطوالة البليدة التي يظن أصحابها أنها من بدع السياسة، وهي ليست أكثر من إنشاءات بائدة. نتذكر قمماً كثيرة وكأننا نتذكر قمة واحدة، لتشابهها، وتماثلها، واستنساخها. ولكن لا بأس نقول: انعقاد قمة من منتوج الماضي وربما ومن بضاعة مهجنة أفضل من حضيض اعتدناه أيضاً في مستوى العلاقات بين بعض الأنظمة العربية التي لم تترك إنجازات لافتة سوى الهزائم والقمع والاستفراس والقتل والنهب والنفي والتبعية. وإذا كان لنا أن نفاضل بين انعقاد القمة أو لا انعقادها، فلأننا نأمل أن يكون لبنان، بما يعانيه ويكابده، بنداً أساسياً من بنودها. وعندما نقول لبنان نعني السلطة الشرعية المتمثلة بالحكومة في غياب رئيس منتخب يُمنع انتخابه من قِبَل الذين لا يريدون لا لبنان ولا دولة ولا سيادة ولا استقلالاً ولا تحريراً ولا رئاسة ولا جمهورية! وهنا بيت القصيد: يريدون أن يذهب لبنان ذليلاً الى هناك مستضعفاً مستلباً منهوشاً بلا رأس ولا حتى قبعة ولا صوت ولا تمثيل حقيقي: يعرقلون انتخاب المرشح التوافقي الجنرال سليمان ثم يدعون لبنان للحضور (لا للمشاركة): خيال صحراء يتحرك بلا رأس ويتكلم بلا صوت ويمشي بلا هامة! تماماً كما كان على امتداد عصور الوصايات العربية وغير العربية: ثلاثة عقود وربما أكثر. ونظن أنه عندما عُزلت مصر عن الجسم العربي، كانت القمم تنعقد بلا رأس (ولو انتفخت رؤوس صغيرة متنطحة من هنا وهناك)؛ واليوم وإذا غاب لبنان رئيساً عن قمة دمشق فستكون قمة بلا قلب ولا روح. لبنان هو قلب العرب والعروبة ولن أقول لا النابض ولا الخافق ولا أي شيء. مؤتمر بلا لبنان كقضية وحل، اليوم، هو مؤتمر بلا سبب، وبلا ذريعة، وبلا هدف: مؤتمر فولكلوري، كرنالي، لفظي، يمكن إحالته على بعض المسرحيات أو الاسكتشات التهريجية لكن البائخة!
يقولون: (على الأقل الرئيس بري) فليذهب السنيورة باعتباره يمثل الشرعية. وقد سبق أن قالوا: السنيورة ليس شرعياً ولا ميثاقياً ولكن لا بأس فليمثل لبنان: رائع؟ سوريالية من النوع البوليسي، أو نكتة من باب التخريج. وإذا قبل السنيورة الدعوة وذهب فسيؤلبون عليه الناس: “إنه صادر صلاحيات رئيس الجمهورية”. وعندها قد تقوم القيامة! يمنعون انتخاب رئيس للجمهورية ثم يتهمون السنيورة بمصادرة الرئاسة المارونية! أي تحريض الموارنة والمسيحيين على السنيورة في تهمة هم متهمون بها.
وإذا لم يلب لبنان أو السنيورة الدعوة فهناك الطامة الكبرى أيضاً: الأميركان! الأميركان! خضعت الأكثرية للضغوط الأميركية لإفشال المؤتمر في دمشق، أي تصبح القضية “مؤامرة” على النظام السوري، لأن السنيورة تجنب الحضور. بل تصبح مؤامرة كبرى قد تبدأ بالتوطين ولا تنتهي بالتطبيع أو العمالة (ما أجمل العملاء الأنقياء بعمالتهم كحليب نيدو عندما يتهمون الآخرين بالعمالة. بل ما أجمل الذين ينفّذون المخططات الصهيونية في لبنان عندما يتهمون الآخرين بالعمالة للعدو الصهيوني! إنها مهنة العملاء!). إذ ماذا يمكن أن يفعل لبنان في هذه الحالة: النظام السوري يتهم الحكومة والأكثرية بالتبعية، واللاشرعية، والأكثرية تتهم النظام السوري باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه وسائر شهداء 14 آذار.
بل وتتهم النظام السوري بأنه وراء حركة العبسي… وسائر المحاولات الإنقلابية. إذاً كيف سيلتقي “المتهمان” في غياب رئيس واحد توافقي للبنان. سوريا ممثلة برئيسها. عال! فلماذا يذهب لبنان بلا رئيسه “المنتخب”: إذاً كفة راجحة على الأخرى: لبنان بتمثيل حكومي. وسوريا بتمثيل رئاسي. وعندها ماذا يمكن أن يأمل لبنان بهذه القمة! لا شيء! أكثر: أن يكون بمثابة شاهد زور ضد قضاياه: أن يكون أداة تواطؤ ضد نفسه. أن يستعيد “المسرحيات” السابقة في القمم العربية: وجود شكلي عبر رئيسه السابق المفدى إميل لحود ووجود فعلي لمن يمثله أي نظام الوصاية السابق. هنا المعادلة ذاتها لكن التخريجة مختلفة: أن يكون لبنان ولا يكون في الوقت ذاته. تماماً كأيام الوصاية. أن يحضر ولا يحضر في الوقت ذاته. أن يتكلم ولا يتكلم في الوقت ذاته: أي غياب من باب الحضور وحضور من باب الغياب: الخطة المستمرة تحرص على أن يبقى لبنان هكذا معلقاً: سلطة بلا سلطة: سيادة بلا سيادة. سيادة بلا استقلال. استقلالاً بلا سيادة. حكماً بلا حكم. حكومة بلا حكومة. جيشاً بلا جيش. جمهورية بلا جمهورية. حدوداً بلا حدود. ناساً بلا ناس: أي العجز التام عن إقامة الدولة ومؤسساتها الدستورية والشرعية. أي العجز التام عن حكم ذاته، إزاء التحكم به من قِبَل الخارج.
