قمة دمشق: رفض عربي للخطط السورية – الإيرانية ولا حماية للأسد ولا مصالحة معه قبل تغيير سياساتهنقلا عن موقع “سورية الحرة”: “عقد القمة العربية في دمشق ليس انتصاراً للنظام السوري او مكافأة له على مواقفه، اذ ان الزعماء والمسؤولين العرب لن يشاركوا فيها استجابة لمبادرة قدمها الرئيس بشار الاسد بل سيأتون استجابة لقرار عربي رسمي اتخذوه هم بعقد هذه القمة السنوية في العاصمة السورية على المداورة بين الدول في استضافة القمم وفقاً لميثاق الجامعة العربية وتعزيزاً للعمل العربي المشترك.
وبشار الاسد ليس هو من سيفرض على الدول العربية القرارات التي ستصدر عن قمة دمشق، ولن يكون هو المحرك الرئيسي لهذه القمة، اذ ان قراراتها ستكون عربية لا سورية. وسيشارك جميع المسؤولين العرب في إعدادها وصياغتها والتفاهم في شأنها. وبشار الاسد ليس جمال عبد الناصر ولن يقود العمل العربي المشترك في هذه المرحلة او في المرحلة المقبلة، بسبب عدم ثقة الكثير من الزعماء العرب به وبسبب رفض غالبية الدول العربية سياساته وخياراته وتحالفاته. وستكون دمشق خلال يومي انعقاد القمة مجرد “قاعة” يجتمع فيها المسؤولون العرب لتأكيد واعلان مجموعة قرارات ومواقف تتعلق بالقضايا التي تهمهم والتحديات التي تواجههم، ويمكن ان يتخذوها في اي عاصمة اخرى”.
هذا ما اكده لنا مسؤول عربي كبير معني مباشرة بهذه القضية. وكشف ان دولاً عربية بارزة ومؤثرة رفضت اخيراً اقتراحاً قدمته اليها دولة عربية وثيقة الصلة بسوريا يقضي بتحقيق مصالحة عربية شاملة مع نظام الاسد وطي صفحة الخلافات معه من دون شروط مسبقة وبحيث تتم هذه المصالحة في قمة دمشق وهذا يتطلب مشاركة جميع الزعماء العرب فيها. كما ان هذه الدولة شددت على ان هذه المصالحة ستساعد على تسوية قضايا عدة في المنطقة وستعزز الموقف العربي الموحد سواء في التعاطي مع ايران او مع الدول الكبرى.
وذكر المسؤول العربي الكبير ان الدول العربية المعنية بالامر رفضت هذا الاقتراح لانه يهدف، في تقديرها، الى تحقيق مكاسب سياسية لنظام الاسد والى تأمين مصالحه واهدافه على حساب مصالح دول وشعوب اخرى تعاني من اعماله وممارساته. ووفقاً لما قاله لنا ديبلوماسي عربي مطلع “ان هناك اقتناعاً لدى الدول العربية المؤثرة بأن الانفتاح على نظام الاسد والتساهل معه لم يساعدا على تسوية الازمة اللبنانية او على توحيد الصف الفلسطيني بل دفعا الرئيس السوري الى التشدد واستغلال الانفتاح عليه لمحاولة تنفيذ اهدافه. ورفضت هذه الدول المعنية الاقتراح ايضاً لانها ليست راغبة في مصالحة “شكلية” مع سوريا تسمح لنظامها بمواصلة سياساته الحالية المدمرة في لبنان وفلسطين وعلى صعيد المنطقة عموماً، ولان المطلوب ليس ان تأتي الدول العربية الى سوريا بل ان تعود سوريا الى الصف العربي لان قيادتها هي التي ارتكبت مجموعة اخطاء كبرى واساءت الى العمل العربي المشترك. والمطلوب بالتالي من نظام الاسد ان يأخذ هو المبادرة ويقوم بالخطوة الاولى نحو المصالحة فيتراجع عن سياساته المسيئة الى العمل العربي المشترك ويثبت ذلك فعلياً من خلال قيامه بدفع حلفائه اللبنانيين الى تطبيق المبادرة العربية من دون طرح شروط تعجيزية، وهو ما يجب ان يؤدي الى انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية، تمهيداً لتشكيل حكومة وحدة وطنية وفقاً للاصول الدستورية.
