… ورجع الصدى العربي؟!
راجح الخوري
فور وصوله الى دمشق القى السيد عمرو موسى مياها باردة على العنوان الحار الذي رفعته سوريا منذ اسبوعين عندما قالت انها تستضيف “قمة التضامن العربي”!
عمليا ليس هناك اي عنصر من عناصر التضامن المذكور. والامين العام للجامعة العربية لم يبالغ عندما رد امس على سؤال عن الخوف من ان تكون قمة دمشق بداية تشرذم عربي، بالقول: “ان التشرذم العربي قائم بالفعل”!
واذا كانت الخلافات العربية من الامراض المزمنة في هذه المنطقة السعيدة، وسبق لها ان اسقطت مؤسسة القمة العربية عندما لم يجتمع القادة العرب على امتداد عقد كامل منذ احتلال العراق للكويت عام 1990، فان فشل الجامعة العربية المتمادي في معالجة الازمة اللبنانية وسقوط المبادرة العربية بسبب “الاصرار التعطيلي” على ان الحل يجب ان يكون “سلة واحدة” وهو ما يتناقض جذريا مع بنود المبادرة في صيغتها الاولى والثانية – هذا الفشل سيرخي بظلاله العميقة على قمة دمشق كما على مؤسسة القمة العربية عموما.
وبقطع النظر عن الشعارات السورية حول القمة التي تستضيفها، فان الاجواء السياسية العربية الراهنة وصورة العمل العربي المشترك داخل الجامعة وعمق الخلافات بين الدول العربية الكبيرة والمؤثرة، شكلت اسقاطا معنويا متقدما لمعنى القمة وصدقيتها. اذ من حق اي مواطن عربي الآن ان يطرح السؤال ببساطة كلية:
كيف يمكن الحديث عن قمة للتضامن، او “قمة فلسطين بامتياز” عندما تكون وقائع الفشل العربي صارخة من المحيط الى الخليج؟
كيف يمكن الحديث عن قمة للتضامن، او “قمة فلسطين بامتياز” عندما تكون وقائع الفشل العربي صارخة من المحيط الى الخليج؟
فهي صارخة في لبنان بالطبع رغم كل ما نبه اليه السعوديون والمصريون وغيرهم من ان انعقاد القمة في غياب رئيس الجمهورية اللبنانية سينعكس سلبا على القمة، وهذا ما اعترضت عليه دمشق التي ترفض ربط القمة بالازمة اللبنانية.
وهي صارخة في فلسطين حيث يعرف القاصي والداني ان صراعات المحاور الاقليمية هي التي دفعت الاخوة الفلسطينيين الى الاقتتال، كما تضع الاخوة اللبنانيين على حافة الاقتتال، وهي التي أفشلت “اتفاق مكة” الذي رعاه خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله شخصيا، وهي التي يمكن ان تفشل الآن “اتفاق صنعاء”، وهي التي رسمت خطوطا متناقضة في المقاربات العربية للمحنة في العراق التي وصلت الى حد تهديد المنطقة كلها بالحروب والفتن المذهبية.
واذا كانت دمشق قد ذهبت الى اقصى حدود التحدي عندما قالت انها تقدّم “مصالحها” في لبنان على القمة ومستوى التمثيل فيها، ربما لانها تعتقد ان القمم العربية مجرد ظاهرة دعائية وصوتية، فان المملكة العربية السعودية ومصر والاردن لم تتوان منذ شهرين ونيف عن دعوة دمشق الى التعاون في حل الازمة اللبنانية وانجاح المبادرة العربية، طبعا من منطلق الحرص على إنهاء المحنة التي باتت تهدد لبنان في امنه ووحدته ومستقبله، وكذلك من منطلق الحرص على بقية من صدقية العمل العربي المشترك.
في النهاية ستعقد القمة بمن حضر كما قالت دمشق وعلى اي مستوى من التمثيل كما تقرر العواصم العربية وخصوصا الوازنة منها والمؤثرة، ولكن الخلافات العربية التي دفعت عمرو موسى الى الحديث عن التشرذم العربي لن تتوقف الآن عند حدود موضوع القمة في دمشق، بل ستصل الى اركان مؤسسة القمة عينها، وهذا يهدد بتعطيل الحد الادنى المتبقي من العمل العربي المشترك، وقد يعيد الامور الى ما يشبه الحقبة التي مرت بعد احتلال الكويت.
واذا كانت دمشق ترفض ربط القمة بالازمة المستشرية في لبنان، فان التفسير الذي تعطيه للمبادرة العربية ويتبناه فريق المعارضة في بيروت يبدو مناقضا تماما للتفسير العربي بدليل ان وزير خارجية مصر احمد ابو الغيط تعمّد عشية سفره لحضور القمة القول:
“ان مخرج الازمة اللبنانية هو في تنفيذ المبادرة العربية التي تؤكد ان الاولوية هي لانتخاب الرئيس اللبناني طبقا للاجماع على العماد ميشال سليمان ويتبع ذلك قيامه بالتحرك نحو تشكيل الحكومة، التي تقوم على اساس عدم حصول اي طرف من طرفي الغالبية والاقلية على ما يسمى: التعطيل…”.
وعندما يرى ابو الغيط ان القمة ربما تكون مكبلة بمشكلات وخصوصا المشكلة اللبنانية، يصبح من العسير على المراقب ان يفهم لماذا يسترسل عمرو موسى، وهذه المرة من دمشق، في الحديث عن “أن القمة ستعطي دفعة جديدة للمبادرة العربية من خلال التأكيد عليها ولن يتم تعديلها، ولكن اذا كانت هناك تفسيرات مختلفة فسيتم التعامل معها”!
عن اي تفسيرات يتحدث سيادته؟
ليس واضحا ولكن يبدو انه نسي او تناسى كلامه قبيل وصوله الى دمشق الذي كان بمثابة اعلان كامل لليأس عندما قرن الازمة اللبنانية بـ”رجع الصدى”. ورجع الصدى هو مجرد اعتراف بالمثل القائل “فالج لا تعالج”!