#adsense

نصرالله يتهرّب من حقيقة الخلاف حول الدولة

حجم الخط

نسبَ الى وثيقة 14 آذار ما ليس فيها و”سرح” في سياق تخوينيّ
وسحَب مسؤوليته عن جوّ “القلق والخوف”

نصرالله يتهرّب من حقيقة الخلاف حول الدولة

نصير الأسعد

 

لغة التخوين والاتهام بالعمالة تارةً و”الارتداد” تارةً أخرى، صارت مألوفةً في الخطاب السياسي ـ الثقافي لـ”حزب الله”.ومع ذلك، ثمة ما يستوقف في الخطاب الأخير للأمين العام للحزب السيد حسن نصرالله أول من أمس.


ولعلّ أول ما يلفت في خطاب يُلقى في ذكرى أربعين القائد العسكري والأمني لـ”حزب الله” الحاج عماد مغنية، هو غياب أي “متابعة” في ما يتّصل بالتحقيق في اغتيال مغنية حيث كان منتظراً أن يُفاد عمّا توصّل إليه التحقيق السوري الموعود. لكأن تنويه السيد بصبر عائلة الحاج هو الإشارة الوحيدة الى الوقت الطويل الذي سيكون عليها الاستغراق فيه أو لكأنّ التنويه يُغني عن المعرفة بالأمور.


وثيقة 14 آذار: “ثقافتان” حيال الداخل


على أن ذلك، على أهمية ملاحظته وتدوينه، قد يُعتبر شأناً حزبياً داخلياً لا علاقة لـ”آخرين” به. وعلى هذا الأساس يمكن الانتقال مباشرةً الى عناوين أخرى لافتة في خطاب نصرالله.


كان واضحاً جداً أن السيد منزعجٌ جداً من الوثيقة الصادرة عن المؤتمر الأول لـ14 آذار. وأن يكون السيد منزعجاً فذلك من حقّه تماماً. غير أنه لتفسير انزعاجه نسبَ الى الوثيقة ما لم تقلهُ على الإطلاق.


ففي معرض حديثها عن “ثقافتين” في البلد، لم تتحدّث الوثيقة عن “ثقافة حياة” من جهة و”ثقافة موت” من جهة ثانية. تحدّثت الوثيقة تحديداً عن “ثقافة سلام ووصل” في مقابل “ثقافة عنف وفصل”. وبـ”المناسبة”، فإن هذه الوثيقة عندما استخدمت مصطلحات “السلام” و”الوصل” و”العنف” و”الفصل”، إنما حصرت الموضوع بـ”الداخل” اللبناني وتناولت العلاقة بين اللبناني واللبناني الآخر والأسس التي يقتضي أن تقوم عليها، وعرضت لما تعتبره “نظام قيم” ينبغي الاتفاق عليه في ضوء كل التجارب التي مرّ بها لبنان الحديث. وفي النقاط الست التي جرى تفصيلها تحت عنوان “الثقافتين”، كان البُعد اللبناني ـ اللبناني واضحاً جداً. بكلام آخر لا أصل لما اتّهم به نصرالله وثيقة 14 آذار، لأن البحث محصور في “ثقافتين” حيال “الداخل” وليس حول “ثقافتين” حيال “العدوّ الإسرائيلي”، الذي هو عدوّ بإجماع اللبنانيين.


“المقاومة” و”الدولة”


وفي مجال “الوثيقة” أيضاً، فهي لم تُدِن “المقاومة” ولم تتنصّل منها. فقد وردَ في الوثيقة ما حرفيّته للفائدة “إعادة الاعتبار لفكرة المقاومة التي هي حقّ للشعب اللبناني يمارسه في الدفاع عن وجوده وأرضه وحريّته كرافد لتعزيز قوة الدولة”. وأضافت أن “المقاومة تقوم أساساً على مكامن القوة التي يملكها الشعب لا على مكامن الضعف، وهي أقوى في مواجهتها الخطر الخارجي إذا كان المجتمع موحّداً والدولة فاعلة والجيش قوياً والاقتصاد ناشطاً”. وقالت “ليست مقاومة تلك التي تقوم على قاعدة فرز الشعب بين أكثرية خائنة وأقلية وطنية وليست مقاومة تلك التي تؤدي الى ربط مصير الناس بالإعانات والإعاشات، وليست مقاومة تلك التي تقوم على إلغاء القرار الوطني لصالح الخارج وخدمةً لمصالحه”. وختمت بالتشديد على أن “الهدف النهائي للمقاومة هو بناء الدولة الحرة السيدة وهذا هو الإنجاز الذي يحدّد نجاحها أو فشلها”.


حقيقة الخلاف مع السيد: الدولة وقرارها


فيا سماحة السيد، تختلف 14 آذار معك حول “ثقافة الكيان” وليس حول “العدوّ الإسرائيلي”. وتختلف معك حول “الدولة” وليس حول “المقاومة”، أي حول ارتباط “المقاومة” بهدف بناء الدولة.
وعلى ما يبدو، فإن نصرالله عكس انزعاجاً من وثيقة 14 آذار بسبب هاتَين الفكرتَين وليس بسبب ما نسبَه هو الى الوثيقة.
على أي حال، إنطلق نصرالله في خطابه مما نسبَه الى الوثيقة ـ التي لم يشِر إليها مباشرةً ـ لـ”يشرح” الخطر الإسرائيلي وسياسة “الوعي” الإسرائيلية وكيفية مواجهتها، ثم لـ”يسرح” في نقاش حول إمكان زوال إسرائيل وصولاً الى تأكيد أن الجيل الشبابي الراهن سيشهدُ زوال الكيان الصهيوني.


