لبنان والقمة في دمشق
عبدالله اسكندر
عبدالله اسكندر
ليس حضور ممثلين عن لبنان القمة العربية المقررة في دمشق بعد أيام، في ظل الأزمة الراهنة، مجرد انعكاس لخلاف داخلي وأزمة انتخاب رئيس. وليس بسبب خلاف لبناني – سوري على مسألة تتعلق بالعلاقات بين البلدين. إنها حصيلة تراكم طويل للممانعة في التعامل مع «لبنان الدولة»، سواء من جانب لبنانيين تعبّر عنهم حاليا قوى المعارضة، أو سواء من «سورية الدولة» التي تحاول تصحيح «الخطأ التاريخي» المتمثل بإعلان «دولة لبنان الكبير» في مطلع القرن الماضي.
الرواية المعروفة عن تشكيل دولة لبنان الحديث، في ظل الانتداب الفرنسي للبنان وسورية، تكاد تكون كامنة في كل اشكال الجدل السياسي المتعلق بالأزمة الحالية، في كيفية الحكم واختيار الرئيس وفي التوجهات السياسية الداخلية وفي العلاقات الخارجية للبنان. وما التشديد من الاكثرية الحالية على رفض «عودة عصر الوصاية» ومن المعارضة على «العلاقات الاستراتيجية مع سورية» إلا التعبير الأفصح عن هذه المشكلة. رغم ان اتفاق الطائف لم ينجح في وضع حد للحرب الأهلية السابقة إلا على قاعدة «وحدة المسارين»، وترجمة هذه الوحدة بالمواجهة مع اسرائيل، وما أدت اليه من حصر المواجهة في لبنان وحصر حق السلاح في «حزب الله»، من جهة. ومن جهة ثانية، ضبط الحكم في لبنان ومؤسساته على وقع متطلبات هذه الوحدة، على نحو اعطى لموجبات هذه الوحدة حق التدخل والتغيير في اي قرار من الدولة اللبنانية، حتى لو كان تفصيليا.
وجاءت «وحدة المسارين» لتطوي، في اللغة السياسية لدى سورية، صفحة الرفض السابق لاتفاق سايس – بيكو، ما دامت تضمن حقها في النظر في قرارات الدولة اللبنانية. وهذا ما فعلته خلال وجودها العسكري المباشر في لبنان. وبعد الخروج انتقل هذا الحق الى حلفائها الذين تضخمت قوتهم وادوراهم بفعل «وحدة المسارين». بكلام آخر، تخلت سورية عن «حق تاريخي» في الاقضية الاربعة، بحسب الرواية الشائعة عن تشكيل الدولة اللبنانية، في مقابل التمسك بحقوق وفرتها «وحدة المسارين».
وفي هذا الإطار تمكن قراءة الأزمة الحكومية اللبنانية، وبعدها أزمة اقفال مجلس النواب، وبعدها أزمة انتخاب رئيس الجمهورية. فالأزمات الثلاث لم تكن لتطرح اصلاً لو تم اعتماد الآليات الدستورية اللبنانية. لكن امتناع حلفاء سورية عن تفعيل هذه الآليات يكشف ان الاعتراف بالدولة اللبنانية مربوط بتلبية هذه الدولة لموجبات «وحدة المسارين» والعلاقات «المميزة». وحتى مجرد صيغة «حلفاء سورية» والعلاقة الاستراتيجية معهم يظهر ان ثمة شوطا طويلا امام الدولة اللبنانية لتكون في مصاف العلاقة الطبيعية مع سورية. وإلى ان تقطع الدولة اللبنانية هذا الشوط، وتلبية الموجبات المطلوبة، لن تقبل دمشق بإقامة علاقات ديبلوماسية مع بيروت، وهذا ما تصرح به على الأقل.
لم يعد خافيا ان دمشق تفاوض الوسطاء لحل الازمات اللبنانية باسم حلفائها. وفي الشروط التي تضعها في هذه المفاوضات ما يعطي الحق لحلفائها (أي لها) في منع أي قرار لبناني تتخذه حكومة الاكثرية الحالية. ولن يوافق هؤلاء الحلفاء على انتخاب رئيس ما لم يضمنوا هذا الحق (عبر الثلث المعطل في الحكومة). اي ان دمشق لن تستقبل رئيساً لبنانياً في القمة العربية الاولى التي تستضيفها ما لم يلتزم سلفاً بضمان هذا الحق، حتى ولو تعارض مع تحكيم آليات الدستور اللبناني.
الجانب الآخر من هذا الواقع هو التجاهل التام لما شهده العالم منذ تشكيل الأمم المتحدة التي تعتبر وظيفتها الاولى الحفاظ على سيادة الدول حتى تلك التي وضع الاستعمار حدودها. ونتيجة لذلك، لا تأخذ القرارات والممارسات التي ترعاها شرعة الامم المتحدة اي معنى في العلاقة اللبنانية – السورية. ولا يخفي تسويغ هذا التجاهل بالسياسة الاميركية والغربية في المنطقة وباستمرار الصراع مع اسرائيل، الالتفاف على مسألة قائمة بذاتها تتمثل بالاعتراف بالدولة اللبنانية وسيادتها داخل حدودها الدولية.
وبغض النظر عن قرار الحكومة اللبنانية ارسال من يمثلها في القمة، فإن مجرد استمرار ازمة انتخاب رئيس لبناني، منذ اكثر من اربعة شهور سابقة على انعقاد القمة، رسالة الى العرب خصوصا مفادها ان مؤسستهم جامعة الدول العربية لا تتمتع بأي شرعية لحماية دولة هي عضو مؤسس فيها.