لولا 14 آذار لما عدلت اميركا موقفها في العراق
حسن صبرا
دون أي مبالغة او مجاملة او مباهاة.. لولا جماهير 14 آذار/مارس التي طردت نظام الوصاية السورية الكريهة على لبنان من وطنها المقهور، لما امكن لإدارة الرئيس الاميركي جورج بوش ان تعدل موقفها الغريب من الاسلام، وتحديداً اسلام الاغلبية السنية سواء في لبنان او الدول العربية، وانتج هذا التعديل اقدام الولايات المتحدة الاميركية على توازن جديد في سياستها تجاه القوى والعصبيات الاسلامية العربية بين سنة وشيعة في العراق.
انها مسألة مترابطة جدلياً تبدأ في انه لولا احتلال الجيش الاميركي للعراق عام 2003، لما امكن اصدار قانون محاسبة سوريا وحرية لبنان في الكونغرس الاميركي في العام نفسه، ولما امكن صدور القرار 1559 الخاص بإخراج القوات السورية من لبنان، وقد دخلته بقرار اميركي – صهيوني وبتغطية عربية مع اعتراض عراقي – فلسطيني اكيد (يومها).
ولولا الاحتلال الاميركي للعراق لما صعدت القوى المذهبية وميليشياتها المرتبطة حتى النخاع بالاستخبارات الايرانية، حتى باتت هي السلطة الفعلية في عراق ما بعد صدام حسين.
ولولا عبث الاستخبارات السورية في دعم وتمويل وتسهيل دخول عناصر القاعدة والمجموعات الارهابية المرتبطة بها الى العراق، لما صممت الولايات المتحدة على ملاحقة النظام السوري من العراق الى لبنان.
وفي الحالتين كان غباء القيادة السورية هو الذي سلم اميركا الورقة الرابحة كي تلعبها لإخراجها من لبنان ومعاقبتها في العراق.
غباء القيادة السورية صور لها امكانية فرض التمديد لتابعها في قصر بعبدا يوم 2/9/2004، فكان هذا الغباء مدخلاً لأميركا كي تصدر عن الامم المتحدة القرار 1559، الذي اعلن بشار سحب قواته من لبنان بناء عليه يوم 5/3/2005.
غباء القيادة السورية صور لها امكانية قتل رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري والحاقه ببقية الشهداء الكبار في الوطن من كمال جنبلاط الى المفتي حسن خالد الى رينيه معوض.. ومرور الجريمة بسلام كما جرت سابقاتها.. فإذا بجماهير 14 آذار/مارس تقلب المعادلة وتلزم نظامه على الهرب من لبنان ذليلاً مطروداً.
جماهير 14 آذار/مارس لم تكن لتقدر على احداث الثورة الفعلية في لبنان والمنطقة لولا العامل الاسلامي السني وجماهيره بعد استشهاد قائدها رفيق الحريري يوم 14/2/2005 بجريمة امر بها وأعدها ونفذها رؤساء النظام السوري الامني وفي قيادته بشار وماهر الاسد وصهرهما آصف شوكت.. بالتواطؤ الاكيد مع الاستخبارات الايرانية وأدواتها في لبنان وفي مقدمتهم لواء الحرس الثوري المعروف باسم حزب الله.
كانت الإدارة الأميركية وبعد 11/9/2001 اعتبرت ان عدوها الأول في المنطقة والعالم هو الإسلام السني المتطرف ولأنها ليست على استعداد للوقوف والتمييز بين الإسلام المعتدل والإسلام المتطرف، فإنها ضربت الجميع في الصميم من أفغانستان إلى العراق، ظانة واهمة ان الشيعية السياسية سواء في إيران أو سوريا أو حزب الله يمكن أن يكونوا سنداً لها ضد الإسلام السني، فكانت النتيجة انها ضربت الاسلام المعتدل قبل الاسلام المتطرف وأتاحت الفرصة أكيدة وعريضة ورابحة للإسلام الشيعي من إيران إلى سوريا إلى حزب الله للتمدد والإرهاب وتهديد استقرار العرب كلهم.
قتل الاسلام الشيعي (إيران، سوريا، حزب الله) رفيق الحريري، ثار الاسلام السني في لبنان فأعطى لجماهير 14 آذار/مارس وقواها غطاء عريضاً يمتد من بيروت وطرابلس وصيدا والبقاع وإقليم الخروب إلى طنجة في المغرب وعمان في الاردن وكل الخليج واليمن ومصر والسودان وكل المغرب العربي.
استفاقت الإدارة الأميركية إلى هذه الحقيقة الجديدة.. ان الاسلام المعتدل المجسد في جماهير 14 آذار/مارس على الأقل في جانبها الاسلامي المحتج على اغتيال قائده والثائر من سلوكيات النظام السوري الكريه، المتحالف مع أبناء وطنه المسيحيين الثائرين قبله على النظام السوري وممارساته والمتحالف مع الزعيم الوطني وليد جنبلاط المهدد بالقتل كل لحظة كما قتل والده بسبب آرائه الاستقلالية والسيادية ومصالحته مع مسيحيي الجبل وكل لبنان.. هذا الإسلام المعتدل ينشد الحرية والاستقلال والسيادة، والتخلص من سمة الإرهاب التي يحاول نظاما دمشق وطهران إلباسه إياها قسراً، وان هذا الاسلام هو جزء من الاسلام العربي الذي يريد الوصول إلى حياة حرة كريمة ليكون جزءاً أساسياً من هذا العالم، بحضارته وثقافته واعتداله ويريد استعادة الحق السليب في فلسطين عبر تسوية سلمية يقيم فيها دولة مستقلة كاملة السيادة فوق أرضها، متمسكاً بالشرعية الدولية ويخرجها من سوق المزايدات الرخيصة والصفقات القاتلة التي نسجها نظاما دمشق وطهران ضاغطاً على أميركا كي ترسم لنفسها مكاناً جديداً في هذا الشرق بحل الموضوع الفلسطيني بما يشتهي العرب جميعاً.
انه ربما أحد أهم انجازات جماهير 14 آذار/مارس بوعيها أو بدونه سيان، فالمهم ان هناك تعديلاً جذرياً حصل في السياسة الأميركية تجاه العراق وضرورة إخراجه من فم التنين الإيراني الذي يلتهم بلاد الرافدين قضمة إثر أخرى، حتى بات مصير لبنان كمصير العراق مرتبطاً بقدرة هذا التنين على الهضم، وبات مصير لبنان كما العراق محدداً بقدرة العرب أولاً على طعن هذا التنين بالسلاح المناسب.. أي سلاح لتحرير لبنان كما العراق.