#adsense

مقاطعةُ لبنان تكرّس القضيّة اللبنانية عنواناً لمعركة “المحور العربي”

حجم الخط

الموقف السعودي والمصري ينزع الغطاء الشرعيّ العربيّ عن النظام السوريّ
ويرفعُ مستوى الضغط عليه

مقاطعةُ لبنان تكرّس القضيّة اللبنانية عنواناً لمعركة “المحور العربي”

نصير الأسعد

 

للمرّة الأولى في تاريخ القمم العربية تشارك المملكة العربية السعودية ومصر على مستوى منخفض، ويقاطع لبنان. الأولى تحضر بسفيرها لدى الجامعة العربية والثانية بوزير شؤونها البرلمانية.


سقوط نظرية الفصل بين القمّة ومكانها


هذا في “الشكل”. غير أنّ الأمور، في “المضمون”، أعمق من ذلك بكثير.
طبعاً، لم تصمد طويلاً “النظرية” التي دعت إلى تحديد الموقف من القمّة لا سيما لجهة مستوى التمثيل فيها، بمعزل عن مكان إنعقادها أي بمعزل عن الدولة التي تستضيفها بما انّ القمّة صارت “مؤسسة” وتنعقد دورياً كلّ عام وتستضيفها الدول الأعضاء بحسب التسلسل الأبجدي.


لم تصمد هذه “النظرية”، خصوصاً انّ النظام الحاكم في الدولة المضيفة، أي سوريا، وهو طرفٌ مباشر في عدد رئيسي من الأزمات في المنطقة، يريد أخذ مشروعية لا يستحقّها من هذه القمّة. وكان من المفترض انّ النظام السوري الذي تقرّرت إستضافة بلاده لقمّة العام 2008 قبل عام، أن يلتزم ليس فقط بميثاق الجامعة بل بالأسس التي تم إعتمادها في قمّة الرياض العام الماضي لـ”النظام العربي” والعلاقات بين دوله. لكنّه واصل خلال عام حربه على ثلاثة كيانات وأنظمتها في لبنان وفلسطين والعراق، شاهراً التهديد بإرهابه باتجاه دول أخرى.
البُعد الأول في “المضمون” إذاً هو بُعد إحتجاجي عربي على سياسات النظام الحاكم في سوريا ضدّ النظام العربي والتضامن العربي، وهو إعلانٌ صارخ برفض إعطاء المشروعية له.


أول نزع للغطاء العربي


على أنّ البُعد الثاني ـ والأهم من الأول ـ هو أنّها المرّة الأولى التي ترفع المملكة ـ ومصر ـ الغطاء عن النظام السوري، وهما تعلنان ـ ضمناً ـ أن لا شرعية عربية له، بل انه لا يُمكن أن تكون له شرعية عربية طالما انّه يخوض حرباً ضدّ الشرعية العربية. وعندما يُقال انّ المملكة ومصر تنزعان الغطاء عن نظام الأسد، فليس معنى ذلك انّ دولاً عربية أخرى تحضر القمّة بمستوى تمثيل أرفع تمنحه غطاءها. ذلك انّ عدداً من هذه الدول “الأخرى” تحضرُ لـ”حسابات” شتّى منها أنّها تحاول أن “تداري” ظروفها. وعلى كلّ حال، فإنّ “معيار” الموقف العربي تاريخياً تحدّده المملكة ومصر.


رسالة عربية: زمن “سوريا الإقليمية” إنتهى


أمّا البُعد الثالث في “المضمون”، والذي لا بدّ من تسليط الضوء عليه، فهو انّ المملكة ومصر توجهّان رسالةً واضحةً إلى النظام السوري من جهة وإلى “العالم” العربي كلّه من جهة أخرى، بأنّ زمن “سوريا الإقليمية” ليس فقط إنتهى بل انّه أمر ضدّ المصلحة العربية. ذلك انّ المصلحة العربية تقتضي أن يتجسّد العرب مجتمعين كقوّة إقليمية أي أن يكون “النظام العربي” تجسيداً للموقع الإقليمي للعرب. وعلى هذا الأساس تكون سوريا في سوريا وليس في لبنان أو فلسطين أو العراق. وهذا هو التموضع العربي الذي رسّخته قمّة الرياض حيال التطوّرات والمستجدّات الإقليمية والدولية.


عزلة نظام الأسد والضغط عليه


إذاً، تأسيساً على هذه المقدّمات، ثمّة حاجةٌ إلى تلمّس النتائج التي تترتّب على الموقف العربي، السعودي والمصري إنطلاقاً.


لا شكّ انّ النتيجة المنطقية الأولى هي انّ النظام السوري دخل في عزلة عربية بالرغم من إستضافة القمّة في دمشق، أي بالرغم من أنّ حدثاً من هذا النوع كان يُفترض أن يعني العكس.
ولا شكّ أيضاً انّ هذا الموقف العربي يعني ثانياً أنّه أقوى ضغط سياسي عربي على النظام في سوريا منذ ثلاثة أعوام، أي منذ إنسحابه رسمياً من لبنان نهاية نيسان 2005.
تأثير الموقف السعودي أوروبياً.. وإيرانياً
بيد أنّ ما ينبغي التركيز عليه ثالثاً هو تأثير الموقف السعودي خاصة، والسعودي ـ المصري المشترك، على مواقف أطراف أخرى على الخارطة الدولية والإقليمية.


في هذا المجال، غنيّ عن القول إنّ هذا الموقف العربيّ “يشرّع” ضغطاً دولياً متصاعداً على نظام الأسد و”يشرّع” مزيداً من العزلة الدولية حوله. وإذا كان من باب تحصيل الحاصل أن الموقف الأميركي مستنفرٌ أصلاً، فانّ التأثير يذهبُ أكثر إلى المدار الأوروبي، غرب أوروبا وشرقها. وسيفرضُ الموقف السعودي ـ المصري إنحياز فرنسا والاتحاد الأوروبي من ناحية، ويجب عدم الإستهانة بـ”التطوّر” الحاصل على صعيد الموقف الروسيّ من الوضع في لبنان وقضايا المنطقة من ناحية ثانية.


وينبغي أن يؤخذ في الإعتبار تأثير الموقف السعودي إيرانياً أيضاً. فعندما يبلغ الموقف السعودي هذا “الحدّ العالي” من “الوضوح” والتشدّد حيال النظام السوري ـ المرتبط بإيران ـ من جهة ومن التمسّك بـ”نظام المصلحة العربية” من جهة ثانية، من المنطقي أن تراجع إيران حساباتها جيداً، لا سيما في ضوء ما تعلنه من حرص على العلاقة بالمملكة، وما تؤكده لجهة مصلحتها في عدم إستعداء الوضع العربي والغالبية العظمى من العالم الإسلامي.


تحالفٌ بين “المحور العربي” و”المجتمع الدولي”


بعد هذه القراءة في “معاني” الموقف السعودي والمصري وآثاره وتأثيراته يصبح ضرورياً التوصّل إلى عددٍ من الإستنتاجات.
في الإستنتاجات انّ “المحور العربي” الذي لم يرَ جدوى من جعل القمّة في دمشق ميداناً لمعركة مباشرة مع النظام السوري حول سياساته، أعلن في الوقت نفسه انّ المعركة العربية مع هذا النظام مفتوحةٌ قبل القمّة لكن بعدها خصوصاً. وواقع الأمر أنّ “المحور العربي” أعلن انّه “يردّ” على حرب النظام السوري عليه وعلى “نظام المصلحة العربية”.
وفي الإستنتاجات انّ نوعاً من “التحالف” يتأسس بين “المحور العربي” و”المجتمع الدولي” في مواجهة الدور السوري التخريبي في لبنان وفلسطين والعراق.


إستقلال لبنان معركة ثلاث شرعيّات


وفي الإستنتاجات أيضاً انّ قرار مجلس الوزراء أول من أمس بمقاطعة القمّة في سوريا كان صائباً. فبالإضافة إلى الحيثيات التي شرح مجلس الوزراء قراره بواسطتها، لا يمكنُ إلا القول إنّ معركة لبنان دفاعاً عن إستقلاله وسيادته وحريته ونظامه الديموقراطي ومن أجل “تصحيح” علاقة سوريا بلبنان كياناً ونظاماً وإستقلالاً، انما هي معركة ثلاث شرعيات مجتمعة: الشرعية اللبنانية والشرعية العربية والشرعية الدولية. والحال انّ لبنان جزء من “المحور العربي” خاصة انّ من يواجه هذا المحور هو “محور سوري” أي ليس ثمّة تمحور عربي بين “محورين قطبين”، وخصوصاً انّه بكونِه جزءاً من “المحور العربي” ـ أي “محور النظام العربي” ـ يدافع عن موقعه ودوره العربيين.


“إنتقام” سوري بعد القمّة..ولكن


وفي الإستنتاجات أخيراً أنّ النظام السوري المؤكد إنزعاجه من هذه التطوّرات جميعاً، ليس من “تقاليده” في عهد “الرئيس الإبن” أن يتعقّل ويتصرّف بنوع من البراغماتية، بل من “تقاليده” أن يسعى إلى “الإنتقام”، ويخطئ دائماً في الإعتقاد انّه بذلك يفتح أبواباً مغلقة.


لذلك فمن “حُسن الفطن” توقّع إنتقام سوري في لبنان بعد القمّة. وعندما يقول وزير خارجية النظام وليد المعلّم إنّ “لبنان أضاع فرصة ذهبية بمقاطعة القمّة” فهو يعبّر عن إنزعاجه من عدم إغتباط حكومة الرئيس فؤاد السنيورة بالدعوة السورية وإستقتالها للتلبية، ليس فقط لأنّه ـ النظام ـ كان يحاول “إحضار” الحكومة اللبنانية لرفع مستوى التمثيل العربي في القمّة، بل لأنّ هذه الحكومة وضعت “الأزمة اللبنانية” في نصابها الحقيقي بما هي أزمة لبنانية ـ سورية وطالبت بأن تتمّ صياغة العلاقات اللبنانية ـ السورية بإشراف عربي، لا مجال فيه لـ”تحكّم” النظام السوري، وبما ينقذ وجود الكيان اللبناني أصلاً.
إذاً، إن التنبّه إلى تصعيد سوري في لبنان بعد القمّة، ضروري. لكنّ مع هذا التنبّه، يجب الاّ يغيب عن البال انّ التصعيد هذه المرّة محاطٌ بـ”تطويق” سياسي على غير صعيد عربي ودولي

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل