خطة حكومة السنيورة البعيدة المدى
سليم نصار
عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانسحاب القوات السورية من لبنان، ألقى السيد حسن نصر الله، أمين عام “حزب الله” خطاباً ندد فيه بعملية الاغتيال، وامتدح دور الفقيد لأنه في نظره، كان رجلاً وطنياً مؤيداً للمقاومة ومسانداً لمواقفها.
وخشية ان ينعكس خروج سوريا على مهمة “حزب الله” داخل لبنان، شكر السيد نصر الله للشقيقة دعمها الكامل للمقاومة في الجنوب، رافضاً الامتثال للهياج الشعبي الذي شكل بداية الفرز السياسي بين فريقين وتيارين ونهجين. وكان بهذا التأكيد يرمم علاقة التماسك مع دمشق، ويرسم خطاً ايديولوجياً – استراتيجياً يفصل دور “حزب الله” الثورة عن دور لبنان، الدولة.
وخشية ان ينعكس خروج سوريا على مهمة “حزب الله” داخل لبنان، شكر السيد نصر الله للشقيقة دعمها الكامل للمقاومة في الجنوب، رافضاً الامتثال للهياج الشعبي الذي شكل بداية الفرز السياسي بين فريقين وتيارين ونهجين. وكان بهذا التأكيد يرمم علاقة التماسك مع دمشق، ويرسم خطاً ايديولوجياً – استراتيجياً يفصل دور “حزب الله” الثورة عن دور لبنان، الدولة.
وبما ان قيادة “حزب الله” تعتبر نفسها احدى أهم ركائز المواجهة ضد المشروع الاميركي في الشرق الاوسط، فإن حكومة السنيورة ترى في عملية المحافظة على نفوذ سوريا وايران في لبنان، تهميشاً لدور الدولة ومؤسساتها الرسمية. كما ترى ان الثلث المعطل الذي تطالب به جماعة 8 آذار، يمثل القيد السياسي الذي يمنع الجيش من تسلم دور المقاومة المسلحة، ويمنع الدولة من استرداد قرار السيادة المستقل عن المشروع السوري – الايراني في لبنان والعراق وفلسطين.
في ضوء هذا الواقع، يمكن تفسير الخلاف العميق الذي يحول دون انتخاب رئيس للجمهورية، كعمل هادف يعرقل عمل الدولة ويربك النظام. ومثل هذا الخلاف السياسي المستحكم أدى الى نسف مختلف الوساطات والمبادرات العربية والدولية التي تعين حكومة السنيورة على الخروج من أسر الحصار المفروض عليها من قبل المعارضة. اي الحصار المتمثل اقتصادياً وأمنياً بالاعتصام في وسط بيروت التجاري، وبـ”اللاءات” التي يطلقها العماد ميشال عون ضد مختلف حلول الوفاق.
لهذه الاسباب وسواها بدأت حكومة السنيورة تستعد لاعتماد خطة بعيدة المدى، يمكن ان تصل مدتها الى نهاية عهد الرئيس الاميركي جورج بوش، وقد شجعها على دراسة هذا الخيار إصرار المعارضة على تعطيل كل حل ونسف كل وساطة، خصوصا ان دمشق لا تخفي نيتها انتظار نهاية عهد بوش كي تباشر في تسهيل عملية انتخاب العماد ميشال سليمان او سواه. وحجتها ان اي رئيس سيكون افضل من بوش. وهي تراهن على فوز واحد من الحزب الديموقراطي لعلها تشاركه في انتقاء رئيس لبناني متعاون معها ومع جماعتها في المعارضة. وغالب الظن انها تتوقع نجاح باراك اوباما الذي وعد في خطاباته بالانسحاب من العراق واعتماد سياسة منفتحة على سوريا وايران.
كذلك تتوقع دمشق بعد انتخاب هيلاري كلينتون ان تحيي سياسة زوجها الذي خص سوريا والقضية الفلسطينية بقسط كبير من الاهتمام.
وعليه يرى رئيس الوزراء فؤاد السنيورة انه من المفيد رسم سياسة طويلة الأمد لتحاشي العثرات الاقتصادية والامنية التي يمكن ان تنشأ عن فراغ الرئاسة، أو عن الخلل السياسي الناتج عن التشكيك بشرعية الحكومة وبدور مجلس النواب. وقد أدى هذا التشكيك الى منع الدولة اللبنانية من ان تكون المرجعية الدستورية الوحيدة. علماً بأن جميع دول العالم – ما عدا سوريا وايران – تتعامل مع حكومة السنيورة من موقع الاعتراف بشرعيتها، ولو ان ميشال عون، يتهمها بفقدان ميثاقية العيش المشترك بعدما فقدت ممثلي الشيعة. ولكن سوريا تجاوزت هذه العقدة، وقررت دعوة فؤاد السنيورة الى قمة الدول العربية بواسطة الوزير المستقيل فوزي صلوخ.
كان من الطبيعي أن تثير دعوة السنيورة إلى القمة العربية في دمشق السبت المقبل، جدلاً بين أعضاء جماعة 14 آذار حول طريقة التعاطي مع هذا الموضوع. ففي حين يرى بعضهم ضرورة اظهار المرونة لعل حضور السنيورة يكسر طوق العزلة ويعبد الطريق أمام انتخاب الرئيس… يرى وليد جنبلاط ان دمشق ستستغل هذا الحضور لمواصلة مسلسل الاهانات، وهو يلتقي مع الدكتور سمير جعجع المطالب بمقاطعة قمة دمشق على مختلف المستويات، لأن سوريا لا تعترف بشرعية المدعو، وإنما تتعامل معه كأمر واقع. وفي رأي الوزير مروان حماده ان الطريقة التي استخدمتها سوريا لتوجيه الدعوات تتناقض والاعراف المتبعة والاصول المرعية في ميثاق الجامعة العربية. والدليل انها اقحمت موقفها السياسي بالنسبة الى مصر والسعودية، وعبّرت عن خلافها مع أكبر دولتين عربيتين بأسلوب ينكره حق الاستضافة.
وحول هذه المسألة يلتقي الأمناء العامون للجامعة، لأن الدولة المضيفة هي مجرّد موقع تجمع لا تملك قانونية تصنيف الدول الأعضاء، وعليه يرى الوزير حماده أنه ليس من المنطقي حضور الرئيس السنيورة، ما دام العاهل السعودي والرئيس حسني مبارك ربطا حضورهما بحل موضوع الرئاسة في لبنان.
تقول مصادر المعارضة انها قد تختار العماد ميشال عون للذهاب الى دمشق في حال قرر رئيس الوزراء السنيورة تلبية الدعوة. وربما يتسلح بفكرة المشاركة بحيث يظهر التباين حول قانونية التمثيل في “السيرك” اللبناني الواسع.
ويتردد في بيروت ان الوزارة قد تشهد عملية ادخال وزيرين جديدين بينهما الرئيس السابق أمين الجميل الذي يحل محل بيار الجميل ولده الذي اغتيل. ويزعم المقربون من السنيورة ان توسيع الوزارة يفتح امام فرصة التمثيل برئيس جمهورية سابق في قمة دمشق، الأمر الذي يؤمن مستوى التمثيل. ولكن جماعة الرفض القاطع للمشاركة تخشى استحضار اتفاق 17 أيار لشن حملة ضد تمثيل الحكومة بوزير أثار خلافات كبيرة في السابق.
الرئيس السابق أمين الجميل نفى علمه بما تردد حول تعيينه وزيراً خلفاً لنجله الشهيد بيار، وترؤسه الوفد اللبناني الى القمة العربية.
الرئيس السابق أمين الجميل نفى علمه بما تردد حول تعيينه وزيراً خلفاً لنجله الشهيد بيار، وترؤسه الوفد اللبناني الى القمة العربية.
