#adsense

المسألة الثقافيّة في السياسة اللبنانيّة

حجم الخط

المسألة الثقافيّة في السياسة اللبنانيّة
حازم صاغيّة

 

ليس مألوفاً أن تهتمّ السياسة اللبنانيّة بالثقافة على النحو الذي نعهده اليوم. صحيح أن الاهتمام هذا لا يمسّ أوّليّة الطوائف بوصفها الوحدات التي تتألّف منها السياسة وتنهض عليها. لكن الصحيح أيضاً أن «الانقسام الثقافيّ» كان أكثر ما انشدّ إليه الضوء في الوثيقة الأخيرة لـ14 آذار، بينما صدّر السيّد حسن نصرالله آخر خطبه (حتّى الآن) بـ «معركة الوعي» والهجوم على المثقّفين ممن لم يكن ليعبأ بآرائهم كميل شمعون أو كامل الأسعد أو رشيد كرامي من رجالات «النظام القديم». كذلك يلفت النظر، في دعويين قضائيّتين على الأقلّ يُعنى بهما مثقّفون، ذاك التجاور بين استدخال القانون وصدّه الذي يتماشى مع قيم الحروب الأهليّة وغابتها.

 

وهذا عموماً من إمارات تحديث الحياة السياسيّة في لبنان، مما رأينا إرهاصات له وإشارات متفرّقة عنه في تولّي مثقّفين ومستنيرين (غسّان سلامة، طارق متري) مواقع وزاريّة، وفي الحقل الثقافيّ تحديداً. واللافت أن تلك الارهاصات والإشارات أتت من منصّة السلطة، لا من قواعد المجتمع وطوائفه، ما يملك دلالات حَريّة بأن تستوقف الدارس والمراقب.

 

فنحن ما أن نتذكّر أن التحديث هذا محاط بالطوائف واحتمالات التحارُب بينها حتّى نجدنا حيال المفارقة التي بتنا نسمّيها، بقدر من الاستسهال، عولمة. فهناك الهويّات الصغرى ولها ثقافتها وإعلامها المقروء والمرئيّ على نحو لم يتوافر في عقود سابقة. وفي المعنى هذا تمارس الهويّات تلك ما تمارسه كلّ نزعة الى تعميم ذاتها وطمرها في كلّ أكبر كـ «العروبة» و «الإسلام» و «المقاومة». وهناك، من جهة أخرى، ثقافة حديثة مناطها الدولة القائمة (المهدّدة)، ثقافةٌ تجد في توحّد الحاجات والأذواق المدينيّة، وفي تطوّر أدوات المعلومات والاتّصال، فضلاً عن قيم حريّة التعبير والاختلاف، ما يشحذها.

ويبدو، أقلّه تبعاً لخطاب نصرالله الأخير، أن الثقافة الأولى قرّرت أن تنقضّ على الثانية بأداة الهويّة لا بأداة الثقافة. ويُخشى أن نكون في عشيّة انقضاض من هذا النوع تشجّع على افتراضه حقائق عدّة.

 

فثقافة الهويّة التي يرعاها «حزب الله» ويمثّلها تفشل في إحكام قبضتها بصفتها هذه. ذاك أن مثقّفي الشيعة، وعلى نحو يكاد يكون إجماعيّاً، يقفون خارج هذا الوعد الجامع، الذي قد يكون صادقاً إلاّ أنه، بالقدر نفسه، صاعق. وربّما صحّ القول إن المثقّفين الشيعة هؤلاء هم اليوم أكثر اللبنانيّين لبنانيّة وأكثرهم ثقافيّة، تبعاً للتضارب بين ما يحملونه من أفكار وتصوّرات وبين التنظيم الذي يُفترض أنه حارس هويّتهم الطائفيّة التي أخرجوا أنفسهم منها.

 

يزيد في توقّع الانقضاض أن البيئة الثقافيّة في لبنان، على عمومها، غدت أجرأ وأعلى صوتاً في رفض ما وُصف طويلاً بأنه «مقدّسات» وما جرى طويلاً باسم «قدسيّته» ابتزاز الجميع. وهو ما يظهّر العزلة التي ينكفئ إليها، على الصعيد هذا، دعاة «القداسة» ومشيعوها. بيد أن الانقضاض المرجّح يعثر على أقوى أسبابه في الطرق المسدودة أمام «الحزب». فما بين تجنّب الصدام بالطوائف، وتجنّب الصدام بإسرائيل، تغدو الثقافة خصماً سهلاً تُستحضر في خصومته عدّة شهيرة من التخوين والتكفير والمكارثيّة والمطالبة بالانضباط والتعيير بالجبن وبالأمراض النفسيّة والأفكار المستوردة والفرديّات المريضة وغير ذلك.

 

هكذا تقف مناهضة الثقافة، وهي ثقافة أيضاً، في وجه ثقافة الحريّة والتجرّؤ على «المقدّسات». وهي موقعة يعرف كلّ من تابع التاريخ الثقافيّ حضورها المكين فيه، كما يعرف أن كلّ تحديث يطرأ على الحياة العامّة يستثير خوفاً مهجوساً بقمعه، وهذا بدوره ثقافة.

المصدر:
الحياة

خبر عاجل