وهنا السؤال: هل يمكن أن تذهب الشرعية اللبنانية بمن يمثلها بمستوى رفيع أو بمستوى خفيض، لكي تغطي المخطط المرسوم لإلغائها. هل تعترف بنفسها في لبنان، لتلغي نفسها بغطاء عربي؟ هل تمضي الى هناك شرعية لكي لا تكون شرعية؟ لكي تقبل أنها غير شرعية إزاء من يُنكر عليها شرعيتها! هل تذهب بأكثرية منتخبة وتعود بأكثرية نظرية أو تتنازل عن كونها أكثرية فعلية؟ السؤال الآخر: إذا كان هذا المؤتمر سيكون شبيهاً بالمؤتمرات السابقة أي مجرد لقاء تغلب عليه المجاملات، والمنصات، والعناقات بالحناجر أو بالخناجر، والمزايدات، ثم لا شيء بعدها: فلماذا تذهب الشرعية الناقصة بانتخاب رئيس الجمهورية، الى هذا المؤتمر الفتات… فتسجل على نفسها حضوراً في مؤتمر لن يحضر نفسه أصلاً. حيث هناك من يقول إن على لبنان أن يشارك (يقصدون أن يحضر) ليدافع عن قضيته هناك. عال: لكن أين؟ أوليس ضرورياً أن يعترف به من دعاه الى المؤتمر. أولاً كحدود وكجمهورية وككيان وكشرعية وتاريخ واستقلال وإرادة حرة، إذ كيف يمكن أن تذهب الى مؤتمر ينفي الداعون إليه وجودك: هل ترسل ظلّك. أو خيالك أو شبحك أو طَيفك أو قرينك؟ بل كيف تذهب الى مؤتمر مقطع الأوصال بحجة أنك تريد أن تلم أوصالك؟ ممن؟ هناك العراق بعد سنوات خمس من الغزو الأميركي له بمؤازرة إيران… وإسرائيل معاً! ربما سيكون على جدول الأعمال: النتيجة لا شيء! فالذين يساهمون في تخريب العراق مع الأميركان موجودون هناك سواء داخل المؤتمر أم خلف الكواليس، بتمثيل علني أو غير علني؟ وهناك فلسطين. والبربرية الصهيونية على غزة.. والنتيجة لا شيء أيضاً: لأن لا قرار عربياً (موحداً أو غير موحد) بمواجهة إسرائيل. أكثر: حماس قسّمت التقسيم. أي انفصلت بغزة عن الضفة فانفصلت الطاقة الفلسطينية المقاومة، ليستفرد العدو الصهيوني بغزة، وليحاول مصادروها من الفلسطينيين تحويل المعركة صوب مصر، أو ربطها بالعراق وبلبنان. بمعنى آخر يصير جزء من فلسطين ورقة في يد غير الفلسطينيين يتاجر بها ويساوم عليها لغير مصلحة قضيتها. تماماً كما هي الحال مع العراق… ولبنان: المحاولة التي باتت مكشوفة: ربط لبنان والعراق وفلسطين في حلقة واحدة لتكون كلها معابر للخارج وللخوارج.
وهناك أيضاً البترول. والاقتصاد. والعلاقات. كلها عناوين مرشحة للتداول أي للعبور من بند الى بند فإلى اللابند! فالانقسامات والاعتداءات ستستمر في فلسطين. والتخريب سيستمر في العراق. والتآمر على الدولة والجمهورية والسيادة والمجتمع سيستمر في لبنان: هذا ما سيحدث بعد القمة كما كان من قبلها. كأن القمة ستكون “تأكيداً” غير مباشر لاستمرار كل هذه النزاعات والمؤامرات على البلدان العربية. من هنا نتساءل: ستكون مصلحة لبنان في حضور القمة، بهذا المستوى التمثيلي أم ذاك؟ هل ستكون القمة شهادة أخرى للاستمرار عرقلة انتخاب رئيس للجمهورية، وربما الانتخابات النيابية المقبلة، وربما الحكومات الآتية… عندها على الجميع أن يحسبوا جيداً حساباتهم، ويدرسوا جيداً بنودهم، ويزنوا جيداً مصلحة البلد ويراجعوا جيداً آراءهم: إن أي قمة لا تخدم لبنان الجمهورية والكيان والسيادة والعدالة والاستقلال… هي قمة ملتبسة، ترتب على الجميع مسؤوليات جمة، أقلها: عدم الانخراط في لعبة التدمير والتخريب تحت غطاء عربي رسمي!
أما الباقي، فيقرره المسؤولون: أي الحكومة والأكثرية والناس… وطبعاً الشرعية! فليس لنا أن نملي شيئاً سوى أسئلة واضحة برسم أجوبة واضحة! سوى أن نقول: كل قمة بلا لبنان يشارك برئيسه هي قمة الحضيض… واللاشيء… والهذيان الخطابي غير البليغ!