الاستراتيجية العربية والخيار اللبناني


يا سماحة السيد: هل أنت مقتنع بالفعل بأن الخلاف بينك وبين الآخرين هو حول زوال إسرائيل وإمكانه أو حول “العمل على إسقاط النظام الصهيوني” وعدمه؟ أم أن الخلاف هو حول كيف و”مَن” يواصل الصراع مع إسرائيل حتى زوالها؟


قلت يا سماحة السيد إن هذه المهمة ليست مسؤولية لبنانية فقط.. أي أنها مسؤولية عربية أيضاً بل ربما قبلاً. غير أن ما ينبغي “توضيحه” في مقابل المعادلة التي طرحها الأمين العام لـ”حزب الله” هو انّ الإستراتيجية العربية الرسمية هي “إستراتيحية السلام العادل والشامل” وتغيير هذه الإستراتيجية يعني العمل على تغيير الأنظمة. فهل انّ هذا ما يطرحه السيد كمهمّة مباشرة وما دخل اللبنانيين بهذا الشأن وقد سبق لنصرالله أن هاجم 14 آذار تحت عنوان انّها تريد إقحام لبنان واللبنانيين في معركة لإسقاط النظام السوري وتغييره؟.


إذاً “الشرط” العربي غير متوافر “الآن”. ولذلك فانّ إستراتيجية الدولة اللبنانية المحدّدة في اتفاق الطائف هي إتفاقية الهدنة بعد أن تحرّرت الأرض، وقد أعاد القرار 1701 الإعتبار لإتفاقية الهدنة.


إنّ جوهر الخلاف مع نصرالله و”حزب الله” هو هنا بالضبط: دور المقاومة في بناء الدولة، والقرار للدولة. وأول من أمس تصرّف السيد وكأنه صاحب القرار عن لبنان وعن اللبنانيين لكأن البلد بلا دولة أو يجب أن يبقى بلا دولة.


مسؤولية “حزب الله” عن “جوّ الحرب”
ويبقى لافتٌ آخر في خطاب السيد حسن.


وهنا أيضاً، كان واضحاً انّ نصرالله منزعجٌ من حال القلق والخوف التي تسود مناطق لبنانية بعينها، أي مناطق ذات غلبة شيعية. تحدّث عن كلّ الأسباب الفعلية والمحتملة لحال القلق والخوف إلا عن مسؤوليته عنها.


فيما سماحة السيد، إنك المساهم الرئيسي في إيجاد هذا “الجوّ”، جوّ الخوف من حرب محتملة. ففي يوم تشييع الحاج عماد مغنية “فهم” الناس انّك أعلنت “الحرب المفتوحة” على إسرائيل. وفي أسبوع مغنية حاولت الإستدراك فكرياً بتأكيد انّ قرار الحرب قرارٌ إسرائيلي، لكنك رجّحت حصول الحرب على خلفية تقرير فينوغراد من ناحية وعازياً ما سمّيته “إستقواء” 14 آذار إلى وعد أميركي ـ إسرائيلي بحرب آتية من ناحية أخرى. وأول من أمس في ذكرى أربعين الحاج أعلنت انّ الحزب لن يفتح الجبهة وانّ إسرائيل في المقابل غير قادرة على اتخاذ قرار الحرب، لكنّك أنهيت خطابك بإعلان انّ الحزب سيختار الزمان والمكان المناسبين لمعاقبة قتلة مغنية.


فلماذا إذاً إنكار أثر هذا الخطاب السياسي على معنويات الناس؟ ولماذا عدم الاعتراف بانّ الناس ليسوا بنياناً مرصوصاً خلف حرب أخرى ضدّ إسرائيل؟. فهذا الخطاب السياسي حتّى في نُسخته الأخيرة أول من أمس لا يطمئن الجنوبيين. وقبل يوم واحد من خطاب نصرالله، سعى الرئيس نبيه بري بدوره الى طمأنة اللبنانيين والجنوبيين مستبعداً الحرب.. لكنّه في لحظة أخبر المشاهدين انّ إسرائيل ستقوم في 6 نيسان المقبل بأضخم مناورات عسكرية منذ تأسيسها.. وعلى الحدود مع لبنان. والحال انّ خبر المناورات الإسرائيلية لا يُطمئن أبداً.


“نصيحة” برّي: “تلطيش” السيد


حقيقة الأمر انّه “لا يُملّ” من تفنيد خطب السيد، وهذا تأكيد على إحترام ما يقول. “لا يُمل” حتّى في ملاحظة “تلطيشات”.


فأيضاً بعد يومٍ من مقابلة بري التلفزيونية و”نصيحته” الى رئيس “تيار المستقبل” سعد الحريري بمتابعة سياسة والده الرئيس الشهيد وعدم حصر نفسه في زعامة مذهبية (!)، “لطّش” نصرالله بعنوان انّ “الحالة” التي تريد إخراج السنّة من تاريخهم العربي، هي حالة موقتة (!). فيقيناً انّ نصرالله يعرف انّ سعد الحريري و”تيار المستقبل” ضمانتا لبنانيّة السنّة وعروبتهم. ومستهجنٌ هذا “التلطيش” من جانب من يؤكد انّ التوترات المذهبية لن تبلغ حدّاً إنفجارياً.


يا سماحة السيد: إنّ أفضل السُبل هو تحديد الخلاف لا القفز فوقه أو تحويره. لعلّك “تمون”.. لكن ليس الى حدّ “تكفير” من يختلف معك. ويوم سيعود الجميع إلى “حقيقتهم” وإلى لبنانهم، يجب أن يكون قد بقي مطرحٌ لـ”الصلح

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل