#adsense

أي لبنان··· بعد القمة؟!

حجم الخط

أي لبنان··· بعد القمة؟!

صلاح سلام


قبل أقل من أسبوع على موعد انعقاد القمة العربية، ليس ثمة ما يشير إلى نجاح المساعي العربية التي بذلت على أكثر من صعيد، في تنقية الأجواء السياسية والشخصية بين الأشقاء، وتوفير الأرضية المناسبة لانعقاد قمة تكون على مستوى التحديات والأخطار المحدقة بالوطن العربي·


ورغم أن دمشق ربحت الرهان على انعقاد القمة في رحابها وفي موعدها المحدد، من دون أي تأجيل أو تأخير أو حتى تغيير في المكان والزمان، فإن الشق الأهم من الرهان بالنسبة لحضور الكبار الكبار إلى القمة، وبالتالي تأمين الإجماع العربي على قيادة سوريا للنظام العربي خلال فترة رئاسة القمة، ليس مضموناً أن يتحقق، بل لعل هذا الهدف يبدو اليوم أبعد عن الواقع أكثر من أي وقت مضى·

 

والأسباب معروفة، ولا ضرورة للخوض في تفاصيلها مجدداً، طالما بقيت موضوعات الخلاف والاختلاف أقوى من جهود التوافق والتفاهم، ولو على صيغ الحد الأدنى، لمعالجة بؤر التوتر والأحداث الساخنة، خاصة في لبنان وفلسطين والعراق·

حتى محاولة الاكتفاء بتنفيذ البند الأول في المبادرة العربية حول لبنان، والقاضية بانتخاب الرئيس التوافقي العماد ميشال سليمان فوراً، لم يكتب لها النجاح، رغم أنها كانت تصلح لفتح أبواب الحوار الأخوي، والتمهيد للمصالحة العربية – العربية، خاصة بين السعودية ومصر وسوريا، وتساهم إلى حد بعيد في استعادة أجواء التضامن العربي في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ المنطقة·

 

الملك عبد الله بن عبد العزيز والرئيس حسني مبارك، وما يمثلان من ثقل سياسي قومي وإقليمي ودولي، لن يحضرا، على ما يبدو، قمة دمشق، لأن الرئيس بشار الأسد لم يتجاوب مع الرسائل التي حملها موفداهما إلى عاصمة الأمويين، والتي ركّزت على ضرورة حصول تعاون سوري لتسهيل انتخاب رئيس جديد للبنان قبل القمة، حتى لا يسجّل العرب على أنفسهم سابقة انعقاد قمة عربية بغياب رئيس دولة مؤسسة في الجامعة العربية، وتنفرد بصيغة تعايش حضارية تحظى باحترام ورعاية ليس العرب وحدهم، بل العالم أجمع، خاصة بعد بروز الأخطار المتعددة التي تهدد الوجود المسيحي في الشرق، بدءاً من ممارسات الاحتلال الصهيوني في فلسطين، وصولاً إلى تداعيات الاحتلال الأميركي للعراق والحملات المبرمجة التي تستهدف شخصيات وتجمعات المسيحيين العراقيين·

 

غياب الزعيمين العربيين الكبيرين عن القمة، وما قد يتبعه من غيابات أخرى لملوك ورؤساء وأمراء آخرين، يعني أن قمة دمشق لن تفلح في معالجة التصدع الحالي الذي يعاني منه النظام العربي، والذي أدى إلى عجز القدرة العربية عن التصدي للرياح الإقليمية والدولية التي تهدد الأمن العربي واستقرار المنطقة، في ظل تمدد النفوذ الإيراني، والاشتباك الحاصل بين طهران وواشنطن وعواصم الأطلسي حول الملف النووي الإيراني·

 

يبقى الخوف الأكبر ليس في عدم تمكن قمة دمشق من معالجة التصدع العربي الحالي وحسب، بل وأن تؤدي مجرياتها ونتائجها إلى تكريس هذا التصدع، وتعميق الخلافات العربية – العربية، وشطر الخريطة العربية إلى محورين، على غرار ما حصل غداة الغزو العراقي المشؤوم إلى الكويت، وما حمل في طياته من انقسامات عربية – عربية لعل ضياع العراق اليوم يبقى أبرز نتائجها السوداء·

 

