#adsense

البؤس… والبؤساء !

حجم الخط

البؤس… والبؤساء !

راجح الخوري

 

انه البؤس المفتوح على مداه. صارت الاعياد تتسلل الى خارج لبنان على رؤوس اصابعها. فبدلاً من ان يكون الاسبوع الماضي محطة لالتقاط الانفاس كان منطلقا لحبسها، وسط احساس عام بأن البلاد غارقة في مرحلة القلق والترقب التي تسبق وصول العواصف!


وهكذا مرّ عيد الأم الذي يصادف بداية فصل الربيع وهو فصل التجدد ونهوض الحياة، ومرّ عيد المولد النبوي الشريف وعيد الفصح المجيد، وما للعيدين من معاني الرسالة والقيامة والمحبة والتسامح، ولكن الازمة القاتلة استمرت ضاغطة، ليبدأ هذا الاسبوع امس وسط محطات ترفع منسوب القلق الى مداه، ليس لأن الموعد رقم 17 لانتخاب رئيس للجمهورية سقط كورقة صفراء اضافية من شجرة وطن آخذ في التيبس فحسب، بل لأن المبادرة العربية دُفنت وهي حية كما يقال.


دفنت أولاً بسبب الاصرار على اعطائها تفسيرات مناقضة لبنودها وتراتبيتها، عندما اصرت المعارضة على نظرية “السلة المتكاملة” التي تتناقض مع روح الدستور وتنقض جوهر صلاحيات رئيس الجمهورية المسيحي، في حين دعت المبادرة صراحة الى “التتابع المتلاحق”، اي انتخاب الرئيس فورا والمباشرة الفورية بتشكيل الحكومة.


ودفنت ثانيا لأن كل المراهنات التي عقدت على ان تقوم سوريا بتسهيل الطريق امام المبادرة، بحيث يشارك لبنان في القمة ممثلاً برئيس الجمهورية، قد فشلت وهو ما ستظهر نتائجه السلبية على نجاح القمة. وقد كان امس للاعلان عن مستوى تمثيل المملكة العربية السعودية فيها وقع الصاعقة او بالأحرى الكارثة على رغم ما رددته دمشق دائما من ان القمة ستعقد بمن حضر وعلى اي مستوى.


واذا كانت مسألة المشاركة في القمة بالنسبة الى سوريا ليست في اهمية “المصالح السورية في لبنان” على ما صرح المسؤولون تكرارا في دمشق، فإن ذلك يؤكد النظرية  التي ترددت منذ اشهر وهي ان المبادرة العربية دفنت لحظة ولادتها، على قاعدة اصرار دمشق على ان “لبنان مسؤولية سورية” وليس “مسؤولية عربية” كما قال الامين العام للجامعة السيد عمرو موسى.

 

ربما لأن نعي المبادرة العربية كان قد وصل سلفاً الى المعارضة، فاننا نشهد الآن ازدحاما في الاعلان عن مبادرات وتحركات من قيادات معارضة. وهو ما يدخل في باب المضحك المبكي، ليس لأن الحد الادنى من الجدية يقضي بأن تكون للمعارضة مبادرة واحدة حتى ولو كانت للضحك على الذقون، بل لأن ما فشلت فيه المساعي العربية شامل، لا يمكن ان تنجح فيه هذه “المبادرات” التي تهدف عمليا الى تعميق الفراغ بالالهاء وشل حركة الاكثرية والمحافظة على وتيرة التعطيل الى ان نقترب من موسم الانتخابات في بداية السنة المقبلة ويبدأ الضرب بالسيف الذي شهره اول من امس الرئيس نبيه بري، اي المطالبة بحكومة انتقالية يرأسها حيادي تشرف على الانتخابات.

 

اذاً اسبوع الآلام السياسية مستمر على مداه، لا بداية للربيع ولا بوادر تسامح في عيد المولد. ولا امكان قيامة بعد الصليب!


وعلى هذا كان يكفي ان يتأمل المرء في عظات احد الفصح التي لم تكتف بتوجيه الانتقادات الصريحة والواضحة الى السياسيين، بل اتهمتهم بالانانية و”بتعريض الوحدة الوطنية للانتكاس وعدم ثقة احدنا بالآخر وتسليم كل امورنا للآخرين وكأن لا كيان لنا”.


واذا كان البطريرك صفير قد اكتفى بالقول “ان ليس في العيد ما يبعث على الفرح والبهجة (…) ما نشهده من انقسام في الرأي وفرز في الصفوف وتباعد في وجهات النظر وإسفاف في لغة التخاطب وكل هذا لا يطمئن”، فان في ذلك ادانة عميقة لأولئك الذين يوغلون في الخلافات والانقسامات التي تشل الدولة وتدفع بلبنان الى حافة الفوضى والانهيار.

 

لعل ما يعمق المأساة والبؤس، ان هناك في ارجاء المنطقة العربية من يغار على لبنان اكثر من معظم اللبنانيين، ومن يتألم اكثر منا لبقاء هذا الوطن في قبضة هذه الازمة القاتلة التي يزيد من بشاعتها، ان عددا كبيرا من اللبنانيين لا يغلقون ابوابهم في وجه رياح السموم التي تستهدفهم من الخارج بل يمضي بعضهم في النفخ تأجيجا لهذه الرياح.


ان قمة المأساة ان نمضي في تمزيق لبنان بينما هناك اشقاء لنا ينزفون ألماً وقهراً وهم يراقبون ما يجري عندنا. فعندما يتحدث على سبيل المثال الدكتور عبد الرحمن امين جاوه عن دموع سبق ان ذرفها على طريق بكفيا ضهور الشوير ترشيش وهو خارج من بيروت عندما وقعت في قبضة النار والجنون بينما كانت الجبال تردد مع فيروز “بحبك يا لبنان”، من الضروري ان نحس بالاثم من الماضي الذي لم نتعلم منه شيئا”.


وعندما يؤكد جاوه في اسطر تلقتها هذه الزاوية اقتناعه العميق وثقته الراسخة وهو من كبار مديري المصارف في السعودية، بأن لبنان سينهض من جديد وانه يستعيد مكانته كوطن قوي وواحة أمن وحرية لأهله والذين يعشقونه، فإن الامر يجب ان يكون مخجلاً بالنسبة الى الكثيرين من ابناء هذا البلد الذي يتألم الآخرون لمعاناته اكثر مما يتألم كثيرون من ابنائه!
ولكنه البؤس المفتوح على مداه!

المصدر:
النهار

خبر عاجل