من حقيبة “النهار” الديبلوماسية
معركة إسرائيل السرية ضد نظام الأسد
التحقيق في اغتيال مغنية: قنبلة موقوتة تحرج القيادة السورية
التحقيق في اغتيال مغنية: قنبلة موقوتة تحرج القيادة السورية
بقلم عبد الكريم أبو النصر
“تخوض اسرائيل معركة سرية متعددة الجانب مع نظام الرئيس بشار الاسد تهدف الى اضعافه واحراجه وليس الى اسقاطه في هذه المرحلة، وذلك إما لدفعه الى تقديم تنازلات جوهرية لها او “لمعاقبته” على دعمه المستمر لـ”حزب الله” و”حماس” وعلى ارتباطه الوثيق بالقيادة الايرانية، وإما لايقاعه في فخ المواجهة العسكرية معها. وتمارس الحكومة الاسرائيلية في الواقع لعبة مزدوجة في تعاطيها مع نظام الاسد، اذ انها تحاول التغطية على هذه المعركة السرية عبر تأكيدها الاستعداد للتفاوض مع هذا النظام ولكن من دون ان تقوم بأي خطوات او مبادرات ملموسة تظهر فعلا الرغبة في تسوية النزاع مع سوريا بما يؤدي الى اعادة الجولان المحتل بالكامل الى السوريين. كما ان المسؤول الاسرائيلي الذي يبدي اكثر من سواه استعدادا لاحياء عملية التفاوض مع سوريا، اي ايهود باراك وزير الدفاع، هو نفسه الذي اشرف على اعداد خطة اغتيال القيادي في “حزب الله” عماد مغنية في قلب دمشق مما شكل ولا يزال احراجا كبيرا للسلطات السورية”.
هذا ما كشفته لنا مصادر ديبلوماسية غربية في باريس وثيقة الاطلاع على مسار العلاقات السورية – الاسرائيلية، واكدت هذه المصادر ان قضية اغتيال مغنية في دمشق يوم 12 شباط الماضي لا تزال تتفاعل بصورة غير معلنة داخل القيادة السورية. ذلك ان التحقيق السوري في هذه القضية، الذي يتابعه المسؤولون في القيادة الايرانية وفي “حزب الله” باهتمام كبير، هو بمثابة “قنبلة موقوتة” للاسباب الاساسية الآتية:
أولاً، اذا وجهت القيادة السورية اتهاما صريحا ورسميا الى السلطات الاسرائيلية بانها هي التي اغتالت مغنية، كما تفيد مختلف المعطيات، فيجب ان تدعم هذا الاتهام بادلة ومعلومات واعترافات دقيقة ومحددة تقنع ليس فقط الرأي العام السوري والعربي، بل ايضا الجهات الدولية المعنية بالامر، بأن الاسرائيليين هم الذين يقفون وراء هذه الجريمة. فهل تملك القيادة السورية ادلة ومعلومات كافية لدعم اي اتهام توجهه الى الاسرائيليين في شأن هذه الجريمة؟
ثانياً، اذا تمكنت السلطات السورية من ان تثبت ان الاسرائيليين اغتالوا مغنية، وان تشرح بصورة مقنعة طريقة تنفيذ هذه الجريمة، فانها بذلك تعطي الضوء الاخضر الرسمي والعلني لـ”حزب الله” لكي يرد على تصفية احد قادته البارزين بعملية ثأرية كبرى ضد اسرائيل في حجم الخسارة التي مني بها. واذا ما حدث ذلك فان اسرائيل ستحمّل حينذاك النظام السوري مسؤولية المشاركة في اي عملية ينفذها الحزب ضدها، وسترد ليس فقط بضرب مواقع للحزب في الاراضي اللبنانية، بل ايضا بضرب اهداف داخل سوريا.
ثالثاً، استنادا الى معلومات موثوق بها واردة من دمشق على حكومة غربية معنية بالامر، فان هناك نقاشا داخل القيادة السورية حول ما اذا كان يجب التخلي عن سياسة “تجنب المواجهة بأي ثمن مع اسرائيل” التي يعتمدها النظام السوري منذ 1974، والمجازفة بالدخول في مواجهة معها عبر توجيه الاتهام الرسمي اليها باغتيال مغنية وتأمين التغطية اللازمة بالتالي لـ”حزب الله” لمهاجمة اهداف اسرائيلية. ووفقا لهذه المعلومات فان هناك ترددا كبيرا حيال هذه المسألة داخل القيادة السورية ومخاوف جدية من الانجرار الى حرب قد تكون حكومة ايهود اولمرت تسعى اليها، ولكن شرط ان يكون السوريون هم البادئون بها وليس الاسرائيليون.