واعرب عن مخاوفه من استمرار الفراغ الرئاسي، متهما بعض نواب المسيحيين بالمشاركة في تثبيت خطوة يعتبرها “انتحارية” لأنها تشجع على تغيير النظام.
المسؤولون السوريون لا يعيرون هذه التصرفات أي اهتمام، لاقتناعهم بأن القمم العربية لم تنجح في رأب الصدع بين الدول الأعضاء، ولم تحرز أي تقدم على الصعيدين السياسي والاقتصادي. وهم يتمنون النجاح لأول قمة تعقد في دمشق منذ تأسيس الجامعة عام 1954، ولكنهم غير مستعدين للتنازل عن المواقف المبدئية ارضاء للمشتركين. وفي تصورهم ان الترتيب الأبجدي الدوري الذي اقترحه الشيخ زايد، فرض عليهم استضافة قمة لا يريدونها، ويفضلون عليها القمم الثنائية مع الايراني احمدي نجاد أو التركي عبد الله غول أو العراقي جلال الطالباني.
بقي السؤال الكبير المتعلق بمستقبل الحكومة والمعارضة الى حين انتخاب رئيس جديد بعد سنة تقريباً؟
المعارضة اللبنانية مرتاحة جداً الى وضعها السياسي والى تماسكها الداخلي، والى التطورات الاقليمية والدولية التي تنبئ بتراجع النفوذ الأميركي. وفي رأي العماد ميشال عون، إن المبادرات الاجنبية والعربية لن تنجح إلا اذا وافق عليها “حزب الله” وحلفاؤه”. وهي تتطلع الى مستقبل افضل بسبب تعثر المشروع الأميركي في العراق وفلسطين، الأمر الذي يساعدها على تحقيق أهدافها باسقاط حكومة السنيورة وصوغ علاقات متينة مع سوريا وايران.
الرئيس السنيورة الذي يتهيأ مند مدة لتسلم مركز مرموق في مؤسسة مالية عالمية، كان يتوقع من القمة الاسلامية في “دكار” ان تعينه على حلحلة الازمة قبل انعقاد القمة العربية. وقد سعى مع أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى، الى احياء مبادرة وزراء الخارجية العرب، ولكنه اصطدم بممانعة الدول المتعاطفة مع ايران وسوريا. وهكذا قيض له ان يتجاوز الانتكاسة السياسية من طريق التحذير من تصدّع وحدة لبنان اذا ما استمر منصب رئاسة الجمهورية في التآكل والتشظي.
وكان يتمنى ان يكرر تحذيره داخل قمة دمشق لايمانه بأن اهمال المسألة اللبنانية سيعرض دول الجامعة العربية لمخاطر سياسية جمة. ذلك ان لبنان يحتل منزلة العمود الفقري داخل منطقة الشرق الأوسط، خصوصاً ان مهمة رئيسه المسيحي كانت مساعدة العرب على الاستفادة من دوره المميز. لهذا السبب اقترح الملك فيصل بن عبد العزيز في قمة الجزائر ان يمثل العرب الرئيس الماروني سليمان فرنجية في دورة الأمم المتحدة عام 1974. ولهذا امتنعت كل الصحف الاميركية عن نشر كلمته الموجزة لأنها تمثل نقيض ما يروّجه “اللوبي اليهودي” ضد المسلمين.
وقد وصف الخطاب الذي كتبه الرئيس شارل حلو بالتعاون مع القيادات الاسلامية اللبنانية، بأنه “احتجاج صارخ يناقض الأكاذيب التي زرعتها الصهيونية في أفكار الغربيين”.
من هنا مطالبة الدول العربية، بالاسراع في انتخاب رئيس للجمهورية اللبنانية الموحدة قبل أن يتحوّل الوطن الصغير الى نسخة ثانية عن أزمة كوسوفو وصربيا…