ما يقوله السفراء
احمد عيّاش
من المفيد جداً ان تقرأ وثائق سفراء او شهاداتهم حول تجاربهم او ذكرياتهم عن لبنان، فكيف اذا كان هؤلاء بريطانيون: بيتر واكفيلد (لبنان) وجيمس كريغ (سوريا)، واميركيان: أبريل غلاسبي (العراق وسوريا)، وجيفري فيلتمان (لبنان)؟
صحيفة “الشرق الاوسط” بدأت قبل اسابيع نشر مختارات من الوثائق السرية البريطانية بعد عامين على اندلاع حرب لبنان 1975، أي عام 1977، وفيها مراسلات كل من السفير في لبنان والسفير في سوريا مع الخارجية البريطانية. السفير واكفيلد في بيروت كتب في بداية ذلك العام انه “ربما ينجر السوريون نحو تدخل متزايد، وسيجدون ان من الصعب تحمل الحرية الخارجة من الفوضى في لبنان، وهي حرية نادرا ما تمتعت بها سوريا أو فهمتها، وسيتعرضون لاغراء ان يحولوا صورة لبنان الجديدة صورة سورية”.
وبعد أشهر قليلة يبعث واكفيلد الى خارجية بلاده بمذكرة حول حديث ا جراه مع وليد جنبلاط الذي قال “ان المشكلة مع السوريين انهم يريدون عملاً وليس حلفاء”.
ثم يكتب السفير البريطاني في منتصف ذلك العام: “(…) الرئيس (الياس) سركيس يظهر الآن قلقا حيال النيات السورية. وعلى سبيل المثال. فهم لا يساعدون في اعادة بناء الجيش”.
اما السفير في دمشق فيكتب في ايلول 1977 تحت عنوان: “الاهداف السورية في لبنان”: “السوريون يريدون الخروج (من لبنان) ولكن بخروجهم فهم يريدون الاحتفاظ بقدر ما يستطيعون بالكثير جداً من تأثيرهم (…) وسوريا سترغب في حصة من الازدهار الاقتصادي اللبناني قبل 1975”.
ومن السفيرين البريطانيين الى السفيرين الاميركيين غلاسبي التي اشتهر أسمها لكونها آخر سفيرة اميركية في بغداد قبل ذهاب الرئيس العراقي السابق صدام حسين الى غزو الكويت، روت لـ”الحياة” في المقابلة التي أجرتها الزميلة رندة تقي الدين معها في الولايات المتحدة ونشرتها في منتصف الجاري، عن تجربتها كمسؤول ثان في السفارة في دمشق عام 1985: “(…) فجأة ارسل الايرانيون سفيراً كان يعرف برجل المهمات القذرة في طهران. وكانت النكتة الشائعة عنه انه يمكن ان يفتح عن طريق الخطأ رسالة فخخها بنفسه. وبعد وصوله كنا نرى ارتالا من السيارات التي تحمل لوحات لبنانية وتنقل أشخاصاً مثل (السيد حسن) نصرالله وغيره. فكان يعمل على تأسيس “حزب الله” تحت أنوفنا وكنا نرى ذلك”.
السفير فيلتمان الذي انتقل من السفارة في بيروت قبل اسابيع الى منصب نائب مساعد وزيرة الخارجية الاميركية لشؤون الشرق الادنى في مقر الوزارة بواشنطن قال الاربعاء الماضي في مداخلة له في مركز “صابان” التابع لمعهد بروكنغز للابحاث انه ارسل مذكرتين الى الخارجية الاولى في 13 آذار 2005 والثانية في تموز 2005. في الاولى يروي كيف كان يجري البحث مع الامم المتحدة عن السبل الكفيلة بسحب الجيش السوري الى سهل البقاع قبل الانتخابات النيابية التي كانت مقررة في ربيع ذلك العام كي يأتي “برلمان مستقل يطالب بانسحاب سوري كامل في ما بعد”. واضاف انه لم يكن يعرف انه في اليوم التالي (14 آذار) سينزل “ثلث الشعب اللبناني” الى الشارع كيف يفرض انسحابا سوريا كاملا. اما المذكرة الثانية ففيها: “مع حلول تموز 2005، كان الجيش السوري قد انسحب ومكاتب المخابرات السورية اقفلت (…) وأدت الانتخابات النيابية الى المجيء بأكثرية برلمانية جديدة تدعم الاستقلال”.
هذا غيض من فيض مذكرات ووثائق وحوارات، لن يماط اللثام عنها كاملة قبل زمن طويل. لكن من عاش أطول حروب لبنان وأزماته في التاريخ المنظور والمكتوب على السواء، يستطيع ان يعيد رسم الخطوط بين النقاط المتفرقة. ويا حبذا لو ان سفيرا ايرانيا ما في بيروت او دمشق يقدم الينا روايته حول ما جرى ويجري في هذه البلاد. ولكن من المستحيل التمني بظهور رواية سورية كاملة على ألسنة اصحابها وهم لا يزالون في الموقع نفسه يروون بسلوكهم لا بكتاباتهم ما حدث ويؤكدونه منذ ان بعث السفيران البريطانيان بمذكراتهما عام 1977 الى حين بدأ السفيران الاميركيان يتذكران بين عامي 1985 و2008