#adsense

بوليس الثقافة… وثقافة الغباء (جولي مراد-الجريدة الكويتية)

حجم الخط

بوليس الثقافة… وثقافة الغباء
مقرب من حزب الله منع الفيلم ووزير حريري ألغى القرار
جولي مراد


لم يصمد قرار الرقابة اللبنانية منع عرض فيلم «برسيبوليس» السينمائي الفرنسي- الانتاج لمؤلفته الايرانية الأصل مرجان ساترابي أكثر من 48 ساعة، لكنه ومن حيث لا يدري، زوّده بحملةٍ تسويقية ما كانت لِتحلم بها شركة الانتاج أو المؤلفة نفسها، التي نال فيلمها جائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان «كان» ورُشّح لأوسكار هذا العام، وبيع من كتابها أكثر من مليون نسخة في العالم منذ صدوره.


ورغم فشل قرار الرقابة فانه عبر عن القمع ذاته الذي نطقت ضدّه صفحات كتاب شريط ساترابي المصوّر- الذي اطّلع عليه قرّاء عالمنا العربي منقولاً الى العربية بفضل الناشر اللبناني la CD – thèque (2003) – وعاد ليُلاحق المؤلّفة بلا هوادةٍ رقيباً خلوقاً حريصاً على مَطالِب «المراجع الدينية»، ربما ليُبقي حياً في ذهنها صور الارهاب الفكري التي تعرّض، وما زال يتعرّض لها شعبها، وليُبقي متّقداً في روحها شعور الاحتقار عينه الذي انتابها حين قُلب نظام بلدها رأساً على عقب إبان الثورة الايرانية وبعدها، وتحديداً في الفترة الممتدة بين 1979 و1984، التي شهدت قتل كثير من أقربائها واعتقالهم لانتمائهم السياسيّ وفرض الحجاب، وحرمانها من اسطوانات «كيم وايلد» و«آبا» و«آيرن مايدن» وجينزات «الدينيم».


لم تفهم مارجي (تسمية أطلقتها عليها جدّتها)، التي كانت في ربيعها العاشر، زوبعة التغييرات السياسية والاجتماعية التي قوّضت بضربةٍ واحدة دعائم شبّت عليها. شعرت كأنّ أحدهم قضى بجُموحه المتهوّر على توازنها. لم يُساعدها أحد للوقوف على ماهيّة ما كان يحصل، لم تفهم مثلاً طلب معلّمتها منها ومن زميلاتها في الصفّ تمزيق صور الشاه من كتبهنّ بعد اطاحته خصوصاً أنّها هي بالذات من أكّدت في حصصٍ سابقة أنّ الشاه «مُختار من الله».


وشأنها تماماً، لا يفهم، اللبنانيون خصوصاً، والبشر عموماً، تنصيب الرقابة نفسها وصياً عليهم، هؤلاء غير الواثقين من كلّ شيء في بلدهم اللّهم إلا من قدراتهم الفكرية، بحجة شكاوى وصلت الى الامن العام ضدّ الفيلم الذي يحوي انتقادات للنظام الايراني، ولم يكونوا طبعاً على علم بوجود «بوليس للثقافة» في بلدهم حتى لفت مدير عام الأمن العام اللواء وفيق جزيني نظرهم الى هذا الموضوع.


ربما كان أهل الرقابة الكرام يعلمون، أو لا يعلمون، أنّ الفيلم الذي أدانه أحمدي نجاد واصماً إياه بوصمة «معاداة الاسلام» و«مناهضة إيران» عُرِض، وإنْ خلسةً، بنسخة مُقرصنة على شاشة مركز «ريساني» الثقافي في طهران بحضور 70 شخصاً وبترجمة ايرانية، وروى «البلوغرز» الايرانيون أنّهم «بكوا» و«انفجروا ضحكاً» لِمشاهد من الفيلم لأنّهم وجدوا في طياتها «بعضاً من ذاتهم». طبعاً لم ينجُ الفيلم من مقصّ الرقابة، فقد أُلغيت منه المشاهد الجنسية كرمى لعيون السلطات الثقافية، وكضمانةٍ منها للسماح بعرضه، ودُعي لحضوره، كلفتةٍ تستميح مُتشدّدي النظام عذراً، أحد أكثر نقاد السينما شهرةً لآرائه المحافظة السيد حسين معززينيا، الذي نوّه بالفيلم تقنياً ولم يتوانَ عن لوم ساترابي لنقلها “وجهة نظر مبتورة”، على حدّ قوله، عن ايران في أيام الثورة الايرانية. فهو يُنكر عليها أنّ «أقليةً خطفت الثورة لأنّ الملايين دعموا الامام الخُميني»… حقيقة تنتظر من يُثبِتُ مصداقيتها في الأيام المقبلة، حين تختفي مقصلة الارهاب الفكري، وقد حرصت المؤلفة على الاشارة الى أنّها لم تروِ قصة حياتها بل استخلصت قصةً منها «فالبحثُ عن الحقيقة أهم بكثير من البحث عن الواقع».


وما لا لبس فيه أنّ قرار الأمن العام اللبناني أجّج فضول الذين لم يسمعوا يوماً باسم ساترابي أو قرأوا لها، وفتح لها باب الشهرة «الجماهيرية» على مصراعيه، فهنيئاً لها بهذا «النصر» من صنع «الآدميين» لا الآلهة. فالفضول الذي يحرّك جماهيرها هو الفضول عينه الذي دفع الآلاف الى شراء رواية «دافنشي كود» سابقاً، وسيدفع الآلاف حالياً الى شراء رواية The Bastard of Istanbul للكاتبة التركية أليف شفق لمجرّد تعرّض مؤلفته لدعوى قضائية بسبب «إهانتها الحضارة التركية» لتضمين كتابها شخصياتٍ أرمنية عانت من «المجزرة». والرقابة التي تسلّط سيفها على «برسيبوليس» هي الرقابة عينها التي زادت من مبيعات حامل جائزة نوبل لعام 2006 أورهان باموك. «المؤلّف هو أكثر من مؤلّف في تركيا، تقول أليف شفق، فغالباً ما لا يتمّ التركيز على الكتابة عينها بل على المؤلّف نفسه»، وربما وافقها باموك الرأي حين سمّى نفسه «رجل أدبٍ وقع في شرك السياسة».


رأى اللواء جزيني أنّه من واجب الأمن العام منع عرض الفيلم كإجراءٍ «روتينيّ» نزولاً عند طلب المراجع الدينية أما اللبنانيون فسارعوا، قبل ان يلغي وزير الداخلية حسن السبع قرار جزيني، الى شراء نسخة من الـDVD المُقرصَن المتوافر في «الضاحية» وخارجها بدولاريْن ويتبادر الى ذهنهم ما قالته ساترابي رفضاً لتكريس صورتها كمناضلةٍ تُكافح ثقافة يهيمنُ عليها الرجال: «لستُ أدافع عن حقوق المرأة فما أحاربه هو الغباء!».

 

جريدة “الجريدة” الكويتية

المصدر:
الجريدة الكويتية

خبر عاجل