متى تفك سورية أسر رئاسة الجمهورية اللبنانية؟
فوزي زيدان
فوزي زيدان
تبدو المنطقة العربية في أجواء هادئة بعكس ما تشير إليه بواطن الأمور حيث تجري التحضيرات لعملية عسكرية واسعة يكون لبنان ساحتها الرئيسة.
فالولايات المتحدة الأميركية حشدت سفنها الحربية قبالة الشاطئ اللبناني، للضغط على دمشق سياسياً واقتصادياً، بهدف فك تحالفها مع طهران ومنعها من التدخل في الشؤون اللبنانية وردعها عن تحريض «حزب الله» للقيام بعمل عسكري دراماتيكي لإطاحة الحكومة الحالية التي تحظى بدعم الأكثرية النيابية، ما يؤدي الى سقوط لبنان في فراغ دستوري كامل وتفجير الأوضاع فيه أمنياً وطائفياً وسياسياً، وتهديد استقلاله وأمن المنطقة واستقرارها وموازين القوى فيها، أو القيام بعمل عسكري ضد إسرائيل يؤدي الى اندلاع حرب إسرائيلية جديدة على لبنان ودخول البلد في حال من الفوضى.
وهناك من يعتقد بأن العملية العسكرية المحتملة ستمتد الى داخل إيران لضرب مفاعلاتها النووية، خصوصاً بعد دفع قائد القوات المركزية الأميركية الجنرال وليم فالون، الذي يعارض هذا الأمر، الى الاستقالة من منصبه، وهناك احتمال بأن تطاول سورية و «حزب الله» والمنظمات الإسلامية في فلسطين، ما يؤدي الى إضعاف نفوذ إيران في المنطقة وإعادتها الى حجمها الطبيعي.
واستنفرت إسرائيل وحداتها المسلحة، خصوصاً وحدات السلاح التكتيكي والنووي الموضعي، ونشرت الصواريخ الاستراتيجية في مواقع عند الحدود الشمالية.
في المقابل، استدعت دمشق نحو 70 في المئة من الاحتياط العسكري لديها، ووضعت جميع وحداتها العسكرية خصوصاً الموجودة عند تخوم الجولان في درجة قصوى من الاستنفار. واستكمل «حزب الله» استعداداته العسكرية واللوجستية واستنفر كوادره للمواجهة المرتقبة مع إسرائيل، واصبح في موقع متميز بعد أن حصل من إيران خلال الشهور الأخيرة على صواريخ متطورة بعيدة المدى، وعمم على قياداته السياسية والعسكرية الرئيسة التزام المراكز والمنازل الآمنة. كما أن التدابير الاحترازية التي اتخذتها سفارات عربية وغربية في بيروت لحماية رعاياها وطواقمها الديبلوماسية، تصب في سياق احتمال شن إسرائيل هجوماً واسعاً على لبنان، في حال نفّذ «حزب الله» أي عملية انتقامية لقائده الأمني والعسكري عماد مغنية.
وفيما يتحضر الجميع لعمل عسكري كبير، ينتظر اللبنانيون قبل كل جلسة مقررة لانتخاب رئيس للجمهورية بياناً يصدر عن رئاسة مجلس النواب بتأجيل الجلسة الى موعد آخر، بدل أن ينتظروا انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً توافقياً كخطوة أولى لحل الأزمة اللبنانية. واتجهت أنظارهم أخيراً الى دكار، بعد أن أفشلت دمشق المبادرتين الفرنسية والعربية، على أمل أن تعقد فيها على هامش القمة الإسلامية حلقة جديدة من المشاورات بين الدول المعنية في الشأن اللبناني، يتم فيها اختراق للملف اللبناني يؤدي الى انتخاب العماد سليمان قبل انعقاد القمة في دمشق. هذا لم يحدث، واتضح موقف دمشق من العماد سليمان، بوضع الفيتو عليه من بعض السياسيين اللبنانيين المقربين منها، وهجوم المعارضة الأخير على رئيس مجلس الوزراء فؤاد السنيورة، نتيجة جهوده المكثفة في دكار التي لاقت تجاوباً مع مطلب لبنان في ما يتعلق بإجراء الانتخابات الرئاسية منعاً لتداعيات الفراغ الرئاسي، وإدراج موضوع المحكمة الدولية في صلب مشروع القرار حول لبنان.
وتشير الأمور الى أن دمشق تريد تحويل الأزمة السياسية في لبنان الى ملف من ملفات القمة العربية، وباتت تشترط ضمناً تمثيلاً عربياً عالياً في القمة، ليكون مفتاح العبور الى تسهيل الانتخابات الرئاسية لاحقاً، بينما تريد السعودية ومصر وبعض الـدول العربيــة تسهيل الانتخابات قبل القمة لتحديد مستوى تمثيلها فيه.
وتراهن دمشق على الأحداث الأخيرة في غزة بحيث لن يكون بوسع أي من الــدول العربية التغيّب عن القمة نتيجة خطورة تلك الأحداث وتداعياتها على الوضعين الفلسطيني والعربي. وهدفها من تأجيل البت بموضوع الانتخابات الرئاسية إلى ما بعد القمة، الإمساك أكثر بالورقة اللبنانية لضيق المجال المتاح أمام الجامعة العربية في ضوء فقدان الدول العربية المؤثرة ورقة مشاركتها في القمة، وتستطيع عندها إبقاء الفراغ الرئاسي أطول مدة ممكنة، لتطويع لبنان وإعادته الى كنفها والقضاء على مكتسبات «ثورة الأرز» التي اندلعت فيه بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وأدّت الى خروج قواتها الأمنية والعسكرية من لبنان واستعادته سيادته وقراره الوطني، ومقايضة المجتمع الدولي حول عدد من القضايا الخاصة بها، منها فرملة انطلاقة المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري والجرائم المترابطة بها، مع العلم أنه لم يعد باستطاعة احد التأثير في المحكمة أو في مسارها لما وصلته من مراحل متقدمة، خصوصاً بعد تعيين البريطاني روبن فنسنت أميناً لسجلاتها، ما يعتبر خطوة أساسية في تشكيل جهازها الإداري، وكان قد تم في وقت سابق تعيين القضاة وتأمين الأموال اللازمة لها.
وفي غمرة التحضيرات والاستعدادات العسكرية، يعيش اللبنانيون حالاً من الذعر والخوف من تجدد الحرب، فبدأت العائلات في النزوح من المناطق الجنوبية في اتجاه الداخل الآمن، وتشهد إدارة الجوازات في مديرية الأمن العام إقبالاً غير مشهود على الجوازات، وكذلك السفارات العربية والأجنبية طلباً للتأشيرات. وكأنه كتب على لبنان أن يكون ساحة دائمة للصراع الإقليمي – الدولي، وأن يدفع أبناؤه من دمائهم وأرزاقهم وممتلكاتهم فواتير الآخرين. ويتساءلون ما سيكون تأثير الحرب في حال وقوعها على استقرار بلدهم ومستقبله، وهل ستنفرج الأحوال فيه بحسب المثل اللبناني الشــائــع «اشتــدي أزمة تنــفرجي»، أم يبـــقى الوضع على ما هو عليـــه من تجاذبـــات سياســـية واضطرابات أمنية وتشنجات طائفية ومذهبية؟