بري ينعى المبادرة العربية ويطرح معاودة الحوار بديلاً عنها
نجاح الحوار مرتبط بتفادي الأخطاء السابقة وترتيب الأولويات وعلى رأسها إنتخاب الرئيس
نجاح الحوار مرتبط بتفادي الأخطاء السابقة وترتيب الأولويات وعلى رأسها إنتخاب الرئيس
معروف الداعوق
تعمّد رئيس المجلس النيابي نبيه بري، الظهور في مقابلة تلفزيونية، ليزفّ الى اللبنانيين بُشرى استحالة تنفيذ المبادرة العربية لحل الأزمة اللبنانية، وليقول لهم بشكل غير مباشر، إن هذه المبادرة، أصبحت في حكم الميتة سريرياً، وهي تنتظر إعلان مراسم الدفن رسمياً في وقت قريب جداً، ولكن يُستحسن أن يكون توقيت هذا الإعلان، بعد انتهاء أعمال القمة العربية وليس قبله، لئلا يؤدي ذلك الى تشويش غير مستحب على أجواء القمة والقائمين عليها، ولذلك لا بد من البحث عن أفكار جديدة لحل الأزمة القائمة، وهذا لا يمكن إلا من خلال معاودة إحياء طاولة الحوار، التي علّق جلساتها رئيس المجلس منذ أكثر من سنة ونصف السنة، واخترع لهذا التعليق، ألف سبب وسبب، لم يقتنع بواحد منها سوى من أوحى بهذا التعليق وحدّد مواعيده وغاياته·
لم يُبلغ الرئيس بري اللبنانيين كيف اقتنع بالعودة الى طاولة الحوار من جديد، بعد رفض مُحكم ومُتعمّد، لكل الدعوات التي أطلقتها الأكثرية لمواصلة هذا الحوار منذ أكثر من سنة ونصف السنة، وما تسبّب به الرفض المطلق وغير المبرّر من قبل المعارضة من استفحال للأزمة القائمة وتداعيات سلبية على مصالح اللبنانيين ومستقبل وطنهم وأبنائهم، واستباحة لبنان للمصالح الإقليمية، لا سيما السورية والإيرانية على حدٍّ سواء·
ولم يبرّر رئيس المجلس النيابي، كيف سيجلس الى طاولة الحوار من جديد، مع رئيس الحكومة فؤاد السنيورة ووجهاً لوجه، وفي المجلس النيابي هذه المرة، في حين أن انعقاد المجلس النيابي بحضور الرئيس السنيورة وحكومته، أمر محرّم شرعاً بموجب الفتوى السورية، وأي اتصال ولو كان اجتماعياً، محظور بالمطلق، خلافاً لكل التقاليد والعادات، التي تطبع علاقات اللبنانيين، سياسيين ومسؤولين على اختلافهم، حتى في عزّ الانقطاع السياسي والحرب الأهلية المشؤومة·
لم يقل الرئيس بري للبنانيين، هل ستلتئم طاولة الحوار من جديد، على وقع احتلال حزب الله و”معارضة” النظام السوري لوسط بيروت، بسلاح مقاومة العدو الاسرائيلي، وكيف سيصل النواب والزعماء المتحاورين الى المجلس النيابي عبر الطرقات المقطوعة على أبواب المجلس منذ لجوء “المعارضة” الى احتلال الوسط التجاري وتقطيع أوصاله استجابة لنداء الرئيس السوري للمعارضة لترجمة نتائج حرب تموز العدوانية على لبنان، والقيام بتغيير موازين القوى السياسية القائمة في لبنان بالقوة خلافاً للأسس الديمقراطية ولنتائج الانتخابات النيابية الأخيرة·
حاول رئيس المجلس النيابي، قلب الأولويات وتجاهل كل ما طرحه من قبل وخصوصاً في مبادرة بعلبك، وكأنها لم تكن في الأساس، فاعتبر أن مسألة انتخاب رئيس جديد للجمهورية لم تعد أولوية وهي “محلولة” حكماً ولكن مع وقف تنفيذ انتخاب الرئيس، في حين أوحى بأسلوب مكشوف أن مسألة الاتفاق على “تشكيلة” حكومة الوحدة الوطنية، أصبح مبتوتاً بموافقة الأكثرية على صيغة 10+10+10 ذات التفسير السوري المحض ولا يلزمها إلا التفاهم النهائي على تخريج هذا الاتفاق خلافاً للواقع والحقيقة، متجاوزاً كل ما أعلنه حليفه الأساسي في المعارضة العماد ميشال عون بأنه لا يقبل بهذه