لبنان أبرز الحاضرين في قمة دمشق .. حتى لو غاب عنها!
محمد مشموشي
أيا كان مستوى التمثيل العربي، وشكل الحضور اللبناني، في القمة العربية المقررة في دمشق بعد أيام، فمما لا شك فيه أن القضية اللبنانية ستكون أبرز الحضور. لا يغير من هذه الحقيقة افتعال “سباق” بينها وبين المجزرة الاسرائيلية في غزة للتربع على رأس سلم الأولويات، ولا مسعى التقليل من شأنها بموازاة “التضامن العربي” المفقود والضاغط من دون شك على القمة، ولا قبل ذلك كله مصير المبادرة العربية للتسوية بعد موت سريري طيلة ستة أعوام منذ اطلاقها في بيروت العام 2002 وحتى الآن.
أكثر من ذلك، فلا يختلف أمر ما بعد القمة عن القمة ذاتها. ذلك أن منطق الأمور، فضلا عن طبيعتها التي تولي الرئيس السوري بشار الأسد رئاسة القمة لمدة عام كامل، من شأنه أن يلقي بثقل القضية اللبنانية على أكتاف الأسد شخصيا، وهذه المرة بصفته مطالبا بمعالجتها ومسؤولا عن هذه المعالجة وليس، كما يتهمه بعض اللبنانيين والعرب، بصفته جزءا من المشكلة.
هل هو “طالع” لبنان الحسن، أو “طالع” الأسد السيئ، لهذه الناحية؟!. الأيام وحدها، بين آذار العام 2008 وآذار العام 2009، كفيلة باعطاء الجواب، خاصة وأن العالم العربي، فضلا عن العالم كله، سيكون رقيبا وشاهدا على تطورات القضية اللبنانية على امتداد تلك الفترة.
لكن أعمدة الحضور اللبناني في قمة دمشق ليست هنا فقط. هي في قضية فلسطين أيضا، كما هي في قضايا العراق والسودان والصومال، فضلا طبعا عن أنها في أساس المبادرة العربية للتسوية التي أشار الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى الى أنها لا يمكن أن تبقى معلقة في الهواء الى ما شاء الله. ولا حاجة الى القول ان الفشل العربي هنا وهناك معكوس في لبنان، تماما كما لا حاجة الى القول ان الفشل القائم في لبنان، والذي يهدد وحدة البلد وبقاءه، ليس من شأنه أن يمنع، بل هو يفاقم بالتأكيد، كل ما هو فشل عربي في القضايا الأخرى.
ففي أزمة لبنان الآن مخاطر “الضياع” الكامل التي تهدد فلسطين منذ ستين عاما، كما فيها مخاطر الحرب الأهلية والطائفية والمذهبية المديدة التي تهدد العراق والسودان والصومال، فضلا عما ينعكس عليها من خلافات تحول دون أدنى مقومات التنسيق أو حتى التضامن العربي، اضافة الى الجدار المسدود الذي لا تزال تصطدم به مبادرة التسوية العربية في المنطقة. ولا يجادل اثنان في أن انزلاقا آخر في الوضع اللبناني سيؤدي حكما الى زيادة التدهور على الجبهات الأخرى … ان في فلسطين أو في العراق أو في السودان أو الصومال، وربما في غيرها من البلدان العربية أيضا.
… فيها من فلسطين، خاصة بعد مرحلة غزة الأخيرة، شبح سلطتين تتنازعان الشرعية (في لبنان، تضاف اليها الميثاقية والدستورية)، وسلاحان يقف واحدهما في وجه الآخر(في لبنان، سلاح لم يستخدم بعد؟! وسلاح لم يوجد بعد؟!)، وضائقة اقتصادية ومعيشية (مديونية عالية في لبنان، وعيش على العطاءات الدولية في فلسطين) … وشعب مهجر في أرضه، أو نازح منها، أو يستعد للنزوح.
… وفيها من العراق، كل عصبيات ومكونات الحرب الأهلية، الطائفية والمذهبية، و”خبرات” الميليشيات المدربة لسنوات لم يمر عليها الزمن بعد، ومسارب السلاح والذخيرة والأموال التي تجعل من لبنان (مثل العراق تماما) أرضا للجيوش والميليشيات والتنظيمات الارهابية وربما “مجالس الصحوة” التي لا تفعل الا أنها تقتل العراقيين … وبالصدفة فقط بعض أفراد قوات الاحتلال الأميركي.
… وفيها من السودان والصومال، تقليدية الطبقة السياسية الحاكمة، أو المعارضة، وعصبية القبائل والعشائر والمناطق في مواجهة بعضها البعض، مرة من خلال الطوائف و”طرائق” هذه الطوائف ومرات من خلال مجموعات عابرة للطوائف والأديان.
وليس كل القادة العرب، كما يبدو، مدركين لهذه الحقائق المرة. أو أن مصالحهم، أو مصالح بعضهم على الأقل، هي التي تحول دون هذا الادراك، أو أقله دون جعلهم يرسمون سياساتهم العربية والاقليمية على هذا الأساس!!.
والأخطر من ذلك أنهم، أو بعضهم مرة أخرى، لا يعون أن اتساع رقعة انتشار هذه الرياح لن يوفر دولة واحدة في العالم العربي، وحتى في المنطقة كلها.
لكن حضور لبنان سيكون الأبرز في قمة دمشق لسبب آخر، وان لم يكن بأهمية السبب السابق نفسها. كلمته في القمة، بغض النظر عن مضمونها وعمن يتولى القاءها، من شأنها أن تجسد احدى العلل، وربما الأوبئة، التي حالت حتى الآن دون التأسيس لقيام علاقات صحية وطبيعية (وليس أخوية كما توصف ؟!) بين الدول العربية من جهة وبين قادة أنظمة الحكم من جهة أخرى.
فلسان لبنان الذي سيخاطب القمة، ليس لسان بلد من دون رئيس فقط، على فداحة ذلك بالنسبة الى الرؤساء والملوك والأمراء المشاركين، ولا هو لسان بلد يتهدده ذلك الكم الكبير من المخاطر التي تمس وجوده فقط، وانما هو عبارة عن بلدين “مثالين” على الخير والشر في هذا العالم في وقت واحد:
* “مثال” الشر الذي تجسده الدولة الصغيرة في عالم اليوم عندما تشلها، وتكاد تلغيها نهائيا، تدخلات الدول الأخرى الأكبر منه في شؤونه الداخلية، بما فيها الشؤون التفصيلية الصغيرة.
* و”مثال” الخير الذي تجسده الدولة الحديثة، العربية والاقليمية وحتى الدولية، لما يوصف الآن في العالم بتعايش الثقافات والديانات ردا على مقولة “صراع الحضارات” التي انتشرت فيه مع مطلع القرن الحادي والعشرين.
واذا لم تعبّر الحروف والكلمات التي سيحتويها خطاب لبنان الى القمة عن هذه الحقيقة، فمجرد غياب الرئيس المسيحي الوحيد في قمة الرؤساء والملوك والأمراء العرب عنها انما يعلن تلك الحقيقة بصوت عال. كذلك فمجرد التداول في قضية فلسطين، أو في قضايا العراق والسودان والصومال، انما هو نقاش جدي وعميق في قضية لبنان تحديدا.
أكثر من ذلك، فطبيعي جدا أن تكون قمة دمشق العربية هذه، في ظل القضايا الكبرى السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تواجه المنطقة في هذه المرحلة، معنية مباشرة وبشكل خاص بـ”المثالين” اللذين يعبّر عنهما هذا اللبنان اذا حضر … ويعبّر عنهما أكثر اذا حدث وغاب.