قمة دمشق: أزمة أمة
ميسر الشمري
ميسر الشمري
كان المواطن العربي العادي يترقب موعد انعقاد القمة العربية، ليس ليفرح بانعقادها، بل ليرى ما إذا كانت القرارات التي يتخذها الزعماء العرب تُرضي تطلعاته الوطنية وطموحاته المستقبلية. اليوم المواطن العربي ذاته يترقب القمة، ليس ليُرضي طموحاته وتطلعاته، بل ليرى ما إذا كانت القمة ستُعقد أم لا!
إنها هزيمة نفسية قاسية بالنسبة إلى المواطن العربي العادي، أصبح الشغوف منهم بعودة اللُّحْمة العربية، يرى في نفسه وطنياً مخلصاً عندما ينسلخ من هموم وطنه العربي الكبير، ليتفرغ لهموم القطر الذي يحمل هويته بمعزل عن انتمائه العربي.. ولن أقول انتماءه القومي. هزيمة نفسية كبرى أن يصبح الواحد منا قلقاً على مستقبل الأبناء. هزيمة نفسية أكبر أن نصل إلى مرحلة اليأس بخصوص استعادة حقوقنا المسلوبة في فلسطين والجولان وعربستان ولواء إسكندرون، وكرامتنا المسكوبة في أقداح اللاعبين الكبار.
بوش وغوردن وميركل وقبلهم ابن «الشيف» الروسي بوتين لن يكونوا حريصين على كرامتنا وإمكان بقائنا من عدمه، أكثر من زعمائنا وقادتنا وولاة أمرنا، هذا أمر يدركه المواطنون العرب العاديون، لهذا يرون أن لا يكون دم الشهيد رفيق الحريري، شماعة نعلّق عليها فشلنا في خلق صيغ سياسية قادرة على التصدي لمؤامرات الأعداء.
الحريري (رحمه الله) زعيم وطني لبناني، لا يقل زعامة عن فؤاد شهاب ورياض الصلح ومحمد مهدي شمس الدين، وبقية الزعماء الأحرار الذين وضعوا لبنان على خريطة العالم، لهذا على أنصاره ومحازبيه أن يتذكروا أن «جساس» أشعل حرب «البسوس» 40 عاماً لأنه كان «مُصِراً» على أن كُليب أهانه بقتل ناقة خالته. نحن – المواطنين العرب العاديون – نجد عذراً لـ «جساس» الذي ثأر لكرامته وانتصر لـ «ناقة» خالته البسوس، كما نلتمس العذر لـ»كُليب» في قتل الناقة لتثبيت ملكه، لكنّا لا نريد حرباً تدار في محيط ضريح الحريري كتلك التي خاضها البكريون بقيادة «جساس» ضد قبيلة تغلب بقيادة الزير سالم. لا نريد أن يعيد التاريخ ذاته في هذه المرحلة الدقيقة والحساسة من مسيرتنا بين الأمم.
القمة العربية أصبحت ضرورة ما دام وجودنا مهدداً. فلسطين انقسمت على ذاتها وأصبحت «الضفة» و»القطاع»، والعراق لم يعد قادراً على التطهر من «وسخه» الطائفي، على رغم كثرة أنهاره، ولبنان المرصع بالجمال تحول إلى مستنقع للقبح، والصومال إلى زوال. نريد قمة تطهرنا من وسخنا. قمة تعيد اللُّحْمة بين «الضفة» و»القطاع». قمة تجعل من ضريح «الحريري» مزاراً وحضناً دافئاً لكل الذين انتصروا لهويتهم. الحريري مات. اللبنانيون أحياء يُرْزَقون بالقطاره. الأحياء أبقى من الأموات. المواطنون العرب العاديون، لا يريدون قميصاً آخر. يكفيهم «قميص عثمان».
ليكن موضوع اغتيال الشهيد رفيق الحريري جزء من القمة لا كلها. المجتمع الدولي متحمس لمحاكمة قتلة الحريري. نحن متحمسون لإعادة صياغة عناصر بقائنا من عدمه، كما أننا في الوقت ذاته، متشوقون لرؤية قتلة «الحريري» وهم يقفون في قفص المحكمة الدولية في لاهاي.
شخصياً لديّ عشرات التحفظات على الأداء السياسي السوري منذ أن تسلم الرئيس بشار الأسد مقاليد الحكم خلفاً لوالده، لعل أولها وأخطرها يكمن في أن سورية بنيت على فكر قومي اشتراكي ينادي بالوحدة والحرية، بينما الأداء السياسي السوري انحسر منذ العام الثاني لتولي الرئيس بشار الحكم، في إطار الجغرافيا السورية، وهو ما خلق أزمة فكرية لدى المواطن السوري العادي الذي ترعرع على الهم القومي فوجد نفسه محصوراً في محيطه القطري فقط، وهذا أمر خطير للغاية، لأنه يؤسس لانهيار الأسس الاجتماعية التي بني على أساسها النظام الاجتماعي في سورية، وهذا أمر خطير على الشعب السوري المحاصر بهمومه الوطنية وحروب الأشقاء.
إلى الآن وافقت 12 دولة عربية على حضور قمة دمشق، أتمنى أن أقرأ في هذه الصحيفة وقد وافق زعماء عرب آخرون على حضور قمة دمشق، وقبل ذلك أن أرى كرسي لبنان في مقر انعقاد القمة العربية وقد تزين برئيس يليق بجمال لبنان.