#adsense

جملان من خرم الإبرة ؟!

حجم الخط

جملان من خرم الإبرة ؟!

راجح الخوري


حاول السيد عمرو موسى ان ينفخ الحياة في جثة المبادرة. وتعمّد في دمشق ان يقول كلاماً مطمئناً لكنه كان كمن يبشر بالشيء وضده. في النهاية لن يكون في وسعه اجتراح معجزة التفسير الذي يجعل المبادرة العربية مقبولة من الاكثرية والمعارضة بما يفتح الفرصة أمام حل الازمة اللبنانية.


واذا كان المنطق الذي استندت اليه المبادرة هو عبارة عن معجونة يمكن اعادة تشكيلها في قمة دمشق للمرة الثالثة بعد تعديلها في القاهرة (!) فإن الدستور اللبناني وصلاحيات رئيس الجمهورية اللبنانية ليسا من صنف المعجونة، لذلك يمكن ان يكون اسهل على الامين العام للجامعة العربية الذهاب الى سوق الحميدية ليشتري ما يكفي من الحبال ويشنق نفسه، من ان يهتدي الى معجزة اقامة الصيف والشتاء فوق سطح واحد.


لماذا كل هذا الشؤم والتطيّر؟


لأن كلام موسى يمكن ان يُدخل المرء في دوامة تذكر بأغنية فيروز “يا دارة دوري فينا”. فهو يقول:
“إن المبادرة عبارة عن سلة من الخطوات او العناصر، ويمكن الاتفاق العام على اطارها. لكن عندما تتحدث عن الخطوات نفسها لا يمكن تشكيل الحكومة قبل انتخاب الرئيس. اذن، يجب ان يأتي انتخاب الرئيس قبل تشكيل الحكومة. وشيء طبيعي ان يكون الانتخاب هو الخطوة الاولى، لكن ان يكون في اطار تفاهم على الكل قبل هذا. نحن نحاول الوصول الى هذا”.


واذا كان الجزء الاول من هذا الكلام واضح ومفهوم عندما يتحدث عن اولوية انتخاب الرئيس الذي له دوره الدستوري في تشكيل الحكومة، وقد نص البند الثاني من المبادرة العربية صراحة على ضرورة تشكيلها وفق الدستور، فإن الجزء الاخير منه غير مفهوم على الاطلاق عندما يقول ان انتخاب الرئيس يجب ان يكون “في اطار تفاهم على الكل قبل هذا”، بما يعني انه يريد ان يخلط تتابع “الخطوات” بـ”السلة الواحدة”، وهو ما يذكر بطريقة الكانغورو في السير ولكن قفزاً على القدمين معاً!

 

ولا ندري كيف يمكن الاهتداء الى “ديبلوماسية الكانغورو” في جبال السياسة اللبنانية الوعرة، لكن الحديث عن “التفاهم على الكل” قبل اولوية الانتخاب هو بمثابة دعوة الى مرور جملين من خرم الابرة الواحدة، لا بل مرور قطيع من الجمال من هذا الخرم!


ويستطيع السيد موسى ان يتذكر قائمة المطالب والاشتراطات التي قصفه بها الجنرال ميشال عون في الجلسة الرابعة والاخيرة مطالباً بأن يتم التوافق عليها قبل الانتخاب وهي:
الثلث المعطّل في الحكومة، وتوزيع الحقائب الوزارية والمجلس الدستوري وقانون الانتخاب والتعيينات العسكرية والامنية وما الى ذلك.


إن الحديث عن “التفاهم على الكل” قبل الانتخاب هو امر غير معقول لأن جزءاً من هذا التفاهم يجب ان يتم مع الرئيس، وما لم يتم انتخابه ويصبح موجوداً لا يمكن التفاهم مع الفراغ، إلا اذا كان المطلوب ضمناً تجاوز الدستور واسقاط اتفاق الطائف الذي أناط برئيس الجمهورية المسيحي مسؤولية صريحة وواضحة في مسألة تشكيل الحكومة على الاقل.

 

واذا كان موسى قد اقرّ جدلاً بمنطق دمشق الداعي الى عدم تجزئة المبادرة وبأن تؤخذ كسلة متكاملة، فإن من المستحيل أكل كل عناقيد هذه السلة دفعة واحدة الا اذا كان المطلوب اختناق الآكلين.


في اي حال، جاء كلام الامين العام للجامعة قبل ان يعلن الوزير وليد المعلم امس “ان لبنان أضاع فرصة ذهبية” لأن حكومته التي تعتبرها دمشق غير شرعية وغير دستورية قررت عدم المشاركة في القمة. واذا كان موسى قد اوحى انه قد يعود الى بيروت بعد القمة، فإن غيابه عنها سيطول كثيراً.


واذا لم يصدق هذا ليس عليه إلا ان يقرأ جيداً كلام وزير خارجية سوريا الذي قال: “إن حل الازمة يقع على عاتق اللبنانيين من خلال الحوار، وان على الدول العربية تشجيع هذا الحوار، ولا سيما تلك الدول التي ترتبط بعلاقات جيدة مع لبنان مثل السعودية و مصر”.

 

واضح تماماً ان هذا الكلام هو رد مباشر على المطالبات السعودية والمصرية المتلاحقة الموجهة الى سوريا لتسهيل الحل وتنفيذ المبادرة العربية، وهي مطالبات وصلت الى حد التلويح بخفض مستوى التمثيل في القمة وهو ما حصل عملياً، ولكن المسؤولين السوريين لم يكتفوا بالقول ان القمة ستعقد بمن حضر بل قالوا صراحة ان من يقاطع سيندم، وان مصالحهم في لبنان تتقدم على القمة في نظرهم!!


واذا كانت العلاقات العربية قد دخلت مرحلة من التأزم والتصعيد السياسي لن تلبث نتائجه الساخنة ان تظهر ابتداء من يوم الاثنين المقبل بعد القمة مباشرة، فإن على السيد عمرو موسى ان يجد ملفاً لائقاً يواري في ثراه جثة المبادرة العربية التي لن تجد من يقيم لها مأتماً او تشييعاً.


أما القبائل اللبنانية، فليس عليها الا ان تمضي في دفن رؤوسها في رمال الفراغ الزاحف في كل الاتجاهات: فراغ الرئاسة، وفراغ البرلمان، وفراغ الحس، وفراغ الحياء، وفراغ العقول من الوعي، وفراغ العيون حتى من دموع سيذرفونها كالنساء على وطن لم يحافظوا عليه كالرجال، كما قالت ام عبدالله في الاندلس.

المصدر:
النهار

خبر عاجل