الصيغة على الإطلاق، وكأن موقف الأخير لم يعد مؤثراً أو حاسماً بهذه المسألة، وبقي في حسابات الرئيس بري أن المشكلة الوحيدة التي ما تزال مستعصية في طريق حل الأزمة اللبنانية، هي قانون الانتخابات الجديد، الذي يشكّل حجر العثرة الأساس ولا بد من تركيز جهد المتحاورين على حل هذه المسألة على طاولة الحوار، مقدماً إياها على كل الأولويات الأخرى، وكأن حلّها يحدّد مسار حل مسألة رئاسة الجمهورية وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، معترفاَ ضمناً بأن النائب سعد الحريري أصرّ في إحدى جلسات التفاوض مع الفرنسيين على تحديد مواصفات القانون الانتخابي الجديد بالقانون العادل والمنصف·
لم يتطرّق رئيس المجلس النيابي الى مسألة تعطّل البحث فيها، وهي مسألة سلاح المقاومة، التي عُلّق النقاش بشأنها بعد حرب تموز عام 2006، والذي أصبح يشكل مادة خلافية أساسية بين مكونات الشعب اللبناني، بعد استعمال بعض هذا السلاح في الصراع السياسي الداخلي، كما يحصل في احتلال وسط بيروت وإخضاع الناس من قبل عناصر “حزب الله” للتدقيق في الهويات والتفتيش خلافاً للقوانين ولرسالة هذا السلاح·
في موقفه الجديد، لم يبرّر الرئيس بري أسباب معاودة الحوار، وطرح جدول أعماله مسبقاً، وكأنه مخوّل دون غيره، تحديد المواضيع المطروحة وترتيب الأولويات بمعزل عن آراء وتوجهات الأكثرية، كما يجب أن يحصل في مثل هذه المسائل المصيرية لإنقاذ لبنان من أزمة سياسية مستفحلة تهدّد كيانه ومستقبله· فعندما طرح رئيس المجلس النيابي مسألتي حكومة الوحدة الوطنية، وقانون الانتخابات الجديد على طاولة التشاور السابقة، رافضاً بحث مسألة انتخاب رئيس جديد للجمهورية كما كانت تطالب الأكثرية بذلك، متجاهلاً مواصلة البحث في مسألة سلاح المقاومة تمهيداً للتوصل الى اتفاق وطني بشأنه، فشلت طاولة التشاور فشلاً ذريعاً، وبقيت المسائل التي تم التوافق عليها في مؤتمر الحوار الوطني موضع إجماع من قبل جميع المتحاورين ومعترف بها وإن لم تلقَ التنفيذ حتى اليوم بسبب رفض النظام السوري لذلك·
فإذا كان الهدف الحقيقي هوالتوصل الى معاودة الحوار لحل الأزمة القائمة وإنقاذ لبنان لا بد من تجنّب العثرات والأخطاء التي أدّت الى فشل جلسة التشاور الأخيرة وزيادة استفحال الأزمة وتداعياتها على اللبنانيين، ومقاربة العقبات والتعقيدات التي عطّلت تنفيذ مقررات مؤتمر الحوار بواقعية والأخذ بعين الاعتبار وجهات نظر وهواجس الأكثرية والمعارضة على حدٍّ سواء، في المواضيع المطروحة، تمهيداً لوضع القواسم المشتركة للحلول والخروج بنتائج إيجابية لمصلحة الجميع من دون استثناء·
ولنجاح طاولة الحوار الذي كشف عنها الرئيس بري، كان الأجدى والأصح البدء بالأولويات الملحّة، وعلى رأسها انتخاب رئيس جديد للجمهورية، ليمارس دور الحكم في إدارة الحوار المطلوب بخصوص كل المشاكل المطروحة، لأنه في ظل عدم انتخاب رئيس جديد للجمهورية، لن يستطيع أحد أن يمارس هذا الدور، كون رئيس المجلس النيابي ليس مؤهلاً لممارسة دور الحكم، بعدما أعطى لنفسه دور الطرف في المعارضة، ولم يبرّر للبنانيين كيفية تعطيل المجلس النيابي والإضرار بمصالح الوطن ككل·
لا بد من تبديد الكثير من التساؤلات وتصحيح الممارسة وانتهاج أسلوب مختلف عن السابق لتوفير مقومات النجاح لأي طاولة حوار تلتئم في المستقبل، وهذا ممكن إذا صفت النوايا من كل الأطراف دون استثناء·