عارُ أن يبقى المسيح في القبر
الاب ميشال سبع
يقول الملافنة عند المسيحيين ان الفصح يعني العبور وفي ترجمته اللاهوتية يعني العبور من الموت إلي الحياة تيمناً بالمسيح الذي عبر الموت بالقيامة حيث تقول الانشودة “المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت ووهب الحياة للذين في القبور”. وهو أيضاً الترجمة المسيحية للفصح اليهودي الذي كان الوجبة الأخيرة التي طلبها موسى بايحاء من الشعب العبري ان يأكلها وهي حمل لم يجاوز السنة من عمره، وان يأكلوه كله ويأكلوا معه خبزاً فطيراً بغية العجلة لأنهم سيخرجون من مصر وان الرب شق لهم البحر الاحمر بحسب رواية العهد العتيق حيث عبروا من هناك إلى صحراء سينا إلى الأرض التي طالما حلموا بها.
إذاً العبور من البحر الاحمر إلى العبور في نهر الأردن حيث كان اليهود يعتمدون من يوحنا ليخرجوا من حالة الخطيئة إلى البرارة إلى عبور المسيح من الموت إلى الحياة كلها تصب في مصب واحد هو الفصح. ولعل اللغة العربية السامية والغنية يمكنها ان تساهم في شرح العلاقة بين الفصح والعبور، فالفعل الرباعي افصح عن الشيء أي عبّر عنه أي اخرجه من حالته الذاتية إلى الحالة العامة وبالتالي فالتعبير أي الافصاح عن عبور من حالة حفظ الكلمة إلى نشرها أي مرورها من الداخل للخارج أي من الظلمة للنور.
وعبر النهر أي انتقل من ضفة إلى اخرى وعند المصريين كان الانسان المائت ينتقل بقارب من ضفة إلى ضفة ومن عالم إلى آخر، وتجديداً من الحياة المائتة إلى الحياة الخالدة وهذا ما عبّر عنه فولتير رغم الحاده عندما قال: الحياة نوم والموت يقظة.
وفي العيد، يحتفل المرء للذكرى وللتجديد، وإذا كانت الذكرى هي حدث صار من الماضي الا انه يبقى حاضراً انما يحتاج باستمرار إلى ثوب متجدد، وقيامة المسيح لا يمكن ان تبقى مجرد ذكرى والا لا يعود المسيح حياً بل تحتاج دوماً إلى تجديد وهذا التجديد ليس للمسيح بل لنا نحن الذين نعيّد له لأن قيامة المسيح ليست تخصه بقدر ما تخصنا وهو لا معنى لموته وقيامته ان لم تكن لنا، ولا معنى لنا فيها ان لم نشاركه فيها.
الفصح والعبور مترادفان لنا، فكيف نحقق هذا في واقعنا وعالمنا؟ نحن كمواطنين نؤمن بالمسيح، نعيّد فصحه، نعيش في لبنان اليوم حالة من النزاع الذي يتصارع فيه الموت مع الحياة نريد ان نعبر إلى الحياة، والحياة لا تعني بأية حياة بل حياة فضلى والتي عبّر عنها المسيح بقوله “لقد اتيت كي تكون لهم الحياة وتكون لهم أفضل”.
الحياة الأفضل للمسيحيين لا تعني أبداً ان يحصلوا على امتيازات أكثر أو أن يأكلوا أكثر أو يشربوا أكثر أو يترأسوا أكثر، الحياة الفضلى هي ان يعيشوا بكرامة أسوة بكل الناس وان يعيشوا بحرية أسوة بكل الناس، وان يحققوا لأنفسهم ما يحققوه لغيرهم وان يتمكنوا من رفع شأن وطنهم كي يستحقوه أكثر والحياة الفضلى هي ان يعيشوا الفرح لا القلق والأمن لا التهديد وان يساهموا في الحضارة والتقدم البشري لا ان ينزلوا وينكفئوا، وان ينسوا العداوة وينشدوا السلام وان يتآلفوا مع كل الناس ويحبوا كل الناس والا تغرب الشمس على حنقهم والا يعرفوا الحسد ولا البغض ولا الحقد، وان تكون لديهم الشجاعة كي يطلبوا الغفران إذا خطئوا وكذلك الشجاعة كي يسامحوا إذا اخطأ لهم أحد، هكذا تكون القيامة فعل تجديد حقيقياً لهم، انهم ينتقلون من حالة من يطلب الخلاص من الآخرين إلى حالة تخليص أنفسهم من ضعفهم ووهنهم وارتهانهم انهم يلدون أنفسهم من جديد، يعبرون نهر الذات الانانية إلى ضفة الآخر، يعبّرون عن مقصدهم في المحبة وكما يخرج المسيح منتصراً من قبر وُجد للموت كذلك تخرج من ذاتهم الميتة روح جديدة متجددة ويعبرون عنها بمفاقسة البيض، فكما ان الصوص الحي يخرج من بيضة جامدة كالقبر كذلك تخرج حياة جديدة في كل فصح متجدد.
فصح المسيحيين اليوم في لبنان يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى عبور من الذات للآخر، ومن التشاؤم إلى إرادة الحياة وكما انتصر المسيح على الموت بالوهيته كذا يحتاج المسيحيون ان ينتصروا على ضعفهم وانانيتهم وتفرقهم بروح الالوهة فيهم لأنهم هياكل الروح كما قال لهم معلمهم.
وإذا مرّ فصح دون ان يعبر فيه المسيحيون، فإن غيرهم سيعبر وسيبقون على ضفة الموت ينوحون ضعفهم وهذا ليس مشاركة في فصح المسيح لأنه إذا كان المسيح قد وهبهم الحياة حتى وان كانوا في القبر أي مائتين فهل هناك غد لمسيحيين ما زالوا احياء كي يعبروا، عار على المسيحيين ان يجنزوا المسيح ويدفنوه ويدعونه في القبر وفخر لهم ان يعيدوا معه قيامة حقيقة هم لها مدعوون.