إذن، الوضع العربي قد يصبح أسوأ مما كان عليه قبل القمة!·

فكيف سيكون الوضع المضطرب في لبنان منذ ثلاث سنوات في مرحلة ما بعد القمة؟·

 

لا شك أن استمرار الخلافات العربية بعد القمة سيرمي بثقله على الساحة اللبنانية في المرحلة المقبلة، بما يزيد الأمور تعقيداً، أو حتى يدفع بالأوضاع الراهنة إلى “تفجير ما”، في حال بقيت الأطراف اللبنانية، خاصة في المعارضة، على مواقفها المتشددة المعروفة، تاركة زمام المبادرة للخارج، سواء أكان عربياً أم إيرانياً أم فرنسياً وأميركياً، حيث تتداخل المصالح، وتتشابك التدخلات، وتدور المواجهات لتصفية الحسابات على حساب الوطن الصغير وأهله الصابرين!·

 

لا ندري من يستطيع أن يتحمل المسؤولية الوطنية والتاريخية عن ترك الوطن المعذب ساحة مفتوحة لصراعات الآخرين، وتصفية الحسابات الإقليمية والدولية، وفتح الأبواب مجدداً أمام حروب داخلية عبثية، بدأت طلائعها تظهر في الاحتكاكات المذهبية الإسلامية وعبر التوترات المتزايدة بين التنظيمات المتنافسة في الشارع المسيحي·

 

لا أحد من اللبنانيين يدرك حتى الآن، “الحكمة” التي دفعت المعارضة إلى مقاطعة الحوار مع الأكثرية، في الوقت الذي ترفع فيه شعار المشاركة، فكيف يمكن للمشاركة أن تتحقق والتواصل مقطوع بين الطرفين المعنيين بالمشاركة؟!·

 

لا أحد من اللبنانيين يفهم مبررات عدم حصول انتخاب الرئيس التوافقي كخطوة أولى نحو التفاهم الداخلي على خريطة الخروج من الأزمة المتفاقمة، طالما أن المعارضة ما زالت ملتزمة بهذا التوافق، على ما نسمع من أطرافها الأساسيين!·

 

أما استمرار الاعتصام في قلب بيروت، وتعطيل الحركة الاقتصادية والسياحية في البلد بحجة المطالبة بإسقاط حكومة السنيورة، فالمسألة تجاوزت كل منطق سياسي ودستوري، خاصة بعد التوافق على العماد سليمان، لأن انتخابه، وبكل بساطة، يؤدي إلى استقالة حكومة السنيورة دستورياً، لتصبح حكومة تصريف أعمال بانتظار تشكيل الحكومة الجديدة، في حين أن تعطيل الانتخابات الرئاسية عزّز مكانة ودور الحكومة بعدما تحولت صلاحيات رئيس الجمهورية إلى مجلس الوزراء مجتمعاً!!·

 

السؤال الذي يشغل اللبنانيين منذ الآن:

هل سيستمر البلد وأهله بعد القمة في دفع الأثمان الباهظة من أمنهم واستقرارهم ومصير أجيالهم الصاعدة للصراعات الإقليمية والدولية المحتدمة حولنا؟·

الواقع، ليس ما يجري على أرضنا هو بمنزلة القدر الذي لا راد له·

بل العكس هو الصحيح·

 

باستطاعة القيادات اللبنانية، في الأكثرية وفي المعارضة، العمل على تخفيف معاناة هذا الشعب الصابر، والتوافق على “الحد الأدنى” الذي يحدّ من تداعيات صراعات الآخرين وحروبهم على أرضنا، وبالتالي تأمين مظلة حماية للبنانيين من الرياح السامة التي تهب على المنطقة، وتوفير الضمانات والتفاهمات اللازمة لمنع تحوّل الصراعات الخارجية إلى حروب داخلية بين أبناء الشارع الواحد، والدين الواحد، والوطن الواحد·

 

وفي حال بقيت مثل هذه التفاهمات مغيّبة، وقد تكون أيضاً ممنوعة على اللبنانيين، فإن أبواب الوطن ستكون مشرعة أمام أسوأ الاحتمالات، لأن “هدنة القمة” تكون قد انتهت، ويصبح علينا البحث عن لبنان في مرحلة ما بعد القمة!!·

المصدر:
اللواء

خبر عاجل