رابعاً، اذا ما تمكنت السلطات السورية من ان تثبت ان الاسرائيليين هم الذين اغتالوا مغنية في منطقة في قلب دمشق خاضعة لاجراءات امنية مشددة، فان ذلك يعني ان هناك جهة ما مطلعة على تحركات القيادي في “حزب الله” ساعدت الاجهزة الاسرائيلية على تحقيق هذا الاختراق المهم للامن السوري والوصول الى رجل تسعى جهات عدة الى تصفيته منذ سنوات. وهذا الامر يشكل احراجا للنظام السوري ويتطلب منه اتخاذ اجراءات ضد اي مسؤول سوري متورط في هذه العملية.
خامساً، اذا امتنعت القيادة السورية عن نشر نتائج التحقيق في اغتيال مغنية فان ذلك سيثير الشكوك لدى المعنيين بهذه القضية، سواء في ايران او في صفوف “حزب الله”، من ان يخفي عدم النشر تورط جهة سورية ما في هذه العملية وحرص نظام الاسد على حماية هذه الجهة. وهذا سيشكل بالطبع احراجا كبيرا للمسؤولين السوريين.
سادساً، اذا وجهت السلطات السورية الاتهام الى جهة غير اسرائيلية بالتورط في عملية الاغتيال هذه، فان مثل هذا الاتهام ليست له قيمة اذا لم تدعمه السلطات المختصة بادلة ومعلومات مفصلة ودقيقة تثبت التهمة. فهل تملك الاجهزة السورية المختصة فعلا من الادلة والمعلومات ما يثبت ان طرفا عربيا او اقليميا او دوليا نفذ هذه العملية سواء بالتعاون مع الاسرائيليين او في معزل عنهم؟ ام ان الامر كله يقتصر على اقدام بعض حلفاء سوريا في لبنان على ترويج “معلومات” عن تورط جهة عربية في عملية اغتيال مغنية من دون ان تكون هناك اي ادلة او اثباتات، وذلك لمحاولة الاساءة الى هذه الجهة لانها تعارض السياسة السورية في لبنان؟
هذه المعطيات والمعلومات تظهر ان التحقيق في اغتيال مغنية هو فعلا “قنبلة موقوتة” في ايدي المسؤولين السوريين.
رفع الحماية الغربية عن النظام السوري
ضمن هذا الاطار اكدت مصادر ديبلوماسية اوروبية وثيقة الاطلاع ان دولا غربية بارزة “رفعت الحماية السياسية الديبلوماسية عن نظام الاسد وتركت للمسؤولين الاسرائيليين حرية التصرف مع هذا النظام وفقا لما يرونه ملائما لمصالحها ولامنهم القومي”.
واوضحت المصادر ان الدول الغربية اتخذت هذا القرار بعدما احبط الاسد كل الجهود العربية والدولية الهادفة الى اقناعه بالتخلي عن سياساته المتشددة والخطرة حيال لبنان وفلسطين وقضايا المنطقة عموما، وبعدما بدا الرئيس السوري مصرا على اعطاء الاولوية لتحالفه الوثيق مع القيادة الايرانية الساعية الى اضعاف الانظمة العربية المعتدلة وتغيير موازين القوى في الشرق الاوسط لمصلحتها بالتحالف مع القوى المتشددة وعبر سعيها الى امتلاك السلاح النووي بأي ثمن. وذكرت المصادر ذاتها ان قرار رفع الحماية الغربية عن نظام الاسد هو الذي جعل الاسرائيليين يوجهون ضربتين كبيرتين الى السوريين خلال اشهر قليلة: الضربة الاولى وجهها الاسرائيليون في ايلول الماضي بقصفهم وتدميرهم منشآت عسكرية مهمة في الاراضي السورية قد تكون لها علاقة ببرنامج نووي سري قيد الانشاء بالتعاون مع ايران وكوريا الشمالية. ولو لم يكن الامر كذلك لكانت السلطات السورية وافقت على الطلب الذي قدمه لها مرارا بعد الغارة الاسرائيلية المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية محمد البرادعي ويقترح فيه ارسال مفتشين دوليين الى موقع الغارة للتأكد من عدم وجود نشاطات نووية او ذات علاقة باسلحة الدمار الشامل في هذا الموقع، لكن السوريين يرفضون الى اليوم الاستجابة لطلب البرادعي هذا مما يثير شكوك الوكالة الدولية للطاقة الذرية. والضربة الثانية هي اقدام الاسرائيليين على اغتيال مغنية في قلب دمشق. وفي الحالتين امتنع السوريون عن الرد على هذه العدوانية الاسرائيلية بل انهم جددوا في الفترة الاخيرة رغبتهم في معاودة مفاوضات السلام مع الدولة العبرية.