رفض الاستغلال السوري للقمة
واكدت مصادر دبلوماسية عربية مطلعة على ترتيبات عقد هذه القمة وعلى الاتصالات الجارية في شأنها، ان النظام السوري يحاول اعطاء الانطباع بأن مجرد انعقاد القمة في دمشق هو انتصار للاسد وهزيمة لخصومه ومعارضيه، لكن هذا التصوّر السوري خاطئ ويتناقض مع حقائق الامور، وذلك للاسباب الاساسية الآتية:
اولاً، قمة دمشق لن تكون قمة التحوّل في المواقف العربية حيال القضايا المطروحة، ولن تأتي قراراتها منسجمة مع سياسات نظام الاسد وتوجهاته، بل تم التفاهم مسبقاً بين عدد من الزعماء العرب على رفض الاستغلال السوري لهذه القمة من خلال التمسك بصدور قرارات منسجمة كلياً مع ما تريده المجموعة العربية وخصوصاً الدول العربية المعتدلة والمؤثرة فيها، بحيث تشكل استمراراً واستكمالاً لقرارات قمة الرياض التي عقدت العام الماضي. وسيرفض الزعماء والمسؤولون العرب ان تتبنى قمة دمشق اي “موقف سوري” حيال اي قضية يتعارض مع توجهات المجموعة العربية.
ثانياً، هناك اتفاق عربي غير معلن على احباط اي محاولة سورية لدفع قمة دمشق الى تبني مفهوم السلطتين في كل من لبنان وفلسطين. فالنظام السوري يرفض فعلياً ورسمياً الاعتراف بالسلطة الشرعية اللبنانية الحالية التي تمثلها حكومة فؤاد السنيورة وتدعمها الغالبية الاستقلالية وسائر دول العالم، ويرى ان هناك سلطتين في لبنان، سلطة الغالبية وسلطة المعارضة، ويريد من الدول العربية التعامل معهما بشكل متساو بحيث تحصل المعارضة المرتبطة بدمشق على الحقوق والصلاحيات ذاتها التي تحصل عليها الغالبية لدى تشكيل تركيبة الحكم الجديدة. وهذا الموقف السوري يتعارض مع الدستور اللبناني ومع مقومات النظام الديموقراطي ومع ارادة الشعب في هذا البلد. وهناك معارضة عربية واسعة لهذا الموقف السوري وتصميم عربي على دفع قمة دمشق الى تبني قرار حول لبنان يؤكد الدعم لاستقلاله وسيادته والتأييد للسلطة الشرعية التي تمثلها حكومة السنيورة، ويطالب بتطبيق قرارات مجلس الامن وبالتمسك بالمحكمة الدولية ويرفض ضمناً التفسير السوري للمبادرة العربية الهادفة الى حل الازمة اللبنانية. وبالنسبة الى فلسطين يرفض النظام السوري فعلياً الاعتراف بالسلطة الوطنية التي يقودها الرئيس محمود عباس على اساس انها السلطة الشرعية الوحيدة بل يدعو الى التعاطي مع سلطة “حماس” على قدم المساومة مع سلطة عباس. وهذا الموقف السوري مرفوض عربياً ايضاً اذ ان المجموعة العربية تعترف بسلطة شرعية فلسطينية واحدة هي تلك التي يقودها عباس وتدعو “حماس” للعودة اليها بما يحقق الوحدة الفلسطينية ويعزز الموقف الفلسطيني. وهذا الموقف العربي هو الذي ستعكسه قرارات قمة دمشق التي لن تتبنى توجيهات “حماس” وانقلابها على السلطة الوطنية الشرعية.
ثالثاً، حاول المسؤولون السوريون التقليل من اهمية القضية اللبنانية من خلال التركيز على ان قمة دمشق ستكون “قمة فلسطين” لكن الدول العربية المعنية رفضت هذا التوجه، من جهة لان فلسطين هي دائماً وفي كل القمم القضية الاولى او الاساسية وذلك بتوافق جميع الزعماء العرب، ومن جهة اخرى لان المجموعة العربية تتعاطى مع لبنان على اساس أنه “قضية اقليمية استراتيجية” تمس موازين القوى في المنطقة. ولذلك فأن هناك تأكيداً عربياً بأن القضية اللبنانية لن تذوب ولن تضيع في قمة دمشق بل ان هذه القمة ستعكس في قراراتها، سواء صراحة او ضمناً، الرفض العربي لمساعي نظام الاسد القضاء على استقلال لبنان وفرض هيمنته عليه والتصرف به وبشعبه كما يريد، واحباط عمل المحكمة الدولية.
لا دعم لنظام الاسد ولا حماية له
رابعاً، قمة دمشق لن تشهد المصالحة العربية – السورية ولن تبدل في شيء طبيعة العلاقات المتأزمة بين عدد من الدول العربية البارزة والمؤثرة والنظام السوري. وهذه القمة لن تقدم اي نوع من الدعم او المساندة لاستراتيجيا الاسد وخططه المستندة اساساً الى التحالف العضوي الوثيق مع القيادة الايرانية والقوى المتشددة في المنطقة بما يتعارض جوهرياً مع المصالح العربية الحيوية، بل ان العلاقات بين عدد من الدول العربية المؤثرة والنظام السوري ستظل متوترة او فاترة بعد قمة دمشق الى ان يجري هذا النظام تغييرات اساسية وجذرية في سياساته اللبنانية والفلسطينية والاقليمية استجابة للمطالب العربية.
خامساً، عقد القمة العربية في هذا الوقت هو مصلحة عربية في الدرجة الاولى وليس مصلحة سورية او ايرانية، وخصوصاً في ضوء التفاهم بين عدد من الزعماء العرب على رفض اعتماد اي موقف، سواء في هذه القمة أو غيرها، يتعارض مع التوجهات العربية ومع مصالح اللبنانيين والفلسطينيين وغيرهم من الذين يعانون من السياسات السورية الخاطئة والمؤذية. ووفقاً لما قاله لنا مسؤول عربي بارز: “ان اهم ما في عقد القمة العربية الآن وفي دمشق هو ابراز وجود مواقف عربية من القضايا المختلفة تحددها المصلحة العربية العليا وليست مصلحة سوريا وحلفائها، وابراز وجود موقف عربي مشترك على رغم محاولات ايران وحلفائها اضعاف هذا الموقف واحداث اختراقات او ثغر فيه لكي تتمكن الجمهورية الاسلامية من تغيير موازين القوى في المنطقة لمصلحتها. وضمن هذا الاطار ستتمسك قمة دمشق بمبادرة السلام العربية مجدداً وستوجه في الوقت نفسه تحذيراً الى اسرائيل من اضاعة فرصة السلام هذه”.
سادساً، قمة دمشق لن تؤمن اي حماية لنظام الاسد من المحكمة الدولية المكلفة النظر في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، ولن تقدم الى هذا النظام اي مساعدة من اي نوع تسمح للمسؤولين السوريين وحلفائهم اللبنانيين المتورطين في هذه الجريمة الارهابية بالافلات من المحاسبة والعقاب. وفي هذا المجال اكدت لنا مصادر ديبلوماسية عربية وثيقة الاطلاع ان دولة عربية نقلت فعلاً الى الادارة الاميركية اخيراً عرضاً من النظام السوري يدعو الى عقد “صفقة ما” حول جريمة اغتيال الحريري تؤمن الحماية له وللمسؤولين السوريين المتهمين بالتورط في هذه الجريمة، وهو عرض رفضته واشنطن بشكل قاطع، لكن هذه الدولة العربية حرصت في الوقت نفسه على القول للمسؤولين الاميركيين انها ترفض الدفاع عن النظام السوري او تبنّي موقفه وانها تكتفي بنقل رسالة منه الى واشنطن وانها ملتزمة كسائر الدول المعنية دعم عمل المحكمة الدولية لكي تواصل مهمتها الى النهاية من اجل معاقبة قتلة الحريري.
سابعاً، قمة دمشق لن تشكل نقطة انطلاق لتحرك عربي جديد يساعد على تحسين علاقات نظام الاسد المتوترة مع الدول الغربية المؤثرة وعلى رأسها اميركا وفرنسا، بل ان هناك تفاهماً بين عدد من الزعماء العرب على معارضة صدور اي قرار عن هذه القمة يؤكد الدعم والمساندة لنظام الاسد في المواجهة القائمة بينه وبين دول عدة معنية بمصير لبنان وبمسار الاوضاع في المنطقة. كما ان الدول العربية المؤثرة ترفض ان يستغل نظام الاسد هذه القمة بأي شكل من الأشكال لمحاولة تصفية حساباته مع الولايات المتحدة ومع دول اخرى تعارض سياسات وتوجهاته، بل ان اي قرار سيصدر عن قمة دمشق في شأن الموقف من السياسة الاميركية او من سياسات هذه الدولة الاجنبية او تلك سيكون نابعاً من موقف عربي موحد متفق عليه مسبقاً وليس من موقف سوري مفروض على العرب.
ووفقاً لما قاله لنا ديبلوماسي عربي مطلع: “في النهاية ستكون قمة دمشق قمة الرفض العربي الضمني او الصريح لاستراتيجيا التغيير في موازين القوى التي يعتمدها المحور السوري – الايراني وحلفاؤه من المتشددين ولخطط هذا المحور. ذلك ان قمة دمشق ستتبنى قرارات عربية الصنع والتوجه والمضمون تتعلق بلبنان والعراق وفلسطين وايران وقضايا المنطقة عموماً وتستند الى الشرعيتين العربية والدولية والى قرارات القمم العربية السابقة وقرارات مجلس الامن وليس الى توجهات القيادتين السورية والايرانية وتعليماتهما. وهذا انتصار سياسي وديبلوماسي تحققه المجموعة العربية ككل على المحور السوري – الايراني وحلفائه وفي قلب دمشق بالذات. وليس امام نظام الاسد من خيار سوى تقبّل هذا الواقع والرضوخ للموقف العربي الجماعي لان هذا النظام ليس هو الذي يقود العمل العربي المشترك”.
عبد الكريم ابو النصر