واشارت المصادر الاوروبية المطلعة الى ان احتمال توجيه ضربات اسرائيلية اخرى الى السوريين “وارد جديا” وخصوصا ان هناك نقاشا داخل القيادة الاسرائيلية حول ما اذا كان يجب الاكتفاء بضرب “حماس” والتنظيمات الفلسطينية التي تواصل القتال ضد الاسرائيليين وبضرب “حزب الله” في حال نفذ هجمات جديدة ضد اهداف اسرائيلية، ام يجب توسيع نطاق المعركة وتنفيذ عمليات عسكرية ضد مواقع داخل الاراضي السورية، من جهة “لمعاقبة” نظام الاسد على تقديمه مختلف انواع الدعم للقوى الفلسطينية الرافضة السلام مع اسرائيل، ومن جهة اخرى “لمعاقبة” هذا النظام على انتهاكه القرار 1701 من خلال مواصلة امداده “حزب الله” بمختلف انواع الصواريخ والقذائف والاسلحة السورية والايرانية الصنع.
واستنادا الى هذه المصادر، فان هناك تيارا داخل القيادتين السياسية والعسكرية الاسرائيلية يؤيد فعلا توجيه ضربات عسكرية ضد مواقع واهداف سورية ردا على الدعم السوري لـ”حزب الله” و”حماس” ولتنظيمات فلسطينية مسلحة اخرى.
العلاقة الخطرة بين سوريا واسرائيل
ضمن هذا الاطار يبرز السؤال الآتي: ما هو اذاً مصير المساعي التي تبذلها تركيا وجهات اخرى لاطلاق عملية تفاوض جديدة بين سوريا واسرائيل؟
مصادر ديبلوماسية اوروبية وثيقة الاطلاع على تطورات هذه القضية كشفت لنا الوضع الحالي للعلاقة القائمة بين سوريا واسرائيل بعيدا من الاشاعات والتحليلات المضللة والخاطئة:
اولا، اسرائيل تتمسك علنا ونظريا بالاستعداد لمعاودة المفاوضات مع سوريا لكنها تخوض، فعليا، حربا سرية ضد السوريين اتخذت حتى الآن شكل استباحة سيادتهم واختراق امنهم، وقد تتخذ اشكالا اخرى في المرحلة المقبلة. وتبدي سوريا، على لسان مسؤوليها الكبار، رغبة في تحقيق السلام مع اسرائيل من دون ان تقوم باي خطوة حقيقية وملموسة نحو السلام، وتخوض في الوقت نفسه حربا غير مباشرة مع الدولة العبرية عبر تقديمها مختلف انواع الدعم لـ”حزب الله” و”حماس” وتنظيمات فلسطينية اخرى.
ثانياً، اسرائيل ليست راغبة في ان تصنع السلام مع سوريا وفقا لشروط الاسد ومطالبه التي تقضي باعادة الجولان المحتل بالكامل الى السوريين، والسماح لهم باستغلال مياه بحيرة طبريا بعد الانسحاب الاسرائيل الى حدود 4 حزيران 1967 في مقابل توقيع معاهدة سلام بين البلدين. وسوريا، من جهتها، ليست قادرة على دفع ثمن السلام كما حددته القيادة الاسرائيلية التي ترفض تقديم اي التزام رسمي باعادة الجولان بالكامل الى السوريين وبالانسحاب الى حدود الرابع من حزيران 1967 والتي تريد في الوقت نفسه الحصول على التزامات سورية في بداية المفاوضات باستعداد نظام الاسد للتخلي عن تحالفه الوثيق مع ايران وبوقف كل انواع الدعم لـ”حزب الله” و”حماس” والتنظيمات الفلسطينية الاخرى في مقابل توقيع معاهدة سلام مع الدولة العبرية.
ثالثاً، اسرائيل تريد استغلال مفاوضات السلام مع سوريا، في حال توافرت شروط انطلاقها، من اجل اضعاف نظام الاسد ولجم دوره الاقليمي ووضع قيود متعددة عليه. وهي ليست راغبة في ان يؤدي السلام الى تقوية النظام السوري وتعزيز مواقع حلفائه. في المقابل، فان النظام السوري يريد استغلال انطلاق مفاوضات السلام مع اسرائيل لمحاولة تحقيق مكاسب مهمة له وتعزيز دوره الاقليمي وتحسين علاقاته مع الاميركيين والاوروبيين وفرض هيمنته مجددا على لبنان والافلات من المحكمة الدولية بشكل او آخر. فالاولوية بالنسبة الى الاسد ليست استعادة الجولان ودفع الثمن الملائم لذلك، بل تعزيز مواقعه داخليا ولبنانيا واقليميا ودوليا، وهو يرى في عملية التفاوض مع اسرائيل الوسيلة الملائمة لتحقيق اهدافه الاساسية هذه.
ووفقا للمصادر الاوروبية المطلعة، فان العلاقة بين سوريا واسرائيل هي “علاقة خطرة” خلافا لما يحاول الطرفان ايحاءه علنا، كما ان هذين البلدين هما “في حال مواجهة قابلة للتطور وليسا في حال سلام او استعداد